العنوان منطلقات تربية البيت المسلم (۲): الإنسان مخلوق مسؤول
الكاتب أبو اليزيد العجمي
تاريخ النشر السبت 13-يوليو-2002
مشاهدات 70
نشر في العدد 1509
نشر في الصفحة 66
السبت 13-يوليو-2002
بعد عرض المنطلق الأول من منطلقات تربية البيت المسلم المتعلقة بكون الإسلام دين الله الذي ارتضاه للبشر من لدن آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
نعرض في هذه الحلقة لبعض عناصر المنطلق الثاني.
إن الناظر إلى ما يحيط بالإنسان من أفضال الله وتكريمه لهذا المخلوق من خلق حسن، وتزويد بالعقل والإرادة، وإرسال رسل يهدونه الطريق وكون يمثل كتابًا للتعليم يتكامل مع كتاب الله المعجز «القرآن». أقول المتأمل لهذه الأفضال يدور في نفسه سؤال مؤداه بم استحق الإنسان كل هذا التكريم؟ وما الذي يميزه في رسالته عن سائر مخلوقات الله؟ ومع علم المسلم بأن الله سبحانه لا يسأل عما يفعل، لكن السؤال يبقى في رأسه، ثم تجيء الإجابة مجملة ومفصلة لتقرر أن كل ما نال الإنسان ويناله من تكريم إنما هو بسبب أنه مخلوق مسؤول، وبقدر تحمله للمسؤولية يكون تحقيقه لذاته، وإلا سلبت منه مزية الإنسانية حتى ولو بقي على شكل الإنسان الآدمي ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف:١٧٩).
أما المسؤولية التي هي المنطلق لخدمة الإسلام الذي ارتضاه الله للبشرية دينًا، فقد جاء الحديث عنها ضمن بيان الغاية من خلق الإنسان كما جاء الحديث عنها مفصلًا في شكل أدوار ومهام للإنسان المسلم فمن الأولى قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون:١١٥).
وقوله سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ (القيامة:٣٦)، ومن الثانية آيات تفصل القول وتحدد رسالة الإنسان في الحياة وتذكر مهام إيجابياته في الحياة مثل:
1– الخلافة بمعناها الواسع: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:٣٠).
وقد ذهب المفسرون في معنى الخلافة مذاهب، فمن قائل إنها خلافة الله في الحكم بين الناس بالعدل، وهذا يعني آدم وكل من يقوم مقامه الأمر الذي جعل بعض المفسرين يستدل بهذه الآية على وجوب نصب الإمام لإقامة العدل من باب «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».
ومن قائل من المفسرين إن معنى قوله تعالى:
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة:٣٠) أي قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ۚ﴾ (فاطر:۳۹) إذ من هذه القرون والأجيال تكون الرسل ويكون العلماء والأولياء العاملون لله ورسوله.[2]
ومهما قيل عن معنى الخلافة فهي تبعة ومسؤولية يورثها السلف للخلف، ويتوقف على أدائها تحقيق مناط التكريم الذي هم فيه، كما يرتبط هذا بوجه أو بآخر باستمرارية الدين وخاتمية الرسالة.
ولفظ الاستخلاف هنا- على أي معنى- يتسع ليشمل صورة الإنسان وهو يزرع، مادام ذلك من أجل تحصيله قوته حلالًا، ليتمكن من العمل المنوط به في عمارة الأرض، كما يشمل جهده العقلي والعلمي وهو يفجر الذرة ويرسل الأقمار الصناعية لتكشف له طبيعة الغلاف الجوي للأرض، مادام كل ذلك طريقًا يبتغي به وجه الله. وهذا الشمول في المفهوم يتلاءم مع مركز الإنسان في الكون، حيث لا ينبغي أن تعلو قيمته قيمة مادية، أو تهدر من أجل ذلك كرامته التي أكدها القرآن الكريم في مواضع شتى وصور مختلفة[3].
٢– العبادة بمعناها الشامل:
حين تعرض المفسرون لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:٥٦) دارت معانيهم حول معرفة الله وعبادته بكل أشكالها[4].
فعبادة الله ومعرفته هي غاية الوجود الإنساني كما يفهم من الآية الكريمة، وهذا يعني كل نشاط إنساني يتجه به الإنسان إلى الله، طبقًا لمقتضيات الخلافة المتجددة، ويتمثل في العبودية لله وحده، والتحاكم إلى منهجه وحده في كل شؤون الحياة فإذا لم يتجه إلى الله بكل نشاط، وإذا لم يتحاكم إلى منهج في شأن، فقد أخل بهذه الحقيقة الثابتة، وخرج على غاية الوجود الإنساني[5].
والتوجه إلى الله بالعبادة ومعرفة الله حق معرفته مسؤولية ليست هيئة، لأنها محاولة جادة من الإنسان للارتفاع إلى مقام العبودية لله وحده.. وهو مقام رفيع خوطب به رسولنا الكريم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾ (الإسراء:۱) وصعوبته تكمن في أنه تحرر تام من العبودية لغير الله من مال وولد، ومتاع حياة، ونوازع نفس، وغير ذلك مما يغرق الناس فيه حين لا يقومون بأنفسهم في مقام العبودية، فيهبطون بأقدارهم من علياء التكريم المسؤول إلى حضيض الحيوانية اللامريدة، والمنساقة وراء أخس النزعات.
وهذا الفهم للعبادة هو ما أشار إليه أحد المهتدين إلى الإسلام إن العبادة في الإسلام ليست محصورة في أعمال من الخشوع الخالص كالصلاة والصيام مثلًا، ولكنها تتناول كل حياة الإنسان العملية أيضًا.
وإذا كانت الغاية من حياتنا على العموم «عبادة الله» فيلزمنا حينئذ ضرورة أن ننظر إلى هذه الحياة في مجموع مظاهرها كلها على أنها تبعة أدبية متعددة النواحي وعبادة الله في أوسع معانيها تؤلف في الإسلام معنى الحياة الإنسانية.. وهذا الإدراك وحده يرينا: «مكان بلوغ الكمال الإنساني في إطار حياة الإنسان الدنيوية الفردية»[6].
[1] - أستاذ العقيدة بكلية الشريعة- جامعة الكويت
[2] - ابن كثير ٦٩/١ – ٧٢ من تفسير سورة البقرة.
[3] - سيد قطب – خصائص التصور الإسلامي – ۱۳۷.
[4] - ابن كثير – ٢٣٨/٤ تفسير سورة الذاريات.
[5] - خصائص التصور الإسلامي – ۱۲۷.
[6] - محمد أسد- الإسلام على مفترق الطرق - ۲۰ -٢٢ ترجمة د عمر فروخ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل