العنوان المسلمون والحرب النفسية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يونيو-1983
مشاهدات 72
نشر في العدد 627
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 28-يونيو-1983
يتعرض المسلمون في هذه الحقبة الحرجة من تاريخهم لحملات وهجمات مركزة
شديدة من أعدائهم، أعداء عقيدتهم ودينهم، الطامعين فيهم وفي ثرواتهم، والوجلين من يقظتهم
وعودة الوعي إليهم.
وليس غريبًا، ولا مخيفًا، أن تتعرض أمة للحرب من خصومها، إنما المفجع
أن يحال بينها وبين التحرك السليم، وأن يكون في صفوفها، وعلى قمة المقدرات التي تملكها،
وفي مكان التوجيه الفكري والسياسي فيها، ومن بين صناع القرار لها من يرعى مصلحة العدو
قبل -بل دون- مصلحتها، ويمكن للكافر من مقتلها.
وإن من المؤسف حقًا أن يتقدم خصمنا في كل مجال، ويحكم قبضته على
أعناقنا، ويشدد من إحكام الطوق على أمتنا، وهي تعبث في بله غبي، وتتنابز في صبيانية
وسخف، وتتنافس في كبرياء دعي، وتنشغل بكل هذه المهازل التافهة عن التخطيط لحاضرها ومستقبلها؛
لتنجو من شراك أعدائها، ثم لتستعيد بعد ذلك ما اقتطعه الغاصبون من جسمها، ثم لتزيح
عن وجه الأرض كابوس الظلم الذي خيم عليها.
ولعل العدوان المادي العسكري الذي يزاول ضدنا في الجهات الأربع والآفاق
أجمع، ليس هو الأخطر والأنكى -على فواجعه ونكباته- ولكن الأدهى لون خفي من الحرب يشن
علينا هو الحرب الدماغية أو الحرب النفسية.
ولعله من الضروري أن تعي الأمة هذا اللون الخفي من حرب خصومنا لنا،
عسى أن يتبع هذا الوعي تحرك في الاتجاه المثمر السليم.
ومن بديهيات ما علمنا ديننا أن الصراع سنة جارية لا تتوقف في حياة
البشر ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
(هود: 118-119) ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ
الْأَرْضُ﴾ (البقرة: 251).
وقد وظفت في هذا الصراع وفي سبيل حسمه لصالح طرف على طرف كل المعارف
الإنسانية، ومن ضمنها المعرفة بالنفس الإنسانية؛ بل إن هذه المعرفة هي أخطر ما وظف
من العلوم والمعارف، ذلك أن هدف الحروب الآن صار السيطرة على العقل والنفس والمشاعر،
خاصة وأن القوة المادية تطورت تطورًا مخيفًا وتوازنت، فتحول الصراع إلى حرب باردة ونزاع
نفسي فكري أيديولوجي.
ولتبسيط قضية الحرب النفسية نتأمل في أنفسنا بعض الزوايا والجوانب،
فنحن كثيرًا ما نكتشف أن تصوراتنا عن الواقع كانت أقل بكثير، أو كانت مضخمة مبالغًا
فيها، ومن ناحية أخرى فإننا في سلوكنا نرضخ أحيانًا أو كثيرًا للهوى وللمصلحة الخاصة،
وننحي جانبًا صوت العقل والمصلحة العامة، وكذلك فإن فينا وراثات جاهلية من نعرات وشنشنات،
ونحن نخاف على ذواتنا وحياتنا وأبنائنا وأموالنا وأوضاعنا التي ألفناها، نخاف أن تمس
بسوء، ثم إن لنا حاجاتنا وضروراتنا العضوية والنفسية التي لا نستغني عنها.
خلاصة القول: إن كل هذه وغيرها منافذ ونقاط ضعف يعرفها الإنسان في
نفسه وغيره، وغيره يعرفها فيه، ويمكن بالتالي أن ينفذ منها في شن الحملات النفسية.
مفتاح القضية إذن أن النفس الإنسانية بما فيها من أهواء ومصالح ومخاوف،
والشخصية بما تنطوي عليه من قيم وتصورات هي ميدان الحرب النفسية، وأسلحة الحروب تتغير
بينما الطبيعة البشرية لا تتغير، والحرب ليست مجرد سلاح ضد سلاح، وإنما الحرب إرادة
ضد إرادة.
فالحرب النفسية إذن هي كل محاولة تبذل للسيطرة على العقل البشري
والنفس الإنسانية، وتوجيههما لغايات مرسومة، بعد أن يجرد الإنسان من ذخيرته الفكرية
ومعلوماته ومبادئه السابقة.
وتهدف الحرب النفسية إلى خلق تصورات معينة لدى من توجه إليه، أو
نفي تصورات معينة، عن طريق الدعاية، أو العمليات العسكرية، أو التنسيق بين العمل العسكري
والسياسي، أو عن طريق ترويج الافتراءات والإشاعات، فإذا وجدت هذه التصورات حدثت تبعًا
لها الفوضى والبلبلة في الصفوف؛ مما يؤثر على الروح المعنوية وعلى قرارات القادة والمسؤولين.
وربما كان من أوضح القصص والأخبار دلالة على تصوير الحرب النفسية
وتبيين أهدافها ووسائلها ما أخبرتنا به كتب السيرة من خبر نعيم بن مسعود في غزوة الأحزاب،
وكيف استطاع أن يضرب الحلف الشيطاني بين مشركي العرب واليهود.
ولعل هذه القصة الرمزية المعبرة -التي يرويها الأستاذ جودت سعيد
في كتابه «حتى يغيروا ما بأنفسهم»- تصور الأمر كذلك.. تحكي القصة أن عملاقًا
بلغه أن منافسًا له في منطقة مجاورة منته نفسه بمنازعة الأول نفوذه وسلطانه في منطقته،
فقرر أن يؤدبه حتى لا تسول له نفسه أن يمد بصره إلى ما لا ينبغي له، فقصد إليه ليكسر
شوكته، فلما سمع الثاني بمقدم الأول قرر الفرار من المواجهة؛ لأنه لا قبل له به. فقالت
له الزوجة: دع لي معالجة الموقف، ولا يهولنك الأمر، ثم مددت زوجها وغطته بملاءة وكشفت
عن قدميه، فلما وصل العملاق الأول مزمجرًا أشارت إليه أن اخفض من صوتك، فإن طفلنا الرضيع
نائم، وأشارت إلى زوجها، فنظر هذا إلى الجسم الضخم الممد أمامه، وقال في نفسه: لئن
كان الطفل هكذا فكيف أبوه؟ وأطلق ساقيه للريح!
ولعل هذه الأسطورة فيها ملامح كثيرة من واقع حالنا مع اليهود في
هذه المرحلة.
ويا عجباه! عجبًا لا ينقضي أبدًا من مسخ الحال الذي تعيشه أمة هذه
الفترة! كيف وصل بنا الحال نحن الذين حصننا القرآن ضد كل محاولات الكافرين، كيف وصل
بنا الأمر إلى ما وصل إليه؟! لقد ربانا قرآن العهد المكي على الإيمان الراسخ الثابت
الذي يملأ الجوانح، والذي يضرب بجذوره الراسخة وأصوله الثابتة في أعماق القلب وأركان
النفس وأقطار الشخصية، حتى غدا الوصول إلى تلك الأغوار بعيد المنال قريبًا من المحال،
وربانا على ألا يصل كيد الأعداء إلى أرواحنا وقلوبنا ونفوسنا ومعنوياتنا، أو أن يهز
يقيننا وثقتنا بأنفسنا وما نحن عليه، بالغًا ما بلغ ضغطهم الخارجي علينا، وكائنًا ما
كان الذي ينالونه منا:
﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾
(طه: 72)، ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (النحل: 106)،
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
(آل عمران: 139).
ومن هنا كان رد بلال على تعذيب جسده: أحد، أحد. وكان رد عمار كلامًا
يقوله اللسان لا يتجاوزه إلى الوجدان أو إلى ما استكن في الجنان.
ثم كانت العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج، وكانت التوجيهات الأخلاقية
القرآنية والنبوية مربية للإرادة، سادّة لكل نقص أو ثغرة يمكن أن يتسلل منها المتسللون.
حتى إذا جئنا المدينة شنت علينا الشياطين من يهود حملة نفسية استخدمت
فيها المكر الذي يزيل الجبال، لولا الله عز وجل ربانا تلك التربية ورسول الله صلى الله
عليه وسلم قادنا تلك القيادة.
ثم شنناها عليهم حربًا نفسية شعواء لا هوادة فيها، أعقبها استئصالهم
من الأرض بعد أن زعزعنا جذورهم الفكرية والعقائدية وزيوفهم على التاريخ.
ثم أصّلنا -نحن المسلمين- قواعد هذه الحرب بأخلاقية رفيعة ووسائل
مشروعة، أصلناها بالمسلك العملي في الميدان العسكري والاجتماعي، حتى صار الأمر كما
قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «ونصرت بالرعب مسيرة شهر» رواه البخاري.
كان من أسباب انتصارنا العسكري وتفوقنا النفسي واستعلائنا على كل
محاولات الوصول إلى عزائمنا أمور كثيرة منها: الاعتزاز بالشخصية والهوية المبدأ وتيئيس
الخصم من هذه الجهة:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا..﴾ (البقرة: 143)، ﴿الْيَوْمَ
يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ (المائدة: 3)، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ
عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ...﴾ (البقرة: 150). ثم التلاحم بين المسلمين والأخوة العميقة الرائعة
والولاء والحب الشديد الصادق للقيادة،
وصدق المسلمين في التوجه إلى الله والاستعانة به، والتجرد من الأهداف
الدنيوية في حياتنا وجهادنا، مما كان يلقي في قلوب أعدائنا أن المسلمين فعلًا أولياء
الله، وأن من حاربهم كان كأنما يحارب الله، وأن من حارب الله أنى ينتصر؟!
وكنا لا نعرف التهديد؛ بل التنفيذ، والرد الفوري العتيد على العدوان،
بل على التفكير بالعدوان، تمثل ذلك في كل مواقعنا مع اليهود، ومع القبائل المشركة ومع
العملاء للفرس والروم، بل مع أسيادهم الكبار ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ
فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ (الأنفال: 57) ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ
لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (الأنفال: 76).
وكان قادتنا المسلمون في أول الجيش، وهم أقل الجند امتيازات، بينما
القادة الآخرون في الصفوف الخلفية وهم أوسع الناس امتيازات.
وبعد، فلنجتز التاريخ إلى الواقع، والغابر إلى الحاضر، فهل إلى خروج
من سبيل؟ هل من نفاذ من الطوق الذي ران علينا وضرب حولنا، وما السلطان الذي يمكننا
من النفاذ؟
ونقول: إن بداية الطريق أن نبدأ العلاج من حيث شخَّص النبي صلى الله
عليه وسلم الداء، وهو يحدث جيل التمام عن جيل النقص، وأمة المجد عن أمة الخذلان فيقول:
«ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم
الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله! قال: حب الدنيا وكراهية الموت».
أول طريق الوزن والثقل، واعتبار الناس لنا أن نقف على الأرض التي
كتب الله لنا، ونلتزم السبيل الذي حدد الله لنا، ثم لنبدأ علاج مرض القلوب التي تعلقت
بالدنيا، ومن البديهي أن تبدأ طليعة الأمة بهذا الأمر، ومن أجدر من العلماء والدعاة
بهذا الشرف، شرف إعادة الروح إلى هيكل أمة الإسلام، وشرف إعادة الوزن لشعوب أفرغت من
مضمونها، وشرف ملء قلوب الأعداء الكافرين بالرعب حتى تتشنج أيديهم عن الامتداد إلينا،
حينئذ يكون العلماء بجدارة ورثة الأنبياء، وتكون الأمة امتداد للأمة الوسط خير أمة
أخرجت للناس.