; منطلقات تربية البيت المسلم (۳): مسؤولية الأمانة | مجلة المجتمع

العنوان منطلقات تربية البيت المسلم (۳): مسؤولية الأمانة

الكاتب أبو اليزيد العجمي

تاريخ النشر السبت 20-يوليو-2002

مشاهدات 84

نشر في العدد 1510

نشر في الصفحة 66

السبت 20-يوليو-2002

عرضنا في الحلقة الأولى للمنطلق الأول من منطلقات تربية البيت المسلم، وهو المتعلق بكون الإسلام دين الله الذي ارتضاه للبشرية من لدن آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ثم عرضنا في الحلقة الثانية لاثنين من عناصر المنطلق الثاني: الإنسان مخلوق مسؤول، وهما الخلافة بمعناها الواسع والعبادة بمعناها الشامل، واليوم نتعرض لعنصرين آخرين هما: مسؤولية الأمانة ومسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

1-مسؤولية الأمانة:

في كتاب الله الخاتم وردت آيات خمس تتحدث عن الأمانة باعتبارها مسؤولية الإنسان، ومع اختلاف المفسرين حول تفسير معنى الأمانة فإنهم جميعًا يتفقون على أنها مسؤولية يجب على الإنسان أن يضطلع بها بعد أن أعانه الله عليها بالتكريم والتمييز.

ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: 72)، ينقل ابن كثير بعض ما قيل في معنى الأمانة، يقول: «قال العوفي عن ابن عباس: يعني بالأمانة الطاعة، عرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم فلم يطقنها، فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يارب وما فيها؟ قال: إن أحسنت جوزيت وإن أسأت عوقبت فأخذها آدم فحملها، فذلك قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: 72).

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الأمانة: الفرائض، ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: 72)، أي غرًا بأمر الله.

وقال قتادة: «الأمانة: الدين- الفرائض والحدود».([2]

وكل هذه الأقوال لا تعارض بينها بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وفي كل المعاني التي ذكرت تبرز المسؤولية وبخاصة إذا فسرت بمعنى الدين الذي هو عند الله الإسلام.

وفي ضوء هذا نقرأ قوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (البقرة: ۲۸۳)، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ (النساء: ٥٨)، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 27)، وقوله مُمتدحًا المؤمنين: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (المؤمنون: 8) وسواء كان حمل الأمانة بمعنى تحملها، أو بمعنى تأخيرها فهي مسؤولية المخلوق العاقل.([3])

2-مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

وردت هذه المسؤولية مسندة في القرآن الكريم إلى الأمة في مثل قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104)، وقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110).

 لكن إسنادها إلى الأمة لا يعني عدم تحمل الفرد مسؤوليتها، وذلك لأن هذا الفرد هو جزء من الأمة وإذا لم يكن عالمًا بحقيقة هذه الفريضة، متدربًا عليها، فمن أين تأتي الأمة بمن يقومون بهذه الفريضة؟ 

والأمر ينبغي أن يفهم على أن هذه مسؤولية الأمة تنظيمًا وإشرافًا، لكن الفرد هو الذي سينفذ هذه المسؤولية ويتحملها وفق شروطها وآدابها، وقد كتب العلماء في هذا الأمر ما يجليه ويوضحه.([4])

المسؤولية بعبارة أخرى

اهتم بعض علمائنا بتحديد هذه المسؤولية التي أشرنا إليها حيث جعلها في أعمال ثلاثة تنتظمها وهي العبادة- العمارة- الخلافة.

ثم حدد مفهوم هذه الأعمال بما يفيد ما أشرنا إليه من سعة مفهوم كل من هذه المهام والفعل المختص بالإنسان ثلاثة أشياء:

1-عمارة الأرض المذكورة في قوله تعالي: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: ٦١), وذلك تحصيل ما به تزجية المعاش لنفسه ولغيره.

2- وعبادته المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، وذلك هو الامتثال للباري عز وجل في أوامره ونواهيه. 

3-خلافته المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: 129), وغيرها من الآيات «وذلك هو الاقتداء بالباري سبحانه على قدر الطاقة البشرية باستعمال مكارم الشريعة».([5])

وقد فصَّل هذا الإجمال بما يفيد أن مسؤولية الإنسان هي الغاية من وجوده, وأنها تمتد لتشمل تقديم الخير للآخرين, تقديم الإسلام باعتبار أن الدعوة أمر يجب على كل قادر عليه، والاهتمام بالإصلاح في كل مجالاته، إذ إن هذا من باب الاهتمام بأمر المسلمين، لكن الراغب الأصفهاني يركز على أمر مهم هو أنك لن تستطيع سياسة غيرك ما لم تستطع سياسة نفسك بالتربية والتزكية.([6])

وفي ضوء هذا نفهم ما ذكره البعض من أن الخلافة بكل مسؤولياتها تعني:

1- الالتزام بدين الله قولًا وعملًا.

2-الدفاع عن هذا الدين ضد أعدائه.

3-توريث هذا الدين للأجيال ونشره بين العالمين. 

وإذا تحمل المسلم هذه المسؤولية فإنه يفيد نفسه ويفيد البشرية، وإلا فالخسارة تكون فادحة. 

«إن الخسارة لن ترجع علينا- نحن المسلمين وحدنا- ولكنها سترجع على البشرية كلها بتشويه وتحريف المصدر الوحيد الباقي لها من هداية الله، وتكبير- أو تسميم- المورد الوحيد الذي يمكن أن تستقي منه الهدى الرباني الخالص، وسترجع على البشرية كلها بحرمانها هذه المثابة المستقرة في الأرض المرجرجة التي تموج بالأهواء، والتي ظهر فيها الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولم تعدلها منجاة إلا في هذه المثابة الآمنة المستقرة الموصولة بالله.([7])

وهذا الفهم- كما أشرت- يقتضي التربية بكل أبعادها، ليعيد المسلم صورة الإسلام ومبادئه نقية كيوم جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.

إذًا الإسلام الذي ارتضاه الله للبشرية دينًا يحتاج إلى الانسان المسؤول ليحمله على حقيقة الحمل وتكاليفه ليعمل به, ويورثه، وينشره، وألا نكن كمن يحمل الأسفار دون أن يدرك ما بها من كنوز وخير، أو يكون حملنا للإسلام كحمل الذنب للغنم، أو كحمل القط للفأر.([8])

الهوامش

(( [1]  أستاذ العقيدة بكلية لشريعة- جامعة الكويت

[2]) ) ابن كثير – 523/3- تفسير سورة الإخلاص

[3]) ) العقاد- الإنسان في القرآن- ٢٥٠

([4])  لمزيد من المراجع انظر إحياء علوم الدين- 269/2, الفصل في الملل والنحل 171/4 أحكام القرآن للجصاص 592/2، ابن تيمية الفتاوى 181/4

[5]) ) الراغب الأصفهاني- الذريعة إلى مكارم الشريعة ٩١, تحقيق أبو اليزيد العجمي، دار الوفاء- مصر, ۱۹۸۷م, الطبعة الثانية

( [6]) السابق ٩٢ - ٩٤

([7])  محمد أسد- الإسلام على مفترق الطرق, ۱۱۰, ترجمة عمر فروخ

 ([8]) علي جريشة- تصحيح مفاهيم في تطبيق الشريعة, 22،  بحث نشر في الموسم الثقافي لجامعة الإمام محمد بن سعود - ربيع الأول ١٣٩٩هـ

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 422

123

الثلاثاء 05-ديسمبر-1978

الأسرة (العدد 422)

نشر في العدد 1178

70

الثلاثاء 05-ديسمبر-1995

استراحة المجتمع.. عدد 1178