العنوان منبر المجتمع .. سيرة المصارف الإسلامية تاريخيًا وعالميًا
الكاتب أحمد بزيع الياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1985
مشاهدات 81
نشر في العدد 725
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 16-يوليو-1985
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم إلى يوم الدين..
وبعد:
فإن موضوع المصارف ليس بالأمر الجديد، إذ إنه يضرب جذوره بعيدًا عبر تاريخ الأمم القديم، وفي هذا الموضوع سنقدم فكرة عن سيرة المصارف الإسلامية تاريخيًا وعالميًا.
- إذ إن كلمة المصارف «البنوك» هي جمع مصرف وهو المكان الذي تتم فيه عمليات صرف النقود وتبديلها، أما كلمة النقود فمعروفة من القديم بالدينار «ذهب» وبالدرهم «فضة».
- ومسيرة التجارة والصرف بدأت في تاريخ العرب منذ العهد الجاهلي، حيث كان العرب يتعاملون فيما بينهم في التجارة المحلية ومع غيرهم في التجارة الخارجية على أساس الربا وكانت تجارة الرقيق رائجة بشكل ملحوظ ومتميز، فكانت الحجاز تتاجر مع اليمن شتاء ومع الشام صيفًا وقد أشار رب العزة جل شأنه إلى رحلتي قريش فقال في كتابه العزيز ﴿لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ﴾ (سورة قريش)، وكذلك حال التجار يبين نجد ودارين وإلى هذا أشار الشاعر العربي قديمًا فقال:
يمرون بالدهنا خفاقًا عيابهم
ويرجعن من دارين بجر الحقائب
ودارين هذه ميناء على خليج العرب قرب الدمام، كان لها اتصال سابقًا مع آسيا عن طريق الهند بحرًا، وكانت التجارة تقوم على الاتجار بالمنتجات الزراعية، والمواد النسيجية وآلات الحرب والأنعام والخيل والمعادن الثمينة، أما المعاملات فكانت تتم إما بالمبادلات أو بالنقد أو بالدين.
ويتم الوفاء بالدين نقدًا أو بضاعة، إنما المحور الذي ترتكز عليه معظم المعاملات هو المحور الربوي، فكانوا في الجاهلية يقترضون نقودًا بالربا للمتاجرة، ويسددون في الموعد المضروب. والعاجز عن السداد يؤجل في المدة، ويزاد عليه في مبلغ الدين. وهذا الواقع جعل من المعاملات الربوية سببًا لاستعباد الناس بعضهم بعضًا.
وظل الأمر هكذا حتى بزغ نور الإسلام وبعث سيد الأنام محمد صلى الله عليه وسلم، فحرر الإسلام الإنسان من جميع أنواع العبودية لغير الله تعالى وحده لا شريك له وحث الإسلام محمدًا صلى الله عليه وسلم على تحرير الرق كما ألغى رباالجاهلية وأقام سلطان العدل.
- التعامل في الإسلام: المسلمون الأوائل عندما سمعوا المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول في خطبة حجة الوداع:
«ألا إن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وفور سماع المسلمين ذلك تابوا ووضعوا الربا وبقي لهم رأس المال، قال تعالي ﴿وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ﴾ (سورة البقرة آية ۲۷۹)، وسلموا بذلك عن رضى مقبول واطمئنان نفس لأنهم اعتنقوا الإسلام عن قناعة ومحبة والتزموا بذلك بأوامره وامتنعوا عن الربا والفسق والكذب والاحتكار والاستغلال والغرر والجهالة والخداع، وانطلقوا في معاملاتهم التجارية والاستثمارية والمصرفية من قاعدة الأمانة والصدق في البيع والشراء والمشاركة والقراض والمداينة والإجارة والوكالة والرهن وكل باب له تفصيلات محكمة يمكن الرجوع إليها في كتب الفقه فعلى سبيل المثال:
- الصرف:
الذهب بالذهب.. مثلًا بمثل.. ويدًا بيد.
الفضة بالفضة... مثلًا بمثل.. ويدًا بيد.
الذهب بالقضة.. مثلًا بمثل... ويدًا بيد.
- البيوع:
من البيوع الجائزة «البيع المطلق، وبيع السلم، وبيع الأمانات، «المرابحة التولية، الوضيعة» وبيع الأجل، وتتم المعاملات في دولة الإسلام بالصورة المشروعة كما سبق، وجاري الحساب معمول فيه ويسمى قرضًا حسنًا حالًا، وكان الزبير بن العوام الصحابي الجليل يقوم بهذا النوع من الخدمة المصرفية، وكانت التحاويل معمول بها بين البلدان المختلفة وتسمى «السفتجة».
لكن بعد أن فقد المسلمون دولتهم وخلافتهم واستعمرهم عدوهم فرض عليهم كثيرًا من الأمور التي تتنافى مع عقيدتهم وشريعتهم، فصدر لهم القوانين الأرضية البعيدة عن شرع الله سبحانه، وطبقها بنفسه أولًا في ديار المسلمين وكانت المأساة الكبرى التي تجد أوزارها مستمرة حتى الآن.
- المسلمون بعد الخلافة والدولة الإسلامية: عاد المسلمون ومع الأسف الشديد بعد أن فقدوا سلطانهم إلى بعض الأعمال المنكرة رويدًا رويدًا بفعل المستعمر الذي فرض عليهم سلطانه وباستجابتهم له فسقطت الحدود، وظهر الربا من جديد عن طريق البنوك الربوية وعمت الفوضى ورجع الاستعباد بجميع أنواعه، وتعطل العدل وبرزت معالم الفوضى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية، وأصبحنا غناء كغثاء السيل.
- المسلمون المعاصرون: بعد هزيمة أنظمة الشعارات الحاكمة للمسلمين في اللقاء مع العدو الصهيوني تنبه المسلمون أنهم فيضياع وتيه فأخذوا يتلمسون طريق النجاة وظهرت بوادر صحوة إسلامية عامة برزت بشكل واضح في الناشئة في العالم الإسلامي.
ويحاول الأعداء جاهدين القضاء على هذه الصحوة جاهلين أو متجاهلين أن الله تعالى متعهد بحفظ هذا الدين وأهله إلى يوم القيامة قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ (سورة الحجر أية ٩). وإذا كان أعداء أمتنا الإسلامية ما زالوا يمكرون في السر والعلن لإجهاض صحوة المسلمين... فإن نمو الصحوة وانطلاقها لن يتوقف إن شاء الله.. وكما ورد في المثل العربي، فقد «شب عمرو عن الطوق».
- الصحوة والمصارف الإسلامية
ومن تباشير هذه الصحوة الإسلامية المعاصرة قيام المصارف الإسلامية في أنحاء المعمورة وكان للملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله دور إيجابي في تأسيس بنك التنمية الإسلامي كما كان للكويت دور فعال ورائد في هذا المجال على المستويين الرسمي والشعبي، فقامت المصارف هذه في مصر والسودان والكويت والبحرين وقطر والأردن وباكستان وبنغلاديش وماليزيا ولوكسمبرج وغرب إفريقيا والدانمرك، وهناك بنوك إسلامية تحت التأسيس الآن في اليمن الجنوبي وموريتانيا ونيجيريا والولايات المتحدة «المسلمون هناك وراء المشروع» كما تفكر العراق جديًا بتأسيس بنك إسلامي، وبالرغم من ظهور أصوات مضادة للمسيرة المصرفية الإسلامية من هنا وهناك.
«ونرجو الأصحاب هذه الأصوات الهداية والمغفرة».
ألا إن المسيرة تزداد ترسخًا وثباتًا واتساعًا يومًا بعد يوم بفضل الله تعالى.. حيث تمارس هذه المصارف الإسلامية جميع المعاملات المصرفية التجارية والاستثمارية حسب اجتهادات ملتزمة بالشريعة الإسلامية ثبتها الله تعالى ولعل من المناسب إبراز العاملين والمجاهدين المعاصرين في هذا الميدان الاقتصادي سواء بالفكر أو بالمال أو بالإدارة ومنهم الأستاذ أبو الأعلى المودودي رحمه الله والدكتور عيسى عبده رحمه الله والدكتور أحمد النجار، كما أن من أبرز المؤسسين في هذا الميدان الأمير محمد الفيصل آل سعود والشيخ عبد الرحمن سالم العتيقي «الكويت» والشيخ سعيد أحمد لوتاه «دبي» والدكتور أحمد محمد أمین فؤاد «مصر» والشيخ صالح كامل «السعودية».
استرشدت المصارف الإسلامية برأي خبراء إعلام أمثال فضيلة الشيخ بدر المتولي عبد الباسط عميد كلية الشريعة في القاهرة وأمين عام الموسوعة الفقهية في الكويت والدكتور زكريا البري مصر وفضيلة الشيخ الحبيب الخوجة من تونس، وفضيلة الشيخ الصديق الضريري من السودان، والدكتور عبد الستار أو غدة من سورية والدكتور علي السالوس والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي «جامعة قطر».
إن المطلوب اليوم من عامة المسلمين وخاصتهم التسليم لأمر الله تعالى كما سلم المسلمون الأوائل، مع الالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة ونبذ الربا ونبذ كل مؤسساته، والابتعاد كلية عن أسبابه ومسبباته والتحرر من رواسب الاستعمار وأفكاره ونظمه وقوانينه التي تتعارض وتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف.
فعبادة الله سبحانه وتعالى واجبة في كل شيء ليس في نسك العبادات وإقامة الحدود فقط وإنما في المعاملات والسلوك والمنهج الإسلامي الذي لم يترك من جوانب الحياة شيئًا إلا نظمه ووجهه أحسن توجيه.. قال تعالى ﴿مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ﴾ (سورة الانعام: ٣٨) والرجوع إلى كتاب الله والسنة اليوم من أشد حاجات أمتنا المسلمة لأن هذا الرجوع هو العزة والمجد والخير، وفي عدم العودة إلى دين الله تقرب من الشيطان وولاء له ولليهود فاليهود كالشياطين ترى آثارهم ولا ترى أشخاصهم، فالبنوك الربوية والأزمات العالمية مصدرها اليهود وقد أثبتت الوثائق ذلك، فهل يعي المسلمون هذه الحقيقة فيبادروا لتطهير أموالهم من دنس الربا ويقيموا معاملاتهم الاقتصادية على هدى من الله؟ وإذا كان بعض المسلمين يظن بأن الفوائد البنكية لا تدخل ضمن نطاق الربا فليرجعوا للمؤتمرات التي عقدها علماء المسلمين وليسمعوا آراءهم كما أن كبار علماء الأزهر وهيئة كبار العلماء في السعودية تعتبر مراجع موثوقة لمن يريد أن يتثبت من ذلك، فالكل مجمع على أن الفوائد البنكية في عين الربا، والربا مضيعة للثروة مهلكة للأمة، وها هي المصارف الربوية الموجودة في شتى أنحاء العالم لا تستطيع أن تسترد مالها من ديون على الأفراد والهيئات والمؤسسات والدول، وهذا يعني أن موجوداتها من الأموال ما هي إلا ديون مشكوك في استرجاعها، فهل يعي المسلمون هذا ويتخلوا بالتالي عن الغرب النصراني المستعمر؟
إن المطلوب أن تطبق ما أمرنا الله به، فهو الحق وما تعارض معه باطل والحق أحق أن يتبع لأن فيه إرضاء المولى جل شأنه وفيه النفع للناس.. وصدق الله العظيم الذي قال: ﴿فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ (سورة الرعد آية ١٧) وقال أيضًا ﴿يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (سورة البقرة آية ٢٧٦).