العنوان منهجية دراسة السيرة النبوية (٢-٦) خصوصية التاريخ الإسلامي
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 06-مارس-2010
مشاهدات 1
نشر في العدد 1892
نشر في الصفحة 48
السبت 06-مارس-2010
منهجية دراسة السيرة النبوية (٢-٦)
خصوصية التاريخ الإسلامي
لكل علم
مؤهلاته ومستلزماته وخصوصياته وبدونها لا يكون العمل علميا بناء مؤصلا والتاريخ
الإسلامي له من ذلك النصيب الأكبر
تغذية الصحوة
الإسلامية الجديدة بأسس الدعوة الصحيحة يتطلب تناول موضوعات السيرة النبوية بالدراسة
التحليلية التربوية
د. عبد الرحمن
الحجي[1]
الكم الهائل الغني
في تناول السيرة النبوية الشريفة على صاحبها الصلاة والسلام تتحفنا بشمول كل ما يتعلق
بها سنة وسيرة وغزوات، ولم تبق جانبًا من كل ذلك مجهولًا أو غائبًا أو خفيًا، مما يتعلق
بهذه السيرة الكريمة، عمومياتها وخصوصياتها، إضافة إلى التنوع في الموضوعات: الأحداث،
والشمائل، والدلائل.
الأسوة في الرسول
ﷺ تعني سلوكه وتعامله وأخلاقه، تعني إنسانًا كريمًا متميزًا عالي المستوى بدون المعجزات،
يقتدى به شمولًا كاملًا في كافة المواصفات، يجلس بها على قمة سامقة يقتفيها الجميع،
الصحابة ومن بعدهم، بالأخذ بها ليرتقوا.
كأنهم لا سيما الصحابة القدوة يرونه ﷺ جالسًا على قمة، يسعون للوصول إليها، فإذا فعلوا
فنظروا وجدوه في قمة أعلى، هكذا كانوا في ارتقاء مستمر، فهم كما وصفهم عبد الله بن
عمر: «فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا ورب الكعبة على الهدى المستقيم».
مؤهلات ومستلزمات
توافرت لدي معرفة
واضحة أن لكل علم مؤهلاته ومستلزماته وخصوصياته بدونها لا يكون العمل علميًا بناءً
مؤصلًا، حتى لو عرف واغترف وألف، كيفما ومهما اتفق، هكذا فالتاريخ عمومًا له هذه الخصوصية،
والتاريخ الإسلامي له من ذلك النصيب الأكبر.
يتركز ذلك في كثير من جوانبه وموضوعاته وعصوره، إن
لم يكن كلها، منها ما يأتي في المقدمة تمامًا، أفرد منها أولًا: السيرة النبوية الشريفة
«على صاحبها الصلاة والسلام»، لا سيما كتابتها على الترتيب غير الزمني، ثم التاريخ
الأندلسي(٢)، الذي يستلزم من متخصصه زيادات مسلمة لما أحوال تميز بها، بسبب موقعه المترامي
في الزمان والمكان والإنسان، وحالة معامعه ومصادره والمفقود أكثرها غالبًا.. لابد لمن
يريد الإسهام فيه «التاريخ الأندلسي» تأصيلًا أن يكون ممتلكًا لكل هذه الاستعدادات
والأدوات والمؤهلات: اللغوية منها والجغرافية والتضاريسية، بل حتى مواقعها
وطبيعة أهلها وما تبقى في أرضه من مدلولاتها ومخابرها وموروثاتها... والسيرة النبوية
الشريفة تشارك بقوة كل ذلك تمام المشاركة بكل مقدار وإعداد واستعداد(٣ ).
دراسة السيرة النبوية
الشريفة على هذا المنهج الترتيب غير الزمني يعتبر أمرًا ضروريًا، سيما لعصرنا الحالي
لتغذية الصحوة الإسلامية الجديدة التي كانت قدر الله الغالب، قيض لها سبحانه وتعالى
من يقوم بأمرها جهادًا....﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21)
دراسة تحليلية
وهذا يعني أن تكون
هذه الدراسة تحليلية تربوية هادفة، تقوم على تقديم السيرة النبوية الشريفة بهذا الاتجاه
المهم المؤثر الجاد انتفاعًا بها واقتداء بأفعالها واهتداء بأحوالها المتميزة، هذا
اللون من الدراسة الحالية لو اعتصرته وأعطاك خيرًا، لكتبت به: إنه من أراد حياة إسلامية
ومعرفة الطريق إليها وبناءها، فردًا وأسرةً ومجتمعًا، فهذا هو الطريق.
إذا كان ذلك شاقًا ومتعبًا وربما طويلًا، لكنه لا
بديل عنه، وثماره تستحق كل ذلك الجهد وزيادة، وواضح كذلك أنه لا يكتب السيرة النبوية
الشريفة ويجيد تقديمها وعرضها بمنهجية كريمة واعية متلألئة إلا من عاشها بكل مكوناته
وولاءاته وطاقاته، لا يصده عن ذلك فوت منافع أو ابتعاد عن مواقع، ولا حتى مواجهة أي
نوع من المتاعب، أرجو وأدعو الله تعالى أن أكون مؤهلا له، فذلك نعمة كبرى من عند الله
سبحانه وتعالى وفضل ومنة وهبة، هو وحده الهادي له الموفر لتيسيره، كما إنه لابد من
استنتاج كل ما يمكن من عبر ودروس وعظات، وجلب النظر الواعي إلى المعاني الكامنة في
ذلك، كله مما فيها من معجزات ظاهرة باهرة متنورة غاية في التوثيق.
المعجزات
موضوع مهم لا بد
من العناية به، في مثل هذا اللون من الدراسة، موضوعًا بارزًا معتمدًا، من خلال الحديث
عنها وإبرازها في كل مناسبة، تعن وتسمح بذكرها، إشارة لها وإشادة بها وبمدلولاتها،
ما أكثرها في السيرة النبوية الشريفة بشكل طبيعي تمثل موطنًا لها يجري تأكيده كل حين
ومناسبة.
ثانيًا: إن دراسة
السيرة النبوية الشريفة مسألة مهمة جداً، في حياة كل فرد مسلم رجالًا ونساءً وأطفالًا،
فردًا وأسرةً ومجتمعًا، كل وقت وحين، لا سيما في هذا الزمان الذي بدأت فيه أمتنا تصحو
لتقدم ما عليها، مستدركة ما فاتها هي أو أي جيل سبقها، عائدة إلى الموقع المناسب كيما
تكون متصفة باستحقاق: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ
آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ
وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110).
علمًا بأن السيرة
النبوية الشريفة لم ينقطع فيها التأليف، حتى في عهود الانحسار بأي مقدار، بل قد يزداد..
إلى جانب ما تمت كتابته فيها باللغات الأخرى الإسلامية والفرنجية والأجنبية التي تنوعت
علميتها وأهدافها وأسلوبها، مما يحتاج إلى تنقيتها وبيان عنها من سمينها.
وجدير بالذكر أن
ما ألف عن رسول الله ﷺ كمًا ونوعًا وكيفًا بكل جوانب السيرة النبوية الشريفة، لا يدانيه
ما كتب عن أي أحد آخر غيره، لا يُمثل مده أو نصيفه، إذ ربما بلغ عددها بضعة آلاف عنوان
تجاوزت آلافًا ستة (٤) كما إنه لم يحدث أن أي أحد عرفت تفاصيل حياته جميعًا وكلية:
العلنية والخفية، المعروفة والمجهولة والعامة والخاصة جدًا، حفظ ذلك بأقوى وأعلى وأسمى
مستويات التوثيق العلمي المنهجي الأكاديمي وأعلى درجات التحقيق، وأقوم وسائل التدقيق،
مثلما جرى مع حياة الرسول الكريم ﷺ هيأ الله
تعالى لها ذلك، وأن هذا يعتبر دينًا جرى عمله إيمانًا واحتسابًا، هيأ الله تعالى أسبابه
لحفظها ورعايتها وتدوينها رواية ودراية سندًا ومتنًا، بأعلى تمحيص معروف مبتكر تتباهی
به علوم الأمة المسلمة وتاريخها المجيد وحضارتها الإنسانية الفذة الفريدة.
الهوامش
(1) حياة الصحابة،
الكاندهلوي، ١/٤٦ وبعدها، كذلك: جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ ابن الأثير،١/٢٩٢.
(۲) كتابي: «التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي
حتى سقوط غرناطة» جمعت فيه بين الطريقتين: الترتيب الزمني مع الترتيب غير الزمني، جرى
تناوله علي العهود «الترتيب الزمني». ثم جرى تناول كل عهد على الترتيب غير الزمني أي
على الموضوعات، كانت تجربة مهمة جدًا بينت لي دقة هذا الكلام: إن كتابة أي من موضوعات
ومراحل وعهود التاريخ الإسلامي على الترتيب الزمني أسهل بكثير جدًا، بل بأحوال جمة،
ولو على تفاوت.
(٣) لدي تجربة مهمة جدًا في ذلك بالنسبة للتاريخ
الأندلسي، الذي كتبت فيه ودرست وسكنته وما زلت والحمد لله تعالى رب العالمين، لكن حدث
أن زرتُ جبال ألبرت الفاصلة بين إسبانيا وعبرتها إلى فرنسا، مما أكسبني شيئًا إضافيًا
لا أظنه يتوافر بنفس الدرجة عن طريق القراءة، «أكتب هذا الكلام من إمارة أندورا(Principality of Andorra) الواقعة في داخل جبال ألبرت القسم الشرقي منها (البرينيز الشرقية
Easteren Perynees Esp Pirineos Eng) جبال ألبرت الفاصلة بين إسبانيا وفرنسا، تقف بينهما حدودًا طبيعية
من الشرق إلى الغرب من البحر المتوسط إلى خليج بسكاي امتداد المحيط الأطلسي، عدت إلى
أندورا للتو من زيارة بعض أماكن لجنوبي فرنسا خلال يوم البارحة ١٨/١٠/٢٠٠٩م حيث زرت
مدينة فوا (Foix، واليوم ١٩/١٠/٢٠٠٩م زرت مدينة طولوز (Toulouse طولوشة) التي استشهد فيها والي الأندلس السمح ابن
مالك الخولاني في يوم غرفة سنة ١٠٢هـ (۷۲۱م)، التي تبعد عن شمالي إسبانيا نحو ٢٠٠ كم،
بعد عبور جبال ألبرت العالية الوعرة المخيفة التي يبلغ ارتفاع أعلى قممها فوق ٣٤٠٠م
وعرضها من جهة الشرق يزيد كثيرا عن ١٠٠كم - من أحد معابرها الواقع شرقًا على البحر
المتوسط المعروف باسم «معبر باربينين» Perpignan «جبال ألبرت هذه التي يبلغ عرضها نحو ٢٠٠ كم، كيف
اعتاد مسلمة الأندلس عبورها للجهاد في ذلك الزمان كأنهم ذاهبون لزيارة أو ربما نزهة
ولسنوات كثيرة دون كلل أو ملل أو ثقل!»
(٤) منها ما هو
موسوعي، أعرف منها موسوعتين: الأولى بالعربية: كتاب «سبل الهدى والرشاد في سيرة خير
العباد» محمد بن يوسف الصالحي الشامي (١٤٣هـ / ١٥٣٦م)، جمعه من مئات المؤلفات ربما
بلغت الألف (الأعلام الزركلي. ٧/١٥٥)، قام بنشره محققًا المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية،
وزارة الأوقاف بالقاهرة في اثني عشر مجلدًا كبارًا Encyclopedia of الثانية: بالإنجليزية لعلها Seerah Afzal Urahman زادت على ثمانية مجلدات، قامت بنشرها مؤسسة السيرة
في إنجلترا لندن بإشراف Seerah Foundation هذا إلى جانب كتب الحديث الشريف والسنة الكريمة،
يُذكر منها الموسوعة الحديثية: مسند الإمام أحمد بن حنبل ( ٢٤١هـ / ٨٥٥م). الذي يحتوي
عشرات آلاف الأحاديث الشريفة الصحيحة، قيل: إنها بلغت ثلاثين ألفًا «سير أعلام النبلاء،
الذهبي ١١/١٧٧- ٣٢٧ - ٣٥٨ الأعلام ١/٢٠٣» نشر حديثًا في اثنين وخمسين مجلدًا، بفهارسه
المجلدات الخمسة.. كل ذاك وغيره إلى جانب المصنفات الحديثية العديدة.