; منبر المجتمع: المنهاج النبوي | مجلة المجتمع

العنوان منبر المجتمع: المنهاج النبوي

الكاتب عبدالسلام ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 03-سبتمبر-1985

مشاهدات 55

نشر في العدد 731

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 03-سبتمبر-1985

ننطلق في عرض تصورنا للمنهاج النبوي من كتاب الله عز وجل من سورة البلد التي يخاطب الله عز وجل فيها الإنسان كل إنسان يدعوه للسير إليه سبحانه عبر العقبة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ( البلد: 4).

إلى قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ، ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ (البلد: 11-17).

الإنسان في شقاء ما دام غافلاً عن الله، ودواؤه وراحته وسعادته أن يعلم ويقتنع أن وراء حياة الكَبَد في الدنيا حياة سعادة ونعمة في الآخرة. فإن عمل عليها نالها بفك الرقبة- وتحتها معانٍ جسام- وبإطعام اليتيم والمسكين- وتحت هذا برنامج هائل- ثم بالكينونة من الذين آمنوا، وهو جسم الأمة المركزي، وهم المخاطبون بالشريعة المعنون في القرآن والسنة.

المنهاج القرآني النبوي يخاطب الإنسان، يدعوه إلى الله من كفر لإسلام، من نفاق لصدق، من إسلام لإيمان، من إيمان لإحسان.

عملنا المنهاجي يجعل رباط المؤمن مع الله وتشوقه إليه وخشوعه بين يديه واعتماده عليه ومعرفته والوصول إليه والموت في سبيله جهادًا محور العمل كله، التربوي والتنظيمي والحركي.

كل حركة تبدأ باسم الإسلام يتربص بها عوامل التشتت في العالم الخارجي، فالغفلة عن الله فالانحراف، كل تنظيم باسم الإسلام تنخر فيه حب الرئاسات وشيكًا فينحرف.

ذلك إن لم تكن التزكية النفسية والقيام لله بين يدي الله بالذكر الذي يصد داعي الغفلات، والإخبات الذي يزع النزوات عماد الأمر كله وقوام حركته.

تأتي كل الاعتبارات بعد هذا الاعتبار للعلم والفكر مكانهما اللاحق البارز، والعلاقات بين المؤمنين مكانها الرئيس السائر على شعب الإيمان. 

والجهاد ذروة الإسلام. وإنما يجاهد المؤمن التائق للإحسان، والمسلم السائر على شُعب الإيمان.

  • شعب الإيمان:

المنهاج- كما يحتمل اللفظ لغة- طريق يؤدي آخرها للقاء الله، والمجاهد الحق هو من جاهد في الله حق جهاده حتى رضي الله عنه وحشره مع الوجوه الناضرة التي هي يوم الجزاء إلى ربها ناظرة.

«ومجاهد الحق هو المؤمن مكتمل الإيمان» 

وقد نظرنا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدنا إحصاء ونماذج للخصال التي يكتمل بالاتصاف بها إيمان المسلمين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة «عند البخاري بضع وستون» زاد مسلم ، أعلاها قول لا اله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».

وقد صنفنا- بحمد الله- شعب الإيمان استقراء منا لأحكام الكتاب والسنة على غرار ما فعله الحليمي والبيهقي لكن بترتيب خاص يناسب خطة عمل تربوية تنظيمية حركية جهادية. 

لسنا من أهل الاختصاص في الحديث. لكن حاجتنا إلى النظرة الشاملة وما مهده لنا الحفاظ من سلفنا الصالح تضافرا على اقتحامنا لهذه العقبة.

لا مكان هنا للتفضيل. يكفي سرد طرائق الإيمان ووسائل ترسيخه وتنميته ونتائجه الخلقية النفسية السلوكية على نسق مرتب وضعناه.

عشر خصال رئيسة أدخلنا تحت كل واحدة منها شعبة من شعب الإيمان على ترتيب تدرجي لا يقتضي أن الشعبة السابقة أعلى من التي تليها. ذاك أن الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن أعلاها قول لا إله إلا الله. فكل الشعب التي ذكرناها قبل هذه فإنما نراها مفضية إليها ممهدة لها، وهي ذروة الأمر كله متى رسخت عقيدة وعلمًا وعملًا وجهادًا.

الخصلة الأولى: الصحبة والجماعة:

يتعلق الأمر ببناء الشخصية الإسلامية والحضارة الإسلامية المناقضة للحضارة المادية غاية ووسيلة، والمجتمع الإسلامي المنفرد بعلاقات يحكمها روح الأخوة والتعاون وروح الألفة على النموذج النبوي.

علاقات المسلمين بالمجتمع الإسلامي السليم تقوم على وحدة الوجهة والعاطفة والسعي الفكري والعملي. تقوم على محبة الله ورسوله وتنتهي بحسن التعايش بين المسلمين. 

هذه الخصلة، وتحتها ندرج ثلاث عشرة شعبة، تصف الجو البشري العام الذي ينبغي أن يسود المجتمع المسلم ويوجه الاقتصاد الإسلامي ويربط بين المسلمين فيما بينهم برباط الأخوة الممتد من محبتهم جميعًا لله ورسوله. 

صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ميزت الجيل الأول عن سائر أجيال المسلمين لقوة النموذج الحي الماثل المعصوم، ولقوة التأييد الغيبي. 

والشخصية الربانية، شخصية ورثته صلى الله عليه وسلم من العلماء العاملين الصالحين، هي مظنة أن ينبثق عن القلوب الطاهرة إشعاع إيماني إحساني يسري بالرفقة والتربية في سائر جسم الأمة. والشخصية الربانية، شخصية العالم المربي، هي المرجوة أن تستمطر توفيق الله للمسلمين بتعلقها بالله ووقوفها على بابه آناء الليل وأطراف النهار.

الشخصية الربانية نتيجة تربية. وكل تربية إنما تبدأ بلقاء فصحبة فتمثل للنموذج الحي القائم، عبر التشرب النفسي العاطفي والفكري والسلوكي.

لا بد إذًا من تربية الشخصية الربانية المجاهدة ابتداء من الصحبة وسط الجماعة وانتهاء ببروز المؤهلات الجهادية في الميدان. لذلك جعلنا أول خصال الإيمان الصحبة والجماعة وآخرها الجهاد.

شعب هذه الخصلة كما يلي: 

محبة الله ورسوله، الحب في الله عز وجل، صحبة المؤمنين وإكرامهم، التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، في خلقه، التأسي به صلى الله عليه وسلم، في بيته، الإحسان إلى الوالدين وذوي الرحم والصديق، الزواج الإسلامي بآدابه وأخلاقه مع العفة عن المحارم، قوامة الزوج وحافظيه الزوجة وكفالة العيال، إكرام الجار والضيف، رعاية حقوق المسلمين والإصلاح بين الناس، البر وحسن الخلق.

الخصلة الثانية: الذكر:

التربية الإسلامية روحها تزكية النفس بذكر الله حتى يغلب الهوى والشيطان وتطمئن بذكر الله ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (الرعد: 28). 

ولا إله إلا الله منهاج حياة ذكر الله ينجلي في التمسك بكتابه وهو الذكر الحكيم، ويتجلى في توحيده وإفراده بالعبادة، ويتجلى في الرضوخ لحاكميته في صغير الأمر وكبيره.

فذكر الله في منظورنا لا يقتصر على الإكثار من ذكر لا إله إلا الله قولاً كما ينص عليه الحديث الشريف، لكن تفهمه سلوكًا فرديًا وجماعيًا في كل ميدان حلت فيه الفتنة.. قانون الوضع بدل قانون الله. ونفهمه تعلقًا بالله وحده لا بالأسباب التي وضعها في الكون مع تهيئ الأسباب ما كان منها مشروعًا. 

ذكر الله في الفرض والنفل، في التلاوة والذكر المشروع، في صعود الهمة المؤمنة ماثلة على باب الله تقرعه، في الحضور مع الله في الصلاة والسعي اليومي والعمل السياسي الجهادي، في الحضور مع الله عند الالتفات لحقائق الأرض وعند الالتفات الدائم لما عند الله بعد الموت.

أدرجنا هنا اثنتي عشرة شعبة هي: قول لا إله إلا الله، الصلاة المفروضة، النوافل، تلاوة القرآن، ذكر الله والتماس أثره، حضور مجالس الإيمان وهي مجالس ذكر الله، التأسي بأذكاره صلى الله عليه وسلم، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، التوبة والاستغفار، الخوف من الله عز وجل والرجاء له، ذكر الموت.

الخصلة الثالثة: الصدق:

الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، يشترك القلب المصدق والفكر الناطق والقوى الحركية العملية في تحقيق معاني الإيمان. 

مكان الزيف والنفاق والبهرجة وسقوط الهمة في سلوك الأفراد الجاهلين والمفتونين كبير. والزيف والنفاق والبهرجة وسقوط الهمة هي ميزات المجتمعات والحضارة الجاهلية والفتنوية. 

الكفر بالله تعالى والغفلة عنه ونسيانه هي الحد الذي يفصل بين الإيمان فما دونه من إسلام فردي فاتر ونفاق وإلحاد. 

فلا بد في تربية الشخصية الإسلامية من فرز الصادقين من الكاذبين. لا بد أن يدلي كل مسلم تقدم للصف ببرهان صدقه قبل أن يعتبر عضوًا في جماعة المسلمين.

ولا بد لكل من زعم أنه يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعطي بعد صحبته للمؤمنين وحضوره مجالس العلم والإيمان حجة على علو همته وصدق ذمته بالهجرة التامة من القعود للجهاد من صف الأعداء والخصوم والغافلين إلى صف المجاهدين الذاكرين.

ولا بد أن يكون الصدق معيار القيم في المجتمع الإسلامي ليعرف من هو منا وما هو من الحق في ديننا.

أدرجنا هنا إحدى عشرة شعبة هي: الإيمان بالله وبغيبه، الإيمان باليوم الآخر، النية والإخلاص، الصدق، النصيحة، الأمانة والوفاء بالعهد، سلامة القلب، الهجرة، النصرة، الشجاعة، تصديق الرؤيا الصالحة.

الرابط المختصر :