العنوان الهجرة النبوية مرحلة فاصلة لإقامة دولة الإسلام
الكاتب عبدالله ناصح علوان
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1983
مشاهدات 52
نشر في العدد 640
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 11-أكتوبر-1983
من الذكريات الخالدة التي لها في النفوس أثر، وفي القلوب منزلة وإكبار.. ذكرى هجرة النبي من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة... ذلك لأن صاحب هذه الذكرى صلوات الله وسلامه عليه علم الهدي من تاريخ الإنسانية، والمنارة المتلألئة في بحار الظلمات…
ولا يمكنني في هذه العجالة أن أتكلم عن أسباب الهجرة، وعن مقدماتها ومراحلها، وعن عبرها وعظاتها.. لأن الكلام عن هذا كله يحتاج إلى مئات المقالات... بل يحتاج إلى مجلدات ومجلدات.. وعلماء السيرة قديمًا وحديثًا ألفوا في ذلك الكتب الكثيرة، وقد أحسنوا وأفاضوا في ذكر الأسباب والنتائج والعبر.. وكلما طال الزمن كشف المختصون والكتاب والعلماء عن شيء جديد في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، سواء ما يتعلق بالهجرة، أو ما يتعلق بالغزوات، أو ما يتعلق بالمرحلة المكية، أو المرحلة المدنية، أو صفات الرسول -صلى الله عليه وسلم- الجسمية والنفسية والخلقية.. ورحم الله من قال:
فإن فضل رسول الله ليس له *** حد فيعرب عنه ناطق بفم
فمبلغ العلم فيه أنه بشر *** وأنه خير خلق الله كلهم
والذي أريد أن أتكلم فيه في هذه المقالة كيف كانت الهجرة النبوية مرحلة فاصلة في إقامة دولة الإسلام؟ .. ولكي تتضح مرحلة المفاصلة في إقامة الدولة الإسلامية لا بد أن نمر على المراحل التي مر عليها رسول الله قبل الهجرة، ليعرف كل ذي عينين وبصيرة أن الهجرة النبوية لم تكن جبنًا ولا انهزامًا، وإنما كانت تنفيذ مرحلة تقضيها الخطة من أجل أن يكون للمسلمين أرض يقفون عليها، ودولة ينطلقون منها، ومركز إشعاع يضيء للبشرية طريق الهدى والنور... وهذا ما كان!! أما المراحل التي مر عليها الرسول قبل الهجرة فهي كالتالي:
١- الاتصال بالوفود في موسم الحج: كان النبي خلال هذه الفترة يعرض نفسه في موسم الحج من كل سنة على القبائل التي تتوافد إلى البيت الحرام يتلو عليهم كتاب الله ويدعوهم إلى الإسلام.. وكان من جملة الذين اجتمع معهم رهط من الخزرج وكانوا ستة، أراد الله بهم الخير، فلما كلمهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه ودعاهم إلى الإسلام، نظر بعضهم إلى بعض وقالوا: «تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه».. فأجابوه إلى ما دعاهم إليه من الإسلام وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، وبينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك.
ثم انصرفوا ووعدوه المقابلة في الموسم المقبل، وانتشر الإسلام خلال تلك السنة في المدينة - ولما كان العام الذي يليه وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلًا، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بيعة النساء وكان منهم: أسعد بن زرارة ورافع بن مالك، وعبادة بن الصامت، وأبو الهيثم بن التيهان. فلما أرادوا الانصراف بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معهم «مصعب بن عمير» وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين..
وفي موسم العام التالي كانت بيعة العقبة الثانية، ويروي محمد بن إسحاق عن كعب بن مالك «فواعدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العقبة من أوسط أيام التشريق.. حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشِعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا، ومعنا امرأتان من نسائنا... فبايعوا النبي صلوات الله وسلامه عليه على أن يمنعوه مما يمنعون من نسائهم وأبناءهم.. وسميت هذه البيعة ببيعة الحرب... ثم قال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «أخرجوا إلي اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم» فأخرجوا منهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس فلما تخيرهم قال للنقباء: «أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي».
2- نشاط الدعاة في الدعوة إلى الله: سبق أن ذكرنا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قبل العقبة الأولى بعام اجتمع بستة من الخزرج دعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام.. فأجابوه إلى ما دعاهم إليه... وكان من جملة هؤلاء الستة: أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وعقبة بن عامر.. وسبق أن ألمحنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما انتهى من بيعة الناس في بيعة العقبة الأولى، وأراد المبايعون الانصراف بعث معهم مصعب بن عمير من أجل أن يقوم بدور التعليم، والدعوة إلى الله، وقراءة القرآن في المدينة. ففي هذه المرحلة بالذات نشط هؤلاء الدعاة في الدعوة إلى الله، وأصبح للإسلام شأن كبير هناك، بل هم الذين مهدوا لبيعة العقبة الثانية، بل هم والذين جاؤوا من بعدهم كانوا أداة فعالة في انتشار الإسلام، ودخوله إلى كل بيت من بيوت المدينة.
3- هجرة من أسلم في مكة إلى المدينة: ولما اشتد البلاء والاضطهاد على من أسلم في مكة أذن لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة إلى المدينة، فخرجوا مستخفين أرسالًا، فنزلوا في دورهم، فأووهم، وآسوهم، وأثروهم.. ولم يبق بمكة منهم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأبو بكر وعلي رضي الله عنهما.. أو معذب محبوس، أو مريض مقعد، أو ضعيف على الخروج... ولا يخفى ما في هذه الهجرة من أثر كبير في تحقيق الإخاء الإسلامي بين المهاجرين والأنصار، ولا يغيب عن البال ما لهذا التجمع الكبير في المدينة من نتائج عظيمة في تكوين القاعدة الصلبة التي على يديها تقوم دولة الإسلام الأولى بقيادة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والتي بسببها تنطلق الجحافل المؤمنة إلى أنحاء الدنيا داعية فاتحة محررة..
مما ذكرناه ندرك جيدًا أن هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن معه إلى المدينة لم تكن اعتباطًا ولا ارتجالًا ولا انهزامًا.. وإنما كانت ضمن خطة مرسومة تهدف إلى قيام دولة إسلامية قوية، وترمي إلى بناء قاعدة من المؤمنين صلبة، وتخطط إلى تكوين معقل للإسلام حصين.. ولقد رأينا أن من مراحل هذه الخطة:
- الاتصال بالوفود في موسم الحج سرًا.
- نشاط الدعاة في الدعوة إلى الله في المدينة جهرًا.
- هجرة من أسلم إلى المدينة خفية.
بعد هذا كله جاءت هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- مع صاحبه أبي بكر -رضي الله عمه- مكملة لولادة دولة الإسلام، وكأن المدينة بمن فيها من شيب وشباب، ونساء ورجال، وصغار وكبار.. كانت على موعد لاستقبال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مهجره الجديد وسط الجموع المحتشدة، والتكبيرات الحماسية الملتهبة، والعواطف الإسلامية الجياشة، والأهازيج الشعرية المدوية.. ولا شك أن النبي صلوات الله وسلامه عليه لم يخطط لقيام دولة الإسلام في المدينة إلا بعد أن تيقن أن مكة لم تعد مرتعًا خصبًا للدعوة، فضلًا من أن تكون معقلًا لها.. للموقف العنيد المعادي الذي وقفته مكة من الدعوة الإسلامية زهاء اثني عشر عامًا، وللاضطهاد اللئيم المستمر الذي أحاط بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وبأصحابه الذين اتبعوه خلال الفترة المكية كلها. فمن الطبيعي بعد هذا أن يتخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- أرضًا أخرى يأوي إليها، وأن يخطط لقيام دولة ينطلق منها، وأن يعمل لتجميع قاعدة صلبة مؤمنة يعتمد عليها!!
فهل عرف الدعاة كيف يصبرون؟
وهل علموا كيف يخططون؟
وهل دروا كيف يبدؤون وكيف ينتهون؟
حسبهم أن يتأسوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم-:
صبرًا واحتمالًا...
وتنظيمًا وتخطيطًا....
وبدءًا وانتهاء....
وتضحية وجهادًا....
إن أرادوا أن يبنوا لأمة الإسلام مجدًا، وأن يقيموا في العالمين سيادة.. إنهم إن فعلوا ذلك فهم المنصورون....
وإن جند الله لهم الغالبون...
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين…
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل