; توديع مرحلة «التعميم الفكري» بالدخول في مرحلة «التعيين العملي» | مجلة المجتمع

العنوان توديع مرحلة «التعميم الفكري» بالدخول في مرحلة «التعيين العملي»

الكاتب عبد الله عبد المحسن التركي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1984

مشاهدات 104

نشر في العدد 653

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 10-يناير-1984

     لم أبتغ بهذا الحديث زيادة كمية في حجم المعلومات، ولا إضافة وصفية إلى التصورات الموجودة، ولا إرباء للحصيلة الثقافية، فلست أجرؤ على ذلك في مجمع علمي انتظم صفوة مختارة من علماء الإسلام، ودعاته، ومفكريه، ومثقفيه. 

     ولم أبتغ بهذا الحديث توفير متعة ذهنية تستمد حلاوتها وطلاوتها من التجريد الفكري، أو من فصل الأفكار عن نبض الواقع، وقد حملني على الزهد في هذين الاعتبارين أمران:

  1. الأمر الأول: الخشية من أن يقع في مجمعنا هذا ما وقع في مجامع سابقة، أي يتكرر فيه ما قيل في مؤتمرات سابقة، وتكون النتيجة -من ثم- دورانًا حول الذات فحسب. 
  2. الأمر الثاني: قضية منهجية أدعو هذا المجمع العلمي الرفيع المستوى إلى أن يجعلها من عزائمه الأولى والكبرى، القضية هي: توديع مرحلة «التعميم الفكري»، والدخول القوى الطموح في مرحلة «التعيين العملي». 

     وأقصد بتوديع مرحلة «التعميم الفكري» أن نذر العمومات والمطلقات التي كانت مطلوبة في المرحلة السابقة -لأجل الإيقاظ والتذكير بالانتماء- ولكنها أصبحت متخلفة في هذه المرحلة، وستكون أشد تخلفًا في المستقبل، وذلك بالقياس إلى الحاجات العملية الناشئة عن مرحلة الإيقاظ.

     وأقصد بالدخول في مرحلة «التعيين العملي» عقد العزم على ارتياد المجال العملي، وصب الطاقة الفعلية في برامج تطبيقية تعبد طريق الاهتداء العملي أمام الأمة، وتفصل الخطوات السير فيه تفصيلًا.

      وحول هذا الأمر الثاني أدندن، قبل قليل وهبت ملكة غربية وسامًا رفيعًا لراهبة كاثوليكية شاخت في خدمة الصليب، فهذه الراهبة بلغت من العمر ما يربو على سبعين عامًا، متخذة من الهند ميدانًا لنشاطها.

     وسيق بين يدي منحها الوسام ملف أحصى الأعمال التي أدتها للفقراء الهنود، وقدرت مجلة «تايم» الأمريكية عدد المبشرين النصارى في العالم بـ (٢٢٠) ألف مبشر.  

وقرأت في أحد الكتب وصفًا للمثل الناجح، ومن صفات أو مقومات النجاح هذه: وضوح الرؤية، تركيز الانتباه، الفعل، الإحساس بالصديق، الذاكرة الانفعالية، الإحساس بدور القائد مهما كان مستوى الدور المناط بالممثل، استخدام الحواس كافة في الأداء، الإبداع، تمثل النص والتفاعل معه، استحضار الهدف المسرحي باستمرار. 

ما الترجمة العملية لذلك، ما الهدف النفعي من إيراد هذه الوقائع؟ 

     في شأن التكريم المسيحي للراهبة لا يكفي أن نحلل أو نعلل استمرار العلاقة ونموها المتواصل بين الكنيسة والدولة في الغرب، فمسؤوليتنا تجاه ما يفعله الآخرون لا ترقى إلى أهمية مسؤوليتنا تجاه ما نفعله نحن. 

      والعبرة المستقاة من هذه الحادثة هي: تجرد الراهبة لعقيدتها، ودأبها على العمل والنشاط في أقسى الظروف، وبين أشد الطبقات فقرًا، وجهلًا، وتخلفًا، وبؤسًا، ومرضًا.

     وكأي من داعية مسلم عرض عليه العمل في مثل هذه الظروف فأعرض، وفي قضية الجيش الضخم من المبشرين ينبغي الخروج على عادة الدهشة، والإدانة، والتعبير، فهي عادة لا تسقط عن الدعاة مسؤولية العمل، ولا تستطيع أن تلغى فعل الآخرين.

المنطق العملي للمبشرين:

     جانب الاستفادة من هذه الواقعة هو المنطق العملي لهؤلاء المبشرين النصارى، فهم يعملون في ضوء ثلاثة أسس علمية تطبيقية:

أولًا- المسح العلمي الشامل للجغرافيا البشرية التي يريدون العمل فيها: المناخ، والعقائد، والأعراف، والتقاليد، والفنون الشعبية، والتاريخ، ومستوى الدخل، ونوع الأمراض والمؤسسات التعليمية والاستثمارية والإعلامية، وأعمار السكان، والعرق أو القبلية. وفي هذا الصدد -دراسة الأعراق والقبائل- استطاعت الكنيسة البروتستانتية -وحدها- أن تتصل بـ(١٦) ست عشرة ألف قبيلة في العالم لأول مرة، أي لم يكن بين الكنيسة وهذه القبائل صلة من قبل. 

ثانيًا- استخدام وسائل وأساليب وتدابير علمية -مكيفة مع هذا الواقع- لتنفيذ الأهداف المرسومة بعناية.

ثالثًا- التقويم الدوري -المنظم- لبرامج العمل، وشخصيات العاملين، وتوجيه نقد ذاتي مرير للأداء تستبين من خلاله مقادير الصواب، وحجم الخطأ،أ

 والأسباب التي أدت إلى النجاح والفشل، وهل هي خارجية أو ذاتية؟ وقبل حركة النقد الذاتي هذه يقدم كل مبشر ملفًا مفصلًا عن حياته الشخصية، وعن عمله بين الناس المراد تنصيرهم، يضاف إلى ذلك تقرير مقدم من رئيس فريق المبشرين في موقع ما.

     وفي مسألة إعداد الممثل: نرى مدى الجد والاجتهاد، والدأب والتفنن في إعداد ممثل يصطنع الأدوار اصطناعًا لقاء أجر معين، قل أو كثر، والعبرة العملية في ذلك: إعادة النظر في إعداد الدعاة على أسس علمية وعملية سليمة.

     وحين نقارن هذه البرامج والخطط المفصلة بنزعة المطلقات والعمومات عند غالب دعاة الإسلام نخرج بنتيجة محددة، وهي أن التنافس السببي يقتضي من دعاة الإسلام ومفكريه وعلمائه الأخذ بالمنطق العملي نفسه مع الاحتفاظ بالاختلاف الأصولي في النية والغاية.

خطورة التعميم:

     إن التعميم طمس أو تذويب للمسؤولية المحددة في شيء مطلق، وإذا كان هذا التعميم خطأ غير مقصود، بمعنى أن النية غير مبيتة لتذويب المسؤولية المعينة، فإن الإقلاع عن ذلك هو الذي يثبت حسن النية، والإقلاع يكون بالانتقال الفعلي من مستوى العمومات إلى التحديد الواضح المفصل لمسألتين، هما:

  1. الواجب من حيث هو واجب. 
  2. مهمة الدعاة إزاء هذا الواجب.

     وهذا التحديد جد مهم لأنه يحقق منافع مركبة، تسعف الداعية بما هو محتاج إليه حقيقة، من هذه المنافع: 

  1. وضوح الغاية، وسطوع الهدف، وهو سطوع لا يتحقق في غموض العمومات والمطلقات. 
  2. النظرة الواقعية إلى الإيجابيات والسلبيات.. 
  3. تنمية «الشيء الموجود» وهو اتجاه يدفن -بحزم- فكرة خاطئة تخاطب الأمة بلغة غريبة، هي: ضرورة الانطلاق من الصفر.

     والفكرة خاطئة بسبب أنها لم تهتد بسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الإقرار والإنكار: إقرار ما هو خير وحق ولو استقر -في المجتمع- قبل مجيء الإسلام، وإنكار ما هو شر وباطل ولو نشأ في مجتمع مسلم.

  1. الاعتدال في السلوك، فقد دل الاستقراء على أن التفريط ناشئ عن ضعف الإحساس بالمسؤولية العينية، وأن الإفراط أو الغلو ناشئ عن إحساس -مبالغ فيه- بالمسؤولية المحددة المعينة.
  2. تحقيق التآخي بين طاقة الفكر وطاقة العمل.

     ومما يدخل في سياق نزعة المطلق، وذهان التعميم الذي لا يرى، ولا يسمع، ولا يشم، ولا يلمس، ترديد مقولة: إن الإسلام يتقدم بقوته الذاتية.

     نعترف بأن هذا القول مشبع بالسرور العاطفي، والزهو العقدي، فإنا طرحنا منه هذه الفرصة المزهوة وجدناه موقرًا بمعنى بالغ الخطورة، وهو: التهوين من مسؤولية المسلم تجاه الدعوة إلى الإسلام، أو إغراق هذه المسؤولية في أبحر النشوة العاطفية.

ضرورة التبليغ:

     هذه المقالة أو الفكرة تعتبر -في ميزان المنهج الصحيح- جهالة مطبقة، فمن المقررات الثابتة -عند أهل العلم- أن للهداية أسبابًا. 

     ومن الأسباب الكبرى للهداية: بعث الرسل والأنبياء -عليهم صلوات الله وسلامه-، وقد ختم الرسل والأنبياء برسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وقد جعل الله -تعالى- أمة محمد سببًا نائبًا في التبليغ والدعوة، ومؤدى ذلك كله أن الإسلام يتقدم وفق السنن التي سنها الله -تعالى-، وبالأسباب التي شرعها سبحانه.

     إن القرآن الكريم لا يبلغ نفسه بنفسه، وكتب السنة لا تتحرك -وحدها- وتتصل بالمدعوين، بل لا بد من مبلغ للقرآن، ولا بد من داع إلى السنة، والمبلغ والداعي هم المسلمون القائمون بأمر الله، الشهداء على الناس.

     إن تخدير النفس بأن الإسلام ينتشر أو يتقدم بقوته الذاتية موقف لا يصدر عن فقه سديد للمسؤولية العملية التي أدى بها الرسول وصحبه واجبات الإسلام، فالمستقرئ لكتاب الله، وسيرة الرسول وصحبه يعلم «المنطق العملي» الذي خوطب به الرسول وحيًا، والمنطق العملي الغالب على سيرة الصحابة وصفاتهم رضي الله عنهم. 

     خوطب الرسول بالفعل، بأن يفعل كذا، وكذا، وفي صيغ أمر فعل جازمة: اقرأ، اقترب، قم، أنذر، كبر، بلغ، صل، انحر، اتق الله، أنفق، استقم، تطهر، اصبر، توكل، اذكر، اتبع، توكل، جاهد، اسع، والصفات الغالبة على سيرة الأصحاب صفات عملية، كما وردت في القرآن المجيد.

     فقد وصفوا بأنهم ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: 9)، ينصرون الله ورسوله، ويسبقون إلى الخيرات والمكارم، مبايعون للرسول، موفون بالعهود، منفقون لأموالهم في سبيل الله، مجاهدون عاملون للصالحات، أشداء على الكفار رحماء بينهم، ركع سجود.

الغاية العملية للمؤتمر:

     في ضوء هذا المنهج العملي ننظر إلى قضايا ومداولات مؤتمرنا هذا، وهو مؤتمر ذو موضوعات متعددة، بيد أنها تندرج -جميعًا- تحت قضية كبرى رئيسة، وهي: «سبيل الدعوة الإسلامية إلى تحقيق التضامن الإسلامي ووحدة المسلمين». 

     والسؤال العملي هو: ما الشيء المحدد الذي نريد خدمته بالأبحاث، والدراسات، والمحاضرات، والمداولات؟ 

     في أي مجال، وعلى أي مستوى نبدأ بتطبيق الوحدة؟ ما الغاية العملية التي نريد أن نخرج بها ونتواصى بتنفيذها؟ إن وحدة المسلمين فريضة محكمة بنص الكتاب والسنة.

      ويعيش مسلمو اليوم في عمر اتسم بالتكتلات، أو التجمعات الإقليمية، والقارية، والدولية، والعالمية.

     هذه ضميمة تعزز مكانة الوحدة، وترفدها بمقتضى واقعي لا يمكن تجاهله، ويستحيل إلغاؤه، وللأمة مصلحة حقيقية في اتحاد إرادتها، وتكامل أجزائها وإمكاناتها.

     وانبعاثًا من هذه الأسس وإحساسًا بتبعة أداء الرسالة نهض قادة هذه البلاد فنادوا بتضامن المسلمين؛ فلبى المسلمون النداء، واختاروا صيغة للتضامن.

     لا نقول إنها حققت كل الغايات، ولكن نقول: إن هذه الصيغة حققت ما يصلح أن يبنى عليه ما هو أفضل في الحاضر والمستقبل، ومن المعروف أن مثل هذه الأطر تتقدم وتنمو بتراكم التجارب والخبرات، وحين تطلق كلمة وحدة أو تضامن فإن الذهن ينصرف -تقليديًا- إلى مفهوم الوحدة السياسية.

الوحدة السياسية:

     وليس هناك شك في أن للوحدة السياسية مكانتها الشرعية، وأهميتها العملية في حياة المسلمين، بيد أن حصر مفهوم الوحدة في هذا الإطار يهدد مكانة مفهومات أخرى أصيلة ومجدية. 

     إن الوحدة السياسية الصحيحة تأتي ثمرة ناضجة لغراس سابق، هو: الوحدة الفكرية والثقافية والتربوية، والوحدة الفكرية هي مسؤولية العلماء والمفكرين في المقام الأول، فما لم يتحد علماء الإسلام ودعاته؛ فمن العسير قيام وحدة حقيقية على مستوى أمة الإسلام، فعلام يتحد العلماء والمفكرون والدعاة، وفيم يلتقون؟

     من المتفق عليه أن الحق هو الذي يوحد الناس ويجمعهم، فما الحق الذي ينبغي أن يجمع عليه العلماء ويكون -في الوقت نفسه- قاعدة لوحدة الأمة؟ 

     لا أحسب أن هناك من يخالفني في أن منهج أهل السنة والجماعة -في الاعتقاد والاجتهاد والسلوك- هو الحق الذي يجمع علماء الإسلام، ودعاته، ومفكريه، ومثقفيه.

     وهذا المنهج لازم، ومتعد، لازم للعلماء، ومتعد إلى الأمة، وعلى الوجهين يتحمل العلماء والمفكرون مسؤولية مضاعفة، فهم يلتزمون بهذا المنهج، وعليهم أن يحرروه وأن يقدموه -ميسرًا ذلولًا- إلى شعوب الإسلام حتى تستطيع أن تعصم نفسها من القواصم التي عادت جذعة.

     ونسوق دليلين قويين على قولنا: إن الحق هو الذي يوحد الناس، ويؤلف بين قلوبهم، وهما دليلان مرتبطان -توفيقًا من الله- بموضوع المؤتمر: الدعوة، والتضامن الإسلامي.

الملك عبد العزيز والوحدة القوية:

الدليل الأول: أن الملك عبد العزيز -رحمه الله- أقام وحدة قوية في هذه الجزيرة العربية التي كانت مصطرعًا مخيفًا، تصطرع فيه الإمارات والقبائل المتناحرة لأدنى الأسباب، والمقوم الأول والأهم لهذه الوحدة هو: عقيدة التوحيد وشريعة الإسلام، وتتضح أهمية الدليل بالنظر إلى التجارب الفاشلة التي جرت - باسم الوحدة- فما زادت الأمة إلا خبالًا.

الدليل الثاني: الوحدة الفكرية، والوئام العلمي في المملكة، والسبب الموضوعي في تلك هو -بعد توفيق الله تعالى- أن العلماء والدعاة في المملكة يصدرون عن نبع شرعي صاف هو: منهج أهل السنة والجماعة في الاعتقاد، والاجتهاد، والعمل، والسلوك. 

     والتنوع في وجهات النظر إنما هو تنوع ثراء ومواهب، وهذا شيء مغاير -تمامًا- لاختلاف التضاد، وجدل التناقض، وصدق الله حيث يقول: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 213).

     ومن العزائم العملية: أن يتقدم نفر من الدعاة والعلماء الموجودين الآن -انبعاثًا تلقائيًا، أو تكليفًا من المؤتمر- للقيام بمهمة محددة خلال عام مثلًا، المهمة هي: تحرير منهج أهل السنة والجماعة، وإخراج خلاصته المركزة في صيغ متنوعة تعليمية وإعلامية.

صيغة تصلح للتدريس في الجامعات.

وصيغة تصلح للتدريس في المدارس.

وصيغة ثالثة تخرج في كتيبات، يستطيع أأن يقرأها ذو الثقافة المحدودة.

وصيغة رابعة تصلح لخطب الجمع، ومواعظ المساجد.

ومصطلحات تصلح لأن تبث في وسائل الإعلام كافة.

     ولا يزال الدعاة العلماء، والمفكرون يكررون هذه الخلاصة، ويتحرون التذكير بها حتى يتكون بموجبها رأي عام إسلامي وقاف عند المعايير الصحيحة لا يضل حين يضل الناس. 

     وفهم الواقع الراهن يعين على تنزيل الحكم، وإنفاذ القيمة، بل إن فهم الواقع الراهن هو الوعاء الوحيد الذي يتنزل فيه الحكم، وتنفذ فيه القيمة.

تضامن العلماء:

     إن تضامن العلماء والدعاة- الذين جمعهم منهج أهل السنة والجماعة- يسير- عمليًا- في خطين متوازيين:

  1. خط تعهد نبتة الوحدة بالري والمخصبات. 
  2. وخط مقاومة الآفات الضارة بالنبتة.

     فيما سبق أشرنا إلى كيف تتعهد النبتة بالري والمخصبات، ولعل الكلمات التالية تفلح في تعيين الآفات الضارة بنبتة الوحدة، إن المكاسب النسبية التي حققها المسلمون في طريق الوحدة والتضامن، والتشبث بالأصول أزعجت -على تواضعها- الذين لا يريدون لأمة الإسلام رقيًا فكريًا، ولا تطورًا ماديًا، ومن ثم طفقوا يكيدون للأمة كيدًا.

     ونشهد بأن الخصوم قوم عمليون في الباطل والشر، لقد تجسد هذا الاتجاه العملي في تدابير تستهدف تمزيق الأمة، وإسقاط حركة التضامن الإسلامي.

ومن هذه التدابير:

أولًا- بعث الطائفية من مرقدها، وتهييج كوامنها، وتأجيج فتنتها، مرة بدفعها إلى معارضة حركة التضامن الإسلامي من الأساس ومرة أخرى بتشجيعها على الاستمرار في حرب مخبولة تدمر إمكانات المسلمين العسكرية، والاقتصادية، والبشرية، والعمرانية، ومرة ثالثة بدفعها -باسم الإسلام والدعوة- إلى ترويع بلد مسلم آمن.

ثانيًا- بعث العرقية العنصرية التي ترجع الناس إلى عهود الجاهلية الأولى، وتفتت الأمة تفتيتًا منكرًا على أساس عنصري.

ثالثًا- التشكيك في الأصول المجمع عليها ابتغاء إطفاء أو تنكيس أعلام الهدى، ولقد انصب التشكيك على منهج أهل السنة والجماعة على وجه التخصيص، إذن فوحدة العلماء والمفكرين على أساس الحق المبين هي الكفيلة بقيام بنيان سليم، وهي الحرية بتشتيت تدابير الخصوم.

التنسيق العملي:

الخطوة الأخرى في وحدة علماء الإسلام ودعاته ومفكريه هي: التنسيق العملي أي وضع برامج تطبيقية مفصلة لمبدأ التعاون على البر والتقوى. 

     ما البر الذي نتعاون عليه في هذا العصر؟ ما الصور التطبيقية للتقوى في ظروف كظروفنا وفي عصر كعصرنا؟

     لعلي لا اتهم بفقدان العاطفة إذا قلت: إنه ليس من المهم الاتصال والتلاقي، وإنما المهم: ما يقوله كل منا للآخر، وإنما المهم: الاستعداد الإيجابي السمح الناجز للتعاون. 

     وفي هذا الأفق أستصحب ما بدأت به من أفكار، كالتزام المنطق العملي، والدخول في مرحلة «التعيين العملي».

أستصحب ذلك، وأضرب ثلاثة أمثال:

  1. المثل الأول: الحديث عن ظاهرة الغلو الديني في قطاعات معينة من الشباب المسلم، وأبادر هنا إلى تسجيل الملاحظ التالية:

•إن ظاهرة الغلو موجودة فعلًا.

•إن الغلو معصية من المعاصي التي يجب الزجر عنها، والاحتساب عليها.

•إن الغلو ينشئ الشقاق إنشاء، أو يضخم الشقاق الموجود، والشقاق عمل مناوئ للتضامن الإسلامي.

     وعلى الرغم من تسجيل هذه الملاحظ فإننا لا نتوقف عند ذلك، فليس من هدفنا الآن أن نفعل ذلك.

استثمار الرصيد البشري:

     إنني أصرف وجوه الكلم، ومعاني القضية إلى وجهة أخرى لكي أصل إلى المراد المحدد، وهو: أن أصل المراد المحدد وهو: أن معالجة ظاهرة الغلو انحصرت -حتى الآن- في التنديد، وإعلان براءة الإسلام من الغلو، وقضية الشباب المغالي، مما يؤكد أن بعضنا لا يزال يعيش في مرحلة العمومات والمطلقات.

     إن المسئولية العينية العملية المحددة هي غير ذلك، المسئولية العينية المحددة هي: ابتكار برامج عملية تطبيقية، تستوعب طاقات الشباب المتدين، وترشدها وتدفعها إلى عمل إنمائي وإبداعي: اجتماعي، واقتصادي، وعلمي، وصناعي، وزراعي، وغير ذلك من المجالات. 

     إن الطاقة البشرية رصيد كالرصيد المالي مثلًا، ولكن الرصيد المالي يحتاج إلى عبقرية اقتصادية تحسن اختيار مجالات الاستثمار، وتجيد إدارة رأس المال بمهارة فائقة. 

     وحين تعجز هذه العبقرية أو يعجز إنسان ما عن استثمار الطاقة المالية؛ فإنه من الظلم أن يتهم الرصيد المالي بأنه غير قابل للاستثمار. 

     وألخص رأيي في هذه النقطة على النحو التالي: إن علماء الإسلام، ودعاته، ومفكريه هم عباقرة استثمار الرصيد البشري الشبابي في الأمة، والإطار العملي لهذه العبقرية، هو: توفير أوعية العمل التي تستوعب طاقات الشباب.

  1. المثل الثاني: اللغة العربية، هذه قضية متفق عليها بين المسلمين باعتبارها لغة القرآن، وأداة فهم الإسلام، اللغة العربية مقوم من مقومات التضامن الإسلامي، ولا يكفي -في هذا المقام- التشنيع على دعاة العامية أو الذين يستمدون من استخدامهم للألفاظ الأجنبية قيمة اجتماعية أو مكانة أدبية.

     إن تضامن علماء الإسلام، ودعاته يتمثل -في هذا الميدان- في التفنن المتجدد في تعليم اللغة العربية، ونشرها من خلال أو بوسائل استفاد منها الإنجليز، والفرنسيون كثيرًا في نشر لغاتهم.

  1. المثل الثالث: قضية الطفولة في العالم الإسلامي، إن الطفولة تمثل (٥٨٪) من مجموع المسلمين، ومعنى ذلك أن هذه الطفولة هي التي تشكل مستقبل العالم الإسلامي بعد ربع قرن. 

     غالبنا يحفظ حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه». 

     فكيف نحافظ على نقاء الفطرة، ونبعد عنها غواشي التهويد، والتنصير، والتمجيس، وغير ذلك من غواشي الملل الضالة؟ 

     نجزم بأن ذلك لن يتحقق بالشرح العلمي المجرد للحديث الشريف، إن الحفاظ الحقيقي على نقاء الفطرة، وبراءة الطفولة يلزم علماء الإسلام، ودعاته بالتدخل في: 

(۱) مناهج تعليم الأطفال.

(2) صناعة أفلام الكرتون.

(3) علم النفس السائد بقصد ابتكار منهج علمي نفسي قائم على أصول الإسلام في اعتبار براءة الأطفال. 

     وهذا التدخل يقتفي: البرمجة العملية -المناسبة للعصر- لهذا الحديث النبوي العظيم، وبمناسبة الطفولة نشرت مجلة «تايم» الأمريكية المشار إليها آنفًا قصة راهبة نصرانية تحتض أربعين طفلًا في مصر، وتعيش في منطقة تجميع القمامة حيث يعيش هؤلاء الأطفال.

     مرة أخرى أقول: إن هناك ما هو أهم من الاستنكار، والغضب العاجز، هناك المنطق العملي الذي يتيح للمسلمين -بالجدارة التطبيقية- احتضان مثل هؤلاء الأطفال.

وبعد: فهذه ليست محاضرة علمية، وإنما هي مجرد مداخل إلى حوار نأمل أن يستمر، ومجرد منافذ إلى تداول يؤدي إلى تعاون وثيق بيننا وبين الإخوة العلماء، والمفكرين، والدعاة.

أشكركم كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرابط المختصر :