العنوان منتخب لا يعرف شيئًا!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2005
مشاهدات 61
نشر في العدد 1665
نشر في الصفحة 49
السبت 20-أغسطس-2005
عادة تجرى الانتخابات في كل الأمم لاختيار من يحكمها ويسير لها أمرها ويرعى مصالحها، ودائماً يكون المرشحون لهذا الاختيار شخصيات معروفة ومرموقة لهم أعمال وأفعال وتاريخ يؤهلهم لقيادة الأمم وريادتها والقيام على شؤونها هذا أولًا.
وثانيًا: يكون لهؤلاء المرشحين برامج ورؤى للإصلاح، وضمانات وخطط ووسائل تنفيذ لهذا الإصلاح يقتنع بها الشعب ويختار على أساسها.
وثالثًا: إذا أريد -بحكم القدر- أن يكون المرشح من الأحزاب التي صنعتها السلطة، ينبغي أن تكون هذه الأحزاب معروفة للشعب أعمالها وأطروحاتها، وأثرها في الحياة العامة، أما أن يأتي ما يسمى بأحزاب للمعارضة في انتخابات الرئاسة المصرية المقرر إجراؤها في سبتمبر المقبل خالية الوفاض من كل شيء، وسمتها الفرقة والتشتت حتى فيما بينها وبين بعضها، كما لا يوجد رابط حتى بين أفرادها، وتتباين مواقفها بصورة لافتة، وتتخبط بطريقة تفقدها مصداقيتها لدى المواطن الذي لا يعرف عنها شيئًا أصلًا، ولا عن برامجها التي جاءت بها ولا عن الضمانات التي تكفل تنفيذها في حالة فوزها في ظل الفساد المستشري والمعروف داخل الأحزاب، أما أن يحدث ذلك فهذا شيء عجيب.
رابعًا: الأحزاب الموجودة -التي قيل إنها هي المسموح لها بالترشح- لا مصداقية لها في السياسة ولا في أي رأي جوهري، أما في الناحية السياسية فقد أظهرت أنها حانقة على الوضع السياسي في مصر، وترفضه جملة وتفصيلًا، ثم عادت وبصورة مطلقة وأعلنت موافقتها على المشاركة في اللعبة السياسية، فمثلًا: حزب الوفد بعد رفضه المشاركة في الترشح للرئاسة عاد وأعلن عن ترشيح رئيسه نعمان جمعة لانتخابات الرئاسة، بالرغم من ترديد «نعمان جمعة» المستمر لمقولة مهزلة الترشح لن أشارك في صياغتها أبدا، ثم أتبع هذا ببيان يحمل حيثيات رفضه ورفض حزبه لقرار الترشح، الأمر الذي أثار استغراب وتساؤلات الكثير من المحللين حول هذا التطور في موقف الحزب ورئيسه، خاصة بعد أن أصدر الحزب مبررات أخرى لترشيح رئيسه لخوض انتخابات الرئاسة، مع الإصرار على ذلك الترشح، الأمر الذي أثار الكثير من الدهشة، خاصة وأن نعمان جمعة قد صرح بأن أمر الترشح قد فرض عليه فرضًا، وحزب الوفد بهذا قد تخلى عن مواقفه السابقة، وعن تعهداته بالتنسيق مع الأحزاب الأخرى التي قررت مقاطعة الانتخابات مثل التجمع والناصري، وهذا ما دعا كثيرًا من المحللين أن يتبينوا الحقيقة المخزية التي تتمثل في:
1- الضعف الشديد الذي تعاني منه الأحزاب، بسبب عدم التفاف الجماهير حولها، وبسبب الانقسامات الداخلية على المناصب والمغانم، وعدم وجود هدف واضح وبرنامج جاد وقوي وفعال يلتف الجميع حوله ويعمل له بجد وإخلاص.
2- هيمنة الحزب الوطني -الذي يمثل السلطة- على أغلب الأحزاب، وعنوان تلك الهيمنة ذهب المعز وسيفه.
3- رغبة هذه الأحزاب الهامشية في أن يكون لها شأن وطمعها في دعاية تعلن عنها، وزفة ترفع اسمها عاليًا بعدما عجزت عن فعل شيء يعطيها فرصة الترشح للرئاسة، وهو شرف يطمح إليه كل إنسان سواء كان جادًا أم هازلًا، يستحق المنصب أو لا يستحق.
4- الحصول على الدعم المادي الذي تغدقه الدولة على المرشحين وهو دعم سخي يسيل له لعاب الكثيرين، وخاصة إذا كان هناك دعم آخر خفي من تحت الطاولة حتى يكون هناك «سنيدة» لصاحب النصيب، وجوقة لسعيد الحظ الدائم في السلطة.
5- ديكور المنافسة يقتضي الكثير، لكن اللافت في هذه المناسبة أمور منها:
الأول: ترشيح أسماء هامشية في الأحزاب المصنوعة للسخرية منهم وإظهار فضل فارس الحلبة الذي تشرئب له الأعناق، وقد رأينا بعض المرشحين يتكلم عن برنامجه بشكل مضحك، وتذهب إليه وسائل الإعلام لتنشر هذه المضحكات حتى يتفرج الشعب على هذه المسخ المعدة للرئاسة، فحين يسأل عن برنامجه يقول: أتعهد بفرض زي وطني يستوجب الرجوع إلى ارتداء «الطربوش» الذي لم يعد مستخدمًا منذ خمسينيات القرن العشرين، وكأن المشكلة تنحصر في الطربوش أو غطاء الرأس وهذا في الحقيقة هزر يلفت النظر إلى ما وراءه، بينما يطلع علينا آخر بأنه سيوفر الفول لجميع المصريين، لأن طبق الفول لا غنى عنه، وآخر يقول: إنه سيوفر الخبز للشعب الجائع، لتمتلئ البطون الخاوية، وآخر يقول: سأهدم المعتقلات وأخرج المعتقلين، ويقتصر برنامجه على ذلك.
والحقيقة أن هذا السيرك جعل الشعب يحس بأن هناك ديكورًا يصنع لمنصة الرئيس، وهذا ما جعل نعمان جمعة نفسه يشك في نفسه ويحس أن الناس تنظر إليه بارتياب، فيصرح في مؤتمره الصحفي الذي عقد الأحد ٧/ ٨/ ٢٠٠٥م، أن الوفد ورئيسه لن يكونا ديكورًا لأحد، قالها قبل أن يقولها الناس أو ينطق بها الشعب، ولكن الحقيقة هي الحقيقة.
الثاني: يحق لنا في هذه العجالة أن نتساءل:
من الذي سيدفع فاتورة هذا الترشح من دعاية وخلافه، وهي تكاليف باهظة قد تصل إلى ملايين؟ والأحزاب هامشية صغيرة لا تقدر على شيء، ثم لماذا لا تفتح أبواب الترشح للمستقلين، وهم في الحقيقة الثقل الحقيقي في هذا البلد والكوادر القادرة على المنافسة؟
ثم لماذا تعزل القوى الحقيقية والفاعلة في البلد عن الحياة السياسية، ولا يكون لها واجهة سياسية؟ ثم لماذا تجرى الانتخابات الرئاسية والمعتقلات عامرة بما يقرب من ٨٠ ألف معتقل سياسي يقبعون في السجون، ولماذا لا تكون الانتخابات في أجواء صحية؟
كل هذا يلقي ظلالًا على إرادة التغيير ويزيد الانسداد السياسي والاحتقان الحقيقية، الشعبي، ولكن إلى متى؟ إلى متى يظل الناس لا يعرفون شيئًا؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل