; معنى العيد في علم الاجتماع | مجلة المجتمع

العنوان معنى العيد في علم الاجتماع

الكاتب د. زيدان عبد الباقي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1980

مشاهدات 593

نشر في العدد 492

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 05-أغسطس-1980

  • الفرح المرتبط بالعيد يكون بكمال العبادة لله.
  • العيد فرصة لتأليف القلوب وتوحيد الصفوف.

الاحتفال بالأعياد من العادات الاجتماعية التي هي إحدى الظواهر الاجتماعية التي يتناولها علم الاجتماع بالدراسة والتحليل مثل غيرها من الظواهر الاجتماعية. ومصطلح «العيد» في اللغة العربية يتفق في معناه من دلالة مفهوم «العيد» في علم الاجتماع، وقيمة هذه الدلالة تتجاوز الأهمية في اللغة إلى الأهمية في الواقع الاجتماعي، ذلك أن العيد بالمعنى الاجتماعي يستلزم- بالضرورة- أن يعاد في موعد معلوم من كل سنة أو كل موسم وعودته مع السنين والمواسم تستلزم وجود مجتمع قد استقروا واستقرت له علاقته بالأرض والسماء، بالزمان والمكان، وبالنظم الاجتماعية أيضًا.

الاحتفال بالأعياد عادة اجتماعية:

والاحتفال بالأعياد كعادات اجتماعية من شأنها أن تبهج القلوب عندما تأتي، وأن تأتنس بها الأرواح، لا سيما إذا ارتبطت هذه الأعياد بالأديان، على اعتبار أن الأعياد الدينية أشبه بالواحات في صحراء الحياة الاجتماعية. حيث يتزود فيها السائر، ليتابع على الطريق مراحل جديدة. وتسترجع فيها المرأة شأنها شأن الرجل ذكريات عزيزة، وتأخذ منها دروسًا مستفادة، تمكنها من زيادة الصلات بين ماضيها الزاخر بالمفاخر الدينية، وحاضرها الذي تجاهد فيه من أجل التمسك بآداب وأهداب دينها، انطلاقًا إلى مستقبل يكاد يصبح فيه الدين غريبًا. ولذلك كانت الأعياد وسيلة إلى إيقاظ روافد الخير في النفوس، وتذكير الناس بواجبات الدين عليهم وبفروضه وسنته. ووسيلة أيضًا إلى إرهاف أحاسيس الكرامة في القلوب لكيلا تغفل المرأة عن واجباتها الدينية ومسؤولياتها الاجتماعية. ولا تغيب عن تاريخها الذي تعتز به ولا تنسى أمجادها.

إن الاحتفال بعيد الفطر المبارك، عقب النجاح في أداء فريضة الصيام وسيلة إلى ترشيد المرأة والرجل على السواء إلى أن السرور والفرح المرتبطين بالعيد، إنما يكونان بكمال العبادة لله وتمام طاعته. وفي هذا العيد يلهج لسان المرأة التي نجحت في صيام شهر رمضان- إيمانًا واحتسابًا- بذكر رب العالمين، الذي وفقها إلى أداء فريضة الصيام، وما يترتب على ذلك من إحساس بلذة الصفاء الروحي، والتقوى القلبية والطمأنينة النفسية، لاجتيازها هذا الامتحان الروحي السنوي وقد خلصت نفسها، وتهذبت طباعها، وسمت روحها وتحررت- إلى حد كبير- من أثر المادة والشهوة، وخرجت راضية سعيدة. 

ارتداء الجديد في العيد

يقبل عيد الفطر- مثل غيره من الأعياد الدينية- فنرى المرأة والرجل وأبناءهما على امتداد العالم الإسلامي الكبير، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب يحتفلون بهذا العيد، إذ ترى المسلمين- جميعهم- في غاية الفرح والغبطة. وتستكمل في هذه الأيام مظاهر الابتهاج والسرور في منازلهم ومتاجرهم ومحلاتهم، وتزدحم الشوارع والطرقات ولا سيما في الأحياء الشعبية المكتظة بالسكان وكذلك في القرى بالمسلمين ذكورًا وإناثًا، صغارًا وكبارًا، منذ غروب شمس آخر يوم من شهر رمضان المعظم، حيث تكون هذه الشوارع بما فيها من بيوت ومساجد ومؤسسات مزدانة- منذ أول مضان- بأنوار مضيئة وشموع منيرة. ويهرع الناس في الأسبوع الأخير من رمضان إلى الأسواق لابتياع الملابس الجديدة ومختلف اللوازم المنزلية، تلبية لقوله- صلى الله عليه وسلم- - فيما رواه الحاكم عن- الحسن السنط- رضي الله عنه- قال «أمرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في العيد أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأثمن ما نجد» ومن ثم ففي صبيحة العيد ينبغي أن يخرج المسلمون

إلى المسجد أو إلى مصلى العيد في أبهى حلة وأروع زينة، فعن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده رضي الله عنهم جميعًا، أن النبي- صلى الله عليه وسلم- «كان يلبس برد حبرة في كل عيد» «رواه الشافعي وغيره». 

وبرد حبرة هو رداء من النسيج الرائع الذي برعت اليمن يومئذ في صناعته، ولا سيما وأن اليمن كانت يومئذ في عداد الدول المتقدمة ومن جهة أخرى تنطلق الألسنة- طوال أيام ذلك العيد- مرددة في كل مكان، تحية العيد، وهي عبارة «كل عام وأنتم بخير» في البلاد العربية، وعبارة «عيد مبارك» في البلاد الإسلامية الآسيوية، كما يبصر كل ذي عينين ذلك المشهد الروحاني المتجدد للملايين منهم، وهم يرددون ذلك النشيد الخالد «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد... لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون... إلخ.

ذلك النشيد الذي يتردد صداه على مدى أعوام اقتربت من الألف والأربعمائة عام تقريبًا فيملأ الدنيا رحمة ومودة. ويوحد المسلمين في الموقف والأهداف في ظلال عقيدة الإسلام أو بالأحرى في ظلال عقيدة التوحيد، وشعار التوحيد هو الركيزة الأولى لعقيدة الإسلام. ذلك الدين الذي جاء وسطًا بين وثنية جارفة ومادية طاغية، فألغى كل هذه المعبودات، ورفع شأن الإنسان الذي كرمه ربه أعظم تكريم- ولا سيما المرأة- وسجل تكريمه في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (الإسراء:70). وكذلك قرر الإسلام عقيدة التوحيد أول ما قرر من العقائد، لكي يتم توجيه ولاء الإنسان لقوة واحدة. هي القوة الخالقة القادرة التي تمتلك كل شيء، ولا يملك المخلوق معها أي شيء. وذلك اتفاقًا مع قوله تعالى ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (الأنعام:102).

المعاني السامية للعيد:

‏يجيء عيد الفطر المبارك ومعه الكثير من المعاني السامية التي من أجلها نحتفل به، لا سيما وأن الهدف الأول لتلك المعاني السامية هو توثيق صلاتنا بآثار الصيام وحكمته، وتعويد أنفسنا على التمسك بما جنيناه من آثار الصيام من بر وإحسان وعزم وإخلاص، حتى تتجلى تلك المعاني في معاملاتنا اليومية مع أقاربنا وجيراننا وأصدقائنا وبني وطننا، لكي يصبح «العيد» مظهر حيًّا لنشر المعاني الإنسانية والمشاعر الأخوية ومحاربة عادة البخل وحب الذات. ومن ثم يفرح كل فرد فقير محتاج لمساعدة أخيه الغني الموسر، عن طريق إشراكه له في أفراحه وسروره، لا سيما فيما يتمثل في زكاة الفطر. وهي زكاة واجبة عند الأئمة الأربعة: الشافعي ومالك وابن حنبل وأبي حنيفة، اتفاقًا. فقد قال ابن عباس- رضي الله عنهما: «فرض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صدقة الفطر من اللغو ومن درست طعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة- بعد صلاة العيد- فهي صدقة من الصدقات» «رواه أبو داوود وابن ماجه». 

ما تجدر الإشارة إليه أن معنى «هي صدقة» في هذا الحديث النبوي، أنها مفضولة. وبالتالي فأن تأخيرها عن صلاة العيد مكروه. ومع ذلك فمن الضروري إخراجها سواء أكان ذلك قبل أو بعد صلاة العيد، لإغناء الفقراء عن ذلك السؤال لقوله عليه الصلاة والسلام «صوم رمضان معلق بين السماء والأرض لا يرفع إلا بزكاة الفطر» وليس معنى ذلك أن الصيام يصبح غير مقبول، وإنما لا يكون قبوله كاملًا فحسب، أي لا يبلغ الكمال إلا بإخراج الزكاة. ومن الأفضل إخراج قيمتها نقدًا، لكي يتمكن الفقير من استثمارها على الوجه الذي يشبع مختلف حاجاته الاجتماعية دون حرج أو ضيق.

وبذلك يصبح العيد- أيضًا- فرصة لتأليف القلوب وتوحيد الصفوف، وإسعاد الأفراد والجماعات حتى تعم المسرة والفرحة في المجتمع كله. وهذا العيد يحتفل به المسلمون حين شمسه في خدرها، وتبعث في الكون نورها، فيزداد الإيمان في القلوب إشراقًا بإشراقها فإذا ما ذهبوا إلى المسجد الجامع وحان وقت الصلاة يندفعون واقفين حينما يسمعون داعي الصلاة للعيد قائلًا «الصلاة جامعة» وبعد الانتهاء من الصلاة يقف الخطيب مقابل الناس وهم جلوس في أماكنهم، حيث يعظهم بما تمليه ظروف مجتمعهم ومختلف شؤونهم؛ فقد قال جابر وهو من أصحاب الرسول- رضوان الله عليهم أجمعين، قال: «شهدت العيد مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئًا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته ووعظ الناس، وذكرهم، ثم أتى النساء فوعظهن وذكرهن، وقال: تصدقن، فجعلت المرأة تلقي بقرطها وخاتمها، حتى ألقى النساء بحليهن في ثوب بلال- رضي الله عنه.

يوم العيد يوم الاستجابة:

ومن نفحات ذلك اليوم الأغر أن ينادي الحق تبارك وتعالى ملائكته قائلًا: ما كراء الأجير إذا عمل عملًا؟» فيقولون: إلهنا وسيدنا، جزاؤه أن يوفى أجره، فيقول سبحانه وتعالى وقد نظر إلى جميع المصلين للعيد نظرة رحمة «سلوني يا عبادي فوعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم في جمعكم هذا لآخرتكم إلا أعطيتكم، ولا لدنياكم إلا نظرت لكم، لقد أرضيتموني فرضيت عنكم، انصرفوا مغفورا لكم» وفي هذا يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «إذا كان يوم العيد وقفت الملائكة على أبواب الطرق فنادوا: اغدوا يا معشر المسلمين إلى رب كريم يمن بالخير، ثم يثيب عليه الجزيل، لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم ، وأمرتم بصيام فصمتم وأطعتم ربكم فاقبضوا جوائزكم فإذا صلوا نادى مناد: ألا إن ربكم قد غفر لكم، فارجعوا راشدين فهو يوم الجائزة» إذ يسمى ذلك اليوم- في السماء بيوم الجائزة، بمعنى أنه اليوم الذي يستجيب الله سبحانه وتعالى فيه لكل الدعوات.

الرابط المختصر :