العنوان دين وسياسة
الكاتب عمر التلمساني
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مارس-1985
مشاهدات 72
نشر في العدد 710
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 26-مارس-1985
قضية الأمس القريب، وقضية اليوم وأسأل الله ألا تكون قضية الغد، لا القريب ولا البعيد وقضية «لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة» شعار لو نظرت إليه بشيء من دقة التفكير، لألفتيه خاليًا من أي مدلول هذا بالنسبة للمسلمين لأنهم أصحاب العقيدة التي خلت من الوسطاء بين العبد والرب. حتى رسول هذه الأمة عليه الصلاة والسلام، يوم أن قال لابنته الزهراء «اعملي يا فاطمة فإني لا أغني عنك من الله شيئا».
إنني لا أتهم الداعين إلى التفرقة بين الدين والسياسة بالهرطقة أو الزيغ، ولكن لي شرط واحد ، لا أكثر ولا أقل، أن يقدموا لنا دليلًا واحدا من كتاب الله أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- أو إجماع الفقهاء، على إمكان هذه التفرقة.
إن المسلم في تناوله لشئون حياته، مرتبط أولًا وأخيرًا ببنيته، وعقيدته مبينة في قرآنه. فهو أن يصلي، والصلاة عماد الدين، وقمة العبادة، يقرأ في هذه الرحلة الروحانية- والصلة الربانية آيات في السياسة والاقتصاد والاجتماع والحرب والسلم. وهو إذ يقرأ هذه الآيات في صلاته يؤمن كل الإيمان بأنها أوامر العليم الخبير، وتوجيهاته في مباشرة شؤوننا الدنيوية على أسس توصلنا إلى سعادتنا الأخروية.
فإذا جاء في القرآن أو الحديث نص عن الحاكم ووجوب عدالته، وإلزامه بالاستشارة في إدارة شئون الدولة ونهيه عن الظلم، وتحذيره من عواقبه، ومطالبته له بأن يطبق على نفسه ما يأمر به، قبل أن يأمر الناس بتنفيذه. إذا جاء هذا هكذا، وهو في الصميم مما يسمونه بالسياسة فهل يمتنع المسلم عن مطالبته الحاكم بهذا خشية إغضابه ونقمته؟ أم يطالبه به لأنه شرع الله وسنة رسوله، وإذا فعل هذا فهل خلط بين الدين والسياسة أم أنه أطاع الله ولو أغضب الحاكم والقاعدة عندنا أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وإذا استعمل المسلم هذا الحق في سياسة دولته الداخلية والخارجية، يعتبر خالطًا بين الدين والسياسة!! وكذلك الحال في الاقتصاد والجهاد والاجتماع وما إليها كلها، إن المسلم في قيامه بهذا الواجب الشرعي، وتمتعه بهذا الحق الممنوح له من رب السماء، لا يقهر نفسه سياسيا ولا اقتصاديًا ولا حربيًا، ولكنه يرى نفسه متكلمًا بما أمره الله به في هذه المناسبات. إن شعار لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين شعار متهافت لا مدلول له إلا إذا كان الكلام فيه ليس في مصلحة المسئول. فهنا يظهر الدافع للطنطنة بهذا الشعار. أما إذا كان الكلام الديني في صالح المسئول فمرحبًا به وتنشره الصحف وتبرزه مقتضى ومشوهًا ومثيرًا للمقصود منه حتى يبدو وكان الكاتب يمدح المسئول بالحق أو بالباطل.
إن هذه القضية كانت أول قضية يتصدى لها رجال بعينهم، لا لأنهم يرتدون زيًا معينًا، ولكن لأنهم درسوا هذا الأمر بتوسع. خلال دراستهم للتفسير وشرح الأحاديث، ولكن لأمر لا يعلمه إلا الله وهم فإنهم لا يفعلون ولست مع الذين يتهمونهم بمختلف الاتهامات لأن النوايا لا يعلمها إلا الله ولعل لهم عذرا ونحن نلوم. كل رجائي لديهم أن يتولوا هذا الموضوع بعنايتهم واهتمامهم، حتى يعلم الناس حقيقة هذا الشعار أحقًا ليس للمسلم أن يطالب بالعدالة والشورى، أم أن المسلم يقحم نفسه فيما ليس من حقه أن يتعرض له أن مسئولية هؤلاء الأفاضل صعبة في الموازين القسط، وهم يعرفون عن دقتها أكثر مما نعلم أني على ثقة كاملة بأن كلمة واحدة من هؤلاء الفضلاء كفيلة بالقضاء على هذا الشعار، وإسكات الخائضين فيه بغير علم.
إننا لو تركنا السياسة تسرح وتمرح دون قيود قرآنية ونبوية لصارت السياسة فوضى ومرتعا لكل عات وجبار. ولو أبعدنا الدين عن السياسة، لأصبح هذا الدين رهبنة في المساجد والزوايا وعدم الاهتمام بشئون المسلمين، ولا رهبانية في الإسلام أن عمر ابن الخطاب كان يقول إني لأجهز الجيوش من المدينة إلى الشام وأنا في الصلاة فهل كان هذا العبقري الذي لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم، يغزي فرية، هل كان فاصلًا بين الحرب والصلاة؟ قولوا لنا يرحمكم الله قولًا نطمئن به على دقة فهمكم لدينكم. ومرة أخرى أطالب أصحاب هذا الشعار، أن يدلونا على الأسلوب الذي تفرق به بين الدين والسياسة، هذا الدين وضح لنا كل شيء، حتى قضاء الحاجة في دورات المياه.
إن هذا الذي قدمت بين يدي القارئ لا يؤدي عشر ما يجب أن يقال في هذا المجال، ولله الأمر من قبل ومن بعد والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يتذكر إلا أولوا الألباب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل