العنوان منزلة الـصيام في الإسلام
الكاتب حجازي إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يناير-1997
مشاهدات 73
نشر في العدد 1233
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 07-يناير-1997
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
فضل الصوم عظيم، وثوابه كبير، وهو من أركان الإسلام ودعائمه، التي لا ينهض بناؤه بدونه، وهو في تعريفه سهل ميسر فهو الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وتمامه وكماله باجتناب المحظورات وعدم الوقوع في المحرمات، وأعلى درجاته أن يكون المسلم في صيامه دائم الذكر، حاضر القلب يشغل يومه وليله بالطاعات، وعمل الصالحات ولعل ذلك هو السر في أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سن الاعتكاف فيه، والذي فيه ينخلع المسلم من دنياه (ماله وزوجه وولده) ليقوم في محرابه متبتلاً خاشعاً لمولاه.
ولمنزلة الصيام ومكانته، تشير الآية إلى أن الصيام ليس عبادة خاصة بأمة الإسلام فقط، وإنما كان مفروضاً على من سبقنا.
كيف وقع التحريف في صيام من قبلنا؟
عن معقل بن حنظلة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كان على النصارى صوم شهر رمضان فمرض ملكهم. فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن عشراً، ثم كان آخر فأكل لحماً فأوجع فاه، فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن سبعة، ثم كان عليهم ملك آخر، فقالوا ما ندع من هذه الثلاثة أيام شيئاً أن نتمها، ونجعل صومنا في الربيع، ففعل فصارت خمسين يوماً» [2] وأخرج ابن حميد عن ابن عباس- رضي الله عنه- قال: كتب على النصارى الصيام كما كتب عليكم، وتصديق ذلك في كتاب الله «كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم» الآية.
قال: فكان أول أمر النصارى أن قدموا يوماً، قالوا: حتى لا نخطئ، ثم قدموا يوماً وأخروا يوماً، قالوا: لا نخطئ، ثم إن آخر أمرهم صاروا إلى أن قالوا: نقدم عشراً ونؤخر عشراً، حتى لا نخطئ فضلوا.[3]
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال إن النصاری فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا، فكانوا ربما في القيظ فحولوه إلى الفصل وضاعفوه حتى صار إلى خمسين يوماً.[4]
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: الذين من قبلنا هم النصارى كتب عليهم رمضان وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا ينكحوا في شهر رمضان، فاشتد على النصارى صيام رمضان فاجتمعوا فجعلوا صياماً في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: نزيد عشرين يوماً نكفر بها ما صنعنا، فلم يزل المسلمون يصنعون كما تصنع النصارى حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب ما كان، فأحل الله لهم الأكل والشرب والجماع إلى قبيل الفجر.[5]
صيامنا لا يدخل عليه تحريف ولا تبديل
وحتى لا يقع المسلمون فيما وقع فيه من سبقهم من الأمم، وحتى تظل عبادتهم في صيام شهر رمضان كما شرعها الله نجد أن الإسلام نهى عن صيام يوم الشك. وهو اليوم الذي يسبق الشهر، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل يصوم صومه فليصم ذلك اليوم» [6]. ومعنى الحديث أي لا يتقدم رمضان بصوم يوم يعد منه بقصد الاحتياط له، فإن صومه مرتبط بالرؤية فلا حاجة إلى التكلف.[7]
كما نهى عن صيام يوم العيد، وهو اليوم الذي يعقب الصيام المفروض، فعن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: «شهدت العيد مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: هذان يومان نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم. واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم» [8] فصوم يوم الشك مكروه، وصم يوم العيد محرم.
التشريع لله وحده
كما جعل أمر التشريع له وحده، وليس لأحد كائناً من كان أن يشرع بالزيادة أو النقصان في دين الله عز وجل. عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم- «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».[9]
وفي رواية لمسلم عن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» [10] قال أهل العربية: الرد هنا يعني المردود ومعناه فهو باطل غير معتد به. وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه -صلى الله عليه وسلم- فإنه صريح في رد كل البدع، وفي الرواية الثانية زيادة وهي أنه قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سبق إليها، فإذا احتج عليه بالرواية الأولى يقول: أنا ما أحدثت شيئاً، فيحتج عليه بالثانية التي فيها التصريح برد كل المحدثات سواء أحدثها الفاعل أو سبق بإحداثها.[11]
فكل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس من الدين في شيء. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَکَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّيْنِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ (الشورى: ۲۱).
وهنا يتأكد لنا أن هذا الدين محفوظ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالقرآن الكريم محفوظ بحفظ الله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9). والسنة النبوية المطهرة قيض الله لها رجالاً مخلصين يحفظونها من عبث اللاعبين ويطهرونها من مغالاة أصحاب الأهواء. وذلك لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يرث هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.[12]
ففي هذا الأثر دلالة على أن الإسلام محمي برجاله أبداً. يتوارث علمه في كل جيل خيرة أبنائه ينفون عنه، ويبعدون عنه تحريف الذين يتزيدون في الأمور، وادعاء المبطلين الذين يزعمون ما ليس لهم بحق، وتفسير الجاهلين، الذين يحملون القول على غير وجهه. ويستنبطون منه ما لا يدل عليه وأولئك هم آفة الأحكام والمبادئ والتعاليم والعقائد، وانظر كيف استوعب الحديث صنوف المفسدين، في عبارة سهلة وتقسيم بديع، فإنما تفسد التعاليم بغال متشيع، أو دعي مبطل، أو جاهل محرف. وإذا عصم الله دعوة من هؤلاء. فقد كتب لها النجاح والسداد.[13]
[1] من علماء الأزهر الشريف.
[2] الدر المنثور 1/223.
[3] الدر المنثور 1/324.
[4] الدر المنثور 1/ 322.
[5] الدر المنثور 1/ 322.
[6] فتح الباري 4/ 127/1914.
[7] فتح الباري 4/ 128.
فتح الباري 4/ 238/1990.
[9] فتح الباري 5/201/2697، النووي على مسلم 12/15/17 (1718).
[10] النووي على مسلم 12/16/18 (۱۷۱۸).
[11] النووي على مسلم 12/ 16.
[12] منتخب كنز العمال على هامش مسند الإمام أحمد 4/36 وعزاه إلى الحاكم في المستدرك وابن عساكر عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري- رضي الله عنه-
[13] نظرات في السنة/ ٢٧٧.