العنوان الشعبية والجماعية في الحركة الإسلامية
الكاتب محمد على الضناوى
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1984
مشاهدات 70
نشر في العدد 652
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 03-يناير-1984
من المحقق أن الحركات الإسلامية منذ نشأتها في الشرق المسلم كانت شوكة في أعين المبشرين والمستعمرين وتلاميذهم من أبناء البلاد.
ولقد واجهت هذه الحركات صعوبات شتى وخاضت معارك ضارية ضد أعدائها من أجانب ورسميين حكوميين وحزبيين محليين أصحاب الدعوات غير الإسلامية. ويبدو أن كل ضغط واجهته هذه المنظمات كان وفق خطة مدروسة وبناء على محور أو أكثر من محاور الهجوم الماكر على الإسلام العقيدي والحركي.
يقول الأستاذ برنارد لويس في كتابه الغرب والشرق الأوسط: «والشيء الواضح أن من بين جميع الحركات الكبرى التي هزت الشرق الأوسط في آخر قرن ونصف كانت الحركات الإسلامية وحدها أصيلة في تمثيلها لمطامح أهل هذه المنطقة، فالليبرالية والفاشية والوطنية والقومية والشيوعية والاشتراكية كلها أوربية الأصل مهما أقلمها وعدلها أتباعها في الشرق الأوسط والمنظمات الإسلامية هي الوحيدة التي تنبع من تراب المنطقة وتعبر عن مشاعر الكتل الجماهيرية المسحوقة، وبالرغم من أن كل الحركات الإسلامية قد هزمت حتى الآن غير أنها لم تقل بعد كلمتها الأخيرة»(1)
وتتميز الحركات الإسلامية -بوجه عام- بالشعبية أي تعمل في الوسط الشعبي لاختيار دعاة يمكن أن ينضووا تحت لواء العمل الجماعي ويخضعوا لتوجيه قيادي وفق نظام مدروس.
ولعل هذه الصفة -أي الجماعية- هي التي تحدد خطوة هذه الحركات في مقاومة الهجوم الماكر وبناء التجمع الإسلامي الجديد، فهي؛ أي الحركة الإسلامية، ليست أفرادًا يعملون متفرقين دون خطة أو تنظيم يبذرون البذور لا يتعهدونها بالرعاية والسقاية والتهذيب والتشذيب إنما هي تنظيم قبل كل شيء محدد الأهداف والغايات مبين الوسائل والمسالك يتحرك بخطة ومنهج ويتوقف ليدرس ما نفذ وطبق وما يجب أن يعدل في الوسيلة والطريقة فهناك إذن قيادة وقاعدة؛ أمراء وجنود، وعي ونظام.
هدف الحركة الإسلامية:
وهدف هذه الحركات، بوجه عام، إقامة مجتمع إسلامي، يطبق حكم الإسلام وتصوراته في الدين والإنسان والحياة. ومن أجل ذلك تحارب هذه الحركات كل فكرة جاهلية غير الإسلام غربية أو شرقية، قومية أو اشتراكية، ولا تدين -هذه الحركات- بالولاء إلا لمفاهيم الإسلام وفق القرآن والسنة مرددة قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (الحج:62).
وسائل الحركة الإسلامية:
وتتوسل الحركات الإسلامية في سبيل أهدافها بكل شيء شرعي أو موافق للشرع فمن الخطابة إلى التدريس إلى التعليم إلى الكتب والمطبوعات والرسائل والصحف إلى المناقشة الفردية والجماعية والمحاضرات والندوات إلى التدريب والتجميع والخدمات الاجتماعية إلخ.. والفارق الأساسي بين وسائل الحركات الإسلامية والشخصيات الإسلامية «العمل الفردي والجمعيات الخيرية» التنظيم. فوسائل الحركات تسعى لاختيار العناصر الصالحة من مجموع الناس وسلكها في تجمع عضوي حركي يخضع في النهاية لتنظيم «القيادة والقاعدة».. فهي إذن تتعهد بالنور بالسقي والرعاية حتى إذا ما أثمرت قطفت ثمارها بالانضمام إلى التنظيم الجماعي.
الأسلوب الحركي:
والملاحظة الثانية في الحركات الإسلامية الحديثة أنها فهمت الإسلام فهمًا حركيًا جيدًا أو أنها أضفت على تفهم الإسلام أسلوبًا علميًا فريدًا. ويحسن بنا ونحن في هذا الصدد أن نوضح بعض خصائص هذا الأسلوب كما جاء بها، ونبين بعض المبادئ كما هي معتمدة في تلك الحركات.
إن أسلوب الدراسة الإسلامية في الحركات الإسلامية الحديثة هو أسلوب حركي علمي واع يتجاوز الخلافات المذهبية ويحاول أن يستقي المعلومات من القرآن والسنة مباشرة فيمكن بالتالي وصفه بأنه سيلفى المنهج حركي الطابع.
ويستهدف الأسلوب «مجال التأثير عند الإنسان» لبيان أن الإسلام عقيدة، الخلاص لهذه الإنسانية المعذبة المنهوكة بآلام الجاهلية وأدران الضلال والزيغ.
المبادئ التي أظهرتها الحركة بشكل جديد:
أما المبادئ التي أظهرتها الحركات الإسلامية في دراستها ومؤلفات قادتها وأعضائها فيمكن أن نوجزها بما يلي:
أولًا: التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة وهو بحث يتعلق بالعقيدة وما يرافقها من ضلال ومعقبات «وإدراك المسلم لطبيعة التصور الإسلامي وخصائصه ومقوماته هو الذي يكفل له أن يكون عنصرًا صالحًا في بناء هذه الأمة ذات الطابع الخاص المنفرد المتميز وعنصرًا قادرًا على القيادة والإنقاذ فالتصور الاعتقادي هو أداة التوجيه الكبرى إلى جانب النظام الواقعي الذي ينبثق منه ويقوم على أساسه ويتناول النشاط الفردي كله والنشاط الجماعي كله في شتى حقول النشاط الإنساني»
ولابد «من صيانة التصور الإسلامي في قالب ذاتي مستقل» و«لابد أن تعرض العقيدة بأسلوب العقيدة إذ إن محاولة عرضها بأسلوب الفلسفة يقتلها ويطفئ إشعاعها وإيحاءها ويقصرها على جانب واحد من جوانب الكينونة الإنسانية الكثيرة» «إن العقيدة- إطلاقًا- والعقيدة الإسلامية- بوجه خاص- تخاطب الكينونة الإنسانية بأسلوبها الخاص وهو أسلوب يمتاز بالحيوية والإيقاع واللمسة المباشرة والإيحاء» فإذا ما أردنا «البحث عن خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» علينا «أن نستلهم القرآن الكريم مباشرة بعد الحياة في ظلال القرآن طويلًا- وأن نستحضر- بقدر الإمكان الجو الذي تنزلت فيه كلمات الله للبشر.. ومنهجنا في استلهام القرآن الكريم ألا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقًا لا هزات عقلية ولا مقررات شعورية من رواسب الثقافات التي لم نستقها من القرآن ذاته، نحاكم إليها نصوصه أو نستلهم معاني هذه النصوص وفق تلك المقررات» «وأننا لا نبغي بالتماس حقائق التصور الإسلامي مجرد المعرفة الثقافية ولا نبغي إنشاء فصل في المكتبة الإسلامية يضاف إلى ما عرف من قبل باسم الفلسفة الإسلامية.. إنما نحن نبتغي «الحركة» من وراء المعرفة نبتغي أن تستحيل هذه المعرفة قوة دافعية لتحقيق مدلولها في عالم الواقع، نبغي استجابة ضمير الإنسان لتحقيق غاية وجوده الإنساني كما يرسمها هذا التصور الرباني نبغي أن ترجع البشرية إلى ربها وإلى منهجها الذي أراده لها وإلى الحياة الكريمة الرفيعة التي تتفق مع الكرامة التي كتبها الله للإنسان والتي تحققت من فترات التاريخ على ضوء هذا التصور عندما استحال واقعًا في الأرض يتمثل في أمة تقود البشرية إلى الخير والصلاح والنجاة (2)
(1) الغرب والشرق الأوسط ص 179.
(2) خصائص التصور الإسلامي ومقوماته -سيد قطب مقتطفات متفرقة من الفصل الأول «كلمة في المنهج» انظر الجاهلية والإسلام للأستاذ المودودي، والعدالة الاجتماعية في الإسلام لسيد قطب، وعقيدة المسلم لمحمد الغزالي، والإنسان بين المادية والإسلام لمحمد قطب، ومبادئ الإسلام للأستاذ المودودي