العنوان منطق استعمار العراق ونهب ثرواته.. قديم والجديد هو اللاعب الأمريكي ومخططاته
الكاتب خدمة وكالة جهان للأنباء
تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2004
مشاهدات 65
نشر في العدد 1597
نشر في الصفحة 25
السبت 17-أبريل-2004
بالأمس كانت المخططات البريطانية والفرنسية تلعب الدور الأساس في تقرير مصير شعوب المنطقة ونظمها السياسية، واليوم تواجه المنطقة خططًا أمريكية أخبث مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير، وغيره، ولعل ما يجري على الساحة العراقية الآن صورة قريبة مما حدث في الماضي من محاولة استقطاب بعض الطوائف والعرقيات أو نهب الثروات بشكل جديد، وإعادة تشكيل المنطقة وفق منطق استعماري قديم، ولتقريب المشهد تجدر الإشارة إلى خريطة منطقة العراق في ظل الإمبراطورية الإنجليزية وأطماع الأخيرة، ومدى تماثل ذلك مع ما يجري الآن من إعادة هيكلة للمنطقة ورسم معالمها.
فقد صدرت في السنوات الأخيرة كتب قيمة عن الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت سائدة في فترة الحرب العالمية الأولى في منطقة الشرق الأوسط، من بين هذه الكتب والمراجع كتاب «باريس ۱۹۱۹» ، لمارجريت ما كميلان عن مؤتمر باريس للسلام وكتاب «السلام» الذي أنهى السلام لديفيد فرومكين.
وعندما نطالع تطورات المنطقة من زاوية واسعة نرى أن نظرة الإمبراطورية البريطانية إلى الشرق الأوسط، لا تتفق بشكل من الأشكال مع الأولويات والمعايير الاستراتيجية الجديدة للقرن العشرين.
كانت استراتيجية منطقة «الشرق الأوسط» بالنسبة لبريطانيا في بداية الأمر نابعة من مجرد وقوعها على طريق الهند، ولم يدر بخلد الإنجليز آنذاك أنهم سيضطرون للانسحاب من الهند لؤلؤة الإمبراطورية البريطانية بعد ثلاثين سنة فقط من انتهاء الحرب العالمية الأولى، أما وزير الحرب البريطاني اللورد كيتشنر فكان لا يزال تائهًا في أجواء وعقلية الماضي البعيد ويخطط لتوسيع مصر بحيث تستوعب كامل «الشرق الأوسط» وتحوله إلى مركز لما يشبه مستعمرة إمبراطورية، لذا فقد كان الصراع محتدمًا بين الهند وبين «المكتب العربي» المختص بشؤون البصرة والعراق، وفي النهاية أدى عجز المكتب العربي إلى قيام الجنود الآتين من الهند باحتلال البصرة، في البداية لقي الجيش العثماني صعوبة بالغة في الدفاع عن أم قصر وعن البصرة، غير أنه أحرز بعد ذلك نجاحات باهرة في الدفاع غيرت مجرى الحرب في المنطقة، وأنزلت ضربة قاصمة بسمعة الجيش الإنجليزي خاصة بوقوع الجنرال طاوسند في الأسر ونقله إلى إسطنبول، ونشاهد طاوسند المذكور بعد ذلك يقوم بدور الوساطة لتوقيع هدنة مونترو مع الدولة العثمانية، وكما يعرف الجميع فإن الجيوش البريطانية لم تكن قد دخلت مدينة الموصل إبان توقيع اتفاقية الهدنة، بل قامت باقتحامها في الأيام التي تلت التوقيع، ولم يكن أي جندي بريطاني قد وطئ - حتى ذلك الحين - ما يسمى اليوم بشمال العراق.
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها بدأت أهمية نفط كركوك والموصل بالتصاعد بالنسبة لبريطانيا، خاصة بعد تحول قطع الأسطول البريطاني من استخدام الفحم إلى النفط لتسيير السفن، كما لا ننسى الجهد الذي لعبه في هذا المجال كولبنكيان ( الأرمني الذي حصل بصورة مفاجئة على نسبة من النفط المستخرج من حقول كركوك). وبعد أن ظهرت أهمية النفط تشبثت بريطانيا بشمال العراق الذي كانت قد تخلت عنه لفرنسا بموجب اتفاقية سايكس بيكو، واستاءت فرنسا كثيرًا من الموقف البريطاني المذكور، وانتهز مصطفى كمال أتاتورك قائد حركة التحرير فرصة تدهور العلاقات بين بريطانيا وفرنسا بشكل أدى إلى توقيع اتفاقية أنقرة مع فرنسا، ونقل الوحدات التركية المرابطة في جنوب وجنوب شرقي الأناضول إلى المناطق الغربية لصد الجيوش اليونانية المحتلة ودحرها
لكن بريطانيا بذلت جميع ما يوسعها لإبقاء «الموصل» ولاية الموصل كانت تضم كركوك والسليمانية وأربيل وكافة مناطق الشمال العراقي الحالي تحت سيطرتها ولعبت بالورقة الكردية، كما حاولت لعب ورقة الكلدانيين والنسطوريين وقصفت المواطنين العزل مرارًا ثم أقامت دولة العراق ونصبت عليه عاهلاً، وبلغت أربها في النهاية.
ولعل السبب الذي حدا بالساسة الإنجليز لبذل جهود جبارة ليس فقط السيطرة على نفط الموصل، بل أيضًا الخوف من ضياع العراق بأجمعه في حال فقدان الموصل، وإذا ما ألقينا نظرة على أحداث الموصل ما بين ۱۹۱۷م: ١٩٢٦م رأيناها تماثل ما يجري اليوم مع بعض الفروق البسيطة طبعًا ، وأهم أسباب تماثل أحداث اليوم والأمس رغم مرور ٨٥ عامًا هو استمرار النظام العشائري في المنطقة، فعشيرة الطالباني مازالت على المسرح مع فرق بسيط هو أنها كانت بالأمس تعضد الإنجليز وغيرت دفتها اليوم إلى أمريكا، أما عشيرة البارزاني فكانت تمالئ الإنجليز تارة والأتراك تارة أخرى. وقامت - خصوصًا - في السنوات العشر الأخيرة بنفس الدور بين أنقرة وواشنطن، مع فرق واحد هو الالتزام التام بتعاليم وسياسة الأخيرة وموالاتها، أما التركمان فقد عانوا الأمرين آنذاك على أيدي قوات الاحتلال، وما زالت معاناتهم مستمرة حتى يومنا هذا ، ولعل من أهم الفروق بين الأمس واليوم أن حركة العصيان التي أعلنها الشيعة ضد الاحتلال البريطاني عام ۱۹۲۰ أدت إلى تولي السنة مقاليد الإدارة في العراق في حين انعكست الآية هذه المرة وبدت في الأفق نيات تستهدف إما تقسيم العراق إلى شطرين أو أكثر أو استيلاء الأغلبية الشيعية على السلطة في العراق عدا الشمال العراقي الذي قدم من الآن إلى الأحزاب الكردية على طبق فضي .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل