; منهجية دراسة السيرة النبوية (1-6) | مجلة المجتمع

العنوان منهجية دراسة السيرة النبوية (1-6)

الكاتب عبدالرحمن الحجي

تاريخ النشر السبت 27-فبراير-2010

مشاهدات 66

نشر في العدد 1891

نشر في الصفحة 48

السبت 27-فبراير-2010

  • الكثرة الغالبة من أمهات الكتب تتناول السيرة النبوية على الترتيب الزمني والقلة منها تناولتها باعتبار موضوعاتها. 
  • دراسة السيرة وفق الترتيب غير الزمني تستهدف التحليلات التي تحمل العبرة من خلال الإلمام بأحداثها وسبر أغوارها.

الكم الهائل الغني في تناول السيرة النبوية الشريفة - على صاحبها الصلاة والسلام - تتحفنا بشمول كل ما يتعلق بها، سنة وسيرة وغزوات، ولم تبق جانبا من كل ذلك مجهولًا أو غائبًا أو خفيًا، مما يتعلق بهذه السيرة الكريمة عمومياتها وخصوصياتها، إضافة إلى التنوع في الموضوعات الأحداث، والشمائل والدلائل.
هيأ الله تعالى لذلك كُلَّ الأسباب، مُقيّضًا لها مِنْ خِيارٍ سَلف هذه الأمة من أوصلوها إلينا موثقة مدققة محققة توارثتها الأمة جميعًا جيلًا بعد جيل، شاكرة مقدرة داعية لأداء هذا الواجب من خلال الاستمرار في الانتفاع بها وإضافة ما يمكنها؛ الأمر الذي يُعْتَبَر مِنْ نِعَم الله تعالى على هذا الدين وأهله وحفظه له.
لم يتوقف التأليف فيها يومًا واحدًا، لا باللغة العربية ولا باللغات الأخرى سواء بسواء، المجال ما زال متسعًا، لكل أحد إضافة جديد من التعليل والتحليل والتفسير.
الكثرة الغالبة الغامرة من هذه المؤلفات ابتداء من الأمهات (الأمات)، تتناول السيرة النبوية الشريفة على الترتيب الزمني الحوليات، سَنَةً فَسَنَةً، لكن القلةُ منها تناولتها على الترتيب غير الزمني، ناظرة في موضوعاتها.
هذا القليل جدًا من المؤلفات - قديمًا وحديثًا التي تناولت السيرة النبوية الشريفة على الترتيب غير الزمني، أي على الموضوعات جرت آخذة مواصفات المجتمع النبوي الشريف واستخراج مضامينها وإبرازها ثم شرحها واستجلاب الأمثلة المتعددة وتعليلها وتأصيلها وعوامل توفرها التي لولاها ما كانت؛ إذ هي سبب تواجدها الوحيد الجديد الأكيد كل البناء الفذ كان بهذا الدين وَحْدَهُ، والتربية عليه، اقتداء، قرآنا وسنة وسيرة كان فيها الرسول الكريم ﷺ القدوة المثلى والأسوة الحسنة في كافة الأمور.
إذن تتوافر لدينا منهجيتان لتناول السيرة النبوية الشريفة، لكل أهميتها ومناسبتها ومرحلتها، حسب مؤهلات تحكم اختيارها.
لكن ابتدًاء لا بد هنا من إيضاح ثلاث نقاط مهمة لذاتها، مرتبطة بمنهجية دراستها
وبيان ارتباطاتها المتنوعة وآثارها وأهميتها من أجل إلقاء الضوء على تنوع منهجياتها واختيار المناسب لكل حالة بما يراد لها ولمرحلتها وتركيزاتها المرجوة منها هدفًا. 
أولًا: تقديم السيرة النبوية الشريفة (على صاحبها الصلاة والسلام)، وتناولها على الترتيب غير الزمني، الذي يُعْتَبَر بوضوح تام شكلا جديدا، من نواح متعددة ضرورية للذي دعى اعتبارها، لتبنيه هدفًا مُحَدَّدًا لهذا التقديم الهادف، منها: طريقة تناوله لهذه السيرة النبوية الشريفة. علمًا - كما أُشِيرَ تَوْا - أَنَّ تناول السيرة الشريفة يُمكن تقديمه بأسلوبين دراسيين واضحين رئيسيين: 
1-    تناولها على الترتيب الزمني السردي، ابتداء من الولادة الكريمة وما قبلها إلى البعثة العظيمة، ثم العهد المكي وبَيْعَة العقبة والهجرة الشريفة يَتْبَعُها العَهْدُ المدني حتى نهايته، متناولًا الحياة المدنية حتى وفاته ﷺ (1) بكل ما فيه من أحداث ومعارك وعلاقات داخلية وخارجية ومكاتبات وسفارات ومنجزات دعوية وتربوية أخرى وخدمات وتنظيمات، سردًا قد لا يخلو من توقف لاستخراج الدروس والعبر والخبر للاقتداء والانتفاع والعمل الجاد تأسيًا، فهما والتزامًا وانسجامًا إيمانًا وحسبة وجهادًا. 
هذه الطريقة مهمة جدًا، وهي الأساس؛ كما تُعتبر النبع الذي تقوم عليه معرفتنا للسيرة النبوية الشريفة، تعتمد عليها وتقوم بها، منها تَسْتَمد كافة أنواع دراسات السيرة النبوية الأخرى. لا يمكن تجاوزها، إذ هي المنطلق للدراسات المتنوعة فيها، تقدمها وتستنتج منها. لا بد من إجادتها وإتقانها والغور فيها، لتقديم كل نوع وجانب منها. 
وجدير بالذكر أن هذه الطريقة هي أقرب وأسهل منالًا، لمن يُريد أن يخوض في موضوعاتها عمومًا، دون كثير من التخصص والتعمق، إنما أحيانا بمجرد التجميع وإعادة الصياغة (Rehash).
وليس المعني بذلك ما
تركه مؤرخونا من السلف في كتابة أمهات (أمات) المؤلفات، في هذا المجال على هذه الطريقة (1).
2-    تقديم السيرة النبوية الشريفة وتناولها على الترتيب غير الزمني، حسب الموضوعات. هذه الطريقة بجديتها أعمق عمومًا في الكتابة والتدريس والتقديم من سابقتها بكثير جدا (۳). فيها جملة من التحليلات التي تحمل العبرة (والعبرة)، مما قد يخلو منها النوع الأول ملحوظا (4). ثم إنها توجب منهجية مغايرة واضحة قائمة على الإلمام بالسيرة النبوية الشريفة وسَبْرِ أغوارها والعيش معها حيث يكون خبرَةً متسعة وتمكنا مكينا ونظرا شاملا في تضاعيف أحداثها، لالتقاط الشواهد اللازمة التي يقتضي كونها حاضرة واضحة مُدركة مشاهدة هادفة بناءة، دون تجريد الترتيب الأول - حاشا وحاشا لله تعالى - من هذه المؤهلات، لا سيما الأمهات لمؤرخينا الأفاضل.
إنه لا يمكن بحال، لمن يُقدم السيرة النبوية الشريفة بهذه الطريقة (على الترتيب غير الزمني)، إلا مَنْ أتقنها وصاحبها وعاش بمعانيها، فكان بينه وبينها عشق وتعلق وشوق وكلما كان متقنًا لذلك متعمقًا فيه لا يكف عن الاستزادة منها، كان تقديمه أفضل، ولا يمكن أن يتم هذا الأمر إلا لمن خَبَرَها إتقانًا وعَرَفَ أحوالها وحولياتها على أساس من فهمها، على الترتيب الأول (الزمني)، وامتلك نواحي ونواصي عموم موضوعاتها شمولًا، المستمدة من السنة والسيرة الشريفة (المغازي والسِّير) كيما يُمكنه أن يلتقط وينتقي ويختار ما يحلو ويترتب ويلزم لما يجب أن يستشهد به بتمكن وتوسع وإحسان..
لا يَعْرِفَ الشَّوْقَ إِلَّا مَنْ يُعَابِدُهُ *** ولا الصَّبَابَةَ إِلَّا مَنْ يُعانيها
ثم إن كُتُب السيرة النبوية الشريفة المدونة - في غالبيتها الغالبة – على الترتيب الأول (الزمني)، لو تجردَتْ منها الأحداث البارزة والمعارك - في العهد المدني – فلن يبقى من المتعلق بالسيرة النبوية الشريفة إلا القليل، وليس كل مَنْ أتقنها حسب الترتيب الزمني يمكنه تقديمها بهذا الشكل (على الترتيب غير الزمني)؛ لأن هذا الترتيب يحتاج لمؤهلات علمية متمكنة أكبر، لكن من يُثْقِنُ تقديمها على هذا الترتيب غير الزمني يسهل عليه تقديمها على الترتيب الزمني.
إذن يكون تقديم السيرة النبوية الشريفة على الترتيب غير الزمني (ليس السردي)، بل على الموضوعات أمرا مغايرا تماما، حيث يستعرضها حسب منهجية معتمدة واضحة مستمدة من طبيعة الموضوع القائم على أحداث السيرة ذاتها ومعرفة أمهاتها (أماتها) بتناول مواصفاتها والوقوف عندها وتحليلها وتقديم الأمثلة اللازمة الكثيرة، حتى ليفهم أنها أصيلة شاملة مضيئة، مارسها جيل بأكمله، ليست شذرات متناثرة، وقوفًا عند كل منها واستنباطًا لِمَا يَلْزَم
وهذه الطريقة مع صعوباتها المتنوعة وقلة مصادرها وشحة المعلومات المتوافرة لها، تكون مُعدة هادفة، تلفت النظر إليها، واعية داعية إلى معرفة كيفية إنجاز تربية هذا الجيل القرآني الفريد، الذي رباه الرسول الكريم ﷺ، وأشْرَبه بيده الشريفة من على مائدة كتاب الله القرآن الكريم، الموحى به إليه إذ به وَحْدَهُ حَقَّقَ ذلك الجيل المعجزات أو ما يشبهها أو ما يحمل نسائمها. كان ﷺ في ذلك كله القدوة والأسوة الحسنةَ ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب:21).

الهوامش
(۱) صدرت كتب عدة جيدة في على السيرة النبوية الشريفة جرى عاتها الانتفاع بها، بالترتيب الزمني السردي، منها: السيرة النبوية حليلات العلامة الداعية المجاهد أبو الحسن علي الحسني الندوي.  السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة (جزءان)، الشيخ الدكتور محمد أبو شهبة.
(۲) لعله من المناسب هنا الإشارة إلى كتابي: «السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها»، الذي لا يتناول السيرة الشريفة بهذا الترتيب الزمني بل على الترتيب غير الزمني، أي على الموضوعات.
(۳) المؤلفات على هذا الترتيب غير الزمني قليلة جدًا، قديمًا وحديثًا شرقًا وغربًا موجودا ومذكورًا. أحدها وأبرزها من الأمهات: «تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله ﷺ من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية»، علي بن محمد بن سعود الخزاعي (۷۸۹هـ)، الأندلسي الأصل، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت (١٤٠٥ هـ / ١٩٨٥م). يُذكر إلى حد مما يُسهم في هذا الترتيب غير الزمني: «زاد المعاد في هدي خير العباد»، ابن قيم الجوزية (٧٥١هـ). أول ما يَرِدُ من الكتب الحديثة في هذا الترتيب: «حياة الصحابة»، العلامة الشيخ محمد يوسف الْكَانْدَهْلَوِي (١٣٨٤هـ / ١٩٦٥م).
(٤) كل مُلتزم بترتيبه، أخذ بما انتهجه، عامل على إنجازه.

الرابط المختصر :