العنوان منبر المجتمع الأفغان بين تأييد الرحمن وكنود الإنسان
الكاتب د. عبد الله عزام
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1982
مشاهدات 66
نشر في العدد 589
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 05-أكتوبر-1982
بدأ يقرأ القرآن وأنا أجلس مقابله ثم أطبق المصحف ونظر إلى قائلًا:
ما قرأت القرآن إلا وشعرت إنه غض طري يتنزل هذه الساعة.
قلت في نفسي: أنها بركات الجهاد وصدق الله العظيم
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٣).
إن هذا القرآن لا يفتح أسراره لفقیه قاعد بارد.
قلت له: كم تقدر. حسب تقديرك البشري - المسافة الزمنية الباقية لنصركم وإقامة دين الله فوق أرضكم لأن المجتمع الإسلامي ضروري كالماء والهواء.
فقال لي: أظن أن النصر قريب بإذن الله - ولكن لا تنسى يا أخي أننا لا نقاتل من أجل النصر، إنما نقاتل لأن الجهاد فرض.
قلت له: ألا تظن أن العالم الإسلامي قد قصر كثيرًا حيالكم.
فقال لي: إن كان البشر يغمضون أعينهم فرب العالمين لا تأخذه سنة ولا نوم وإن كان الناس يجحدون حق الإخوة عليهم فرب الناس لا ينسى.
﴿ وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (العنكبوت: ٦٠).
واستطرد قائلًا:
عندما اعتقل محمد داود شباب الحركة الإسلامية ١٩٧٣وتولى الشيوعيون من زبانية بابراك كارمل -مستشار داود آنذاك- التعذيب بوسائله الوحشية وأنت تعلم من هم الشيوعيون خلقًا وسلوكًا وقلبًا!! وكان التعذيب في وزارة الداخلية فكانوا يغلقون الشوارع التي تمر بجانب وزارة الداخلية حتى لا تفزع أصواتنا المارين في الشوارع العامة، إذ كانت أصواتنا تحت التعذيب تسمع على بعد مئات الأمتار.
كنت أقول في نفسي ونحن في تلك المحنة المزلزلة والسياط تأكل من أجسادنا:
هل في الأرض أناس يدرون عن هذه المجموعة المسلمة؟
وما كنت أعلم أن الله سيجعل قضيتنا عالمية يسمع العالم كله بها. وواصل صاحبي حديثه مسترسلًا وهو يدير في ذهنه شريطًا طويلًا من الذكريات فقال:
لقد فكرنا في بداية عملنا الإسلامي «أن نستأجر» غرفة نلتقي بها مع الشباب الذين نريد إيصالهم بالله -عز وجل- وتقوية صلتهم بهذا الدين وتربيتهم على هذه العقيدة الصافية والشريعة الغراء فاقترضنا أربعين روبية «ما يعادل دينارًا كويتيًا ودفعنا أجرة الغرفة وفي الشهر الثاني لم نجد أجرة الغرفة فاضطررنا لتركها.
وأنت ترى أن الله بارك بالمسيرة حتى أصبحت الآن شبحًا رهيبًا تجاه العالم الكافر يقض مضجعه ويؤرق أجفانه.
فقلت في نفسي: إنها المسيرة الصادقة ويأبى الله. ألا أن يتم نوره -وأنها الستارة التي جعلها رب العزة أداة لقدره. فلقد بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مسيرته في خط التغيير للعالم كله بنواة من العبيد والفقراء.
ففي صحيح البخاري عن عمار بن ياسر قال «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر»
فقد ابتدأت مسيرة الرحمة الإنسانية ببلال وزيد وعامر بن فهيرة وابي فكيهة -مول صفوان بن أمية- والشقران «ورثه رسول الله صلى الله عليه وسلم» من أبيه. وأما المرأتان فخديجة وأم أيمن أو سمية.
بهؤلاء الفقراء الضعفاء ابتدأت الحياة الحقة، وبمثل هؤلاء يحصل التغيير في كل مرة في واقع الأرض، ولذا فإن الاعتراض الأول الذي يوجهه الملأ المستكبر في كل حقبة زمنية ضد النبي المبعوث.
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ (هود: ٢٧).
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ (الأعراف: ٧٥، ٧٦).
وعندما سئل هرقل أبا سفيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل اتبعه الفقراء أم الأغنياء فقال أبو سفيان بل الفقراء فقال هرقل: «هؤلاء أتباع الأنبياء» (رواه البخاري)
وتابع صاحبي حديثه قائلًا:
في بداية تفجير الجهاد، وفي أيام تراقي كنا نرسل خمسة من المجاهدين مع كل واحد منهم بندقية شهدت الحربين العالميتين ثم تأتينا الأخبار منهم لقد غنمنا خمسمائة بندقية، سبعمائة بندقية...
إن قدر الله غالب، والله يحكم لا معقب لحكمه. وإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون.
ثم لفت انتباهي إلى آية ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: ١٠).
قال: أنا مطمئن وواثق لأن هذه الآية تحصر النصر بيد الله لأن الاستثناء جاء بعد النفي والاستثناء إذا كان بعد النفي فهو للقصر والحصر ثم تابعت الآية التي بعدها
فوجدتها.
﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ (آل عمران: ١٢٧).
ليقطع: متعلق بنصركم أي ليهلك طرفًا من الذين كفروا بالقتل والأسر.
أو يكبتهم: أي يذلهم بالهزيمة أو الأسر.
فينقلبوا خائبين: أي يرجعون خاسرين فاشلين بعد الهزيمة والخسارة.
ألا ترى أن هذه الآية كأنها تتنزل الآن لتصف المعركة بين الشعب الأفغاني الأعزل وبين قوات الحلف الأحمر في وارسو.
وكأنها تجسد خزي الشيوعيين وخيبتهم وارتكاسهم وتثبيت المؤمنين وتبث الحياة في عروقهم.
ومن خلال أمله العريض بنصر الله. يقص علي بعض الأحداث التي كان يرى يد الله من خلالها تدبر الأمر وتجري الأقدار.
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: ١٧).
قال لي:
لقد حكم على بالإعدام ونفذ الحكم على الورق وبقيت حيًا. إذ في ليلة التنفيذ، قاد جنود تراقي «۱۱۷» مجاهدًا إلى المقصلة وكنت مع أخ آخر معزولين عن المجاهدين خشية أن نؤثر عليهم ونبث روح التضحية فيهم، وقامت بين المجاهدين المقرنين بالأصفاد وبين جند تراقي معركة وقتل الأخوة وقتل الشرطة الذين يسوقونهم للإعدام وجاء الذي يوقع وثيقة التنفيذ فوجد الجميع قتلى فحمل الورقة ووقعها فبقيت حيًا حيث كان اسمي بين الشهداء.
فقلت له: لقد كنا نخشى أن تصبح أفغانستان مقاطعة دائمة من مقاطعات الاتحاد السوفياتي.
فقال لي: هو كذلك، لولا الجهاد، إذ أن روسيا دخلت أفغانستان في نصف يوم.
قال لي: عندما دخل الروس أرادوا أن يتظاهروا نفاقًا بإطلاق الحريات ففتحوا أبواب السجون وأطلقوا السجناء فخرجت وعندما نمى إلى آذانهم أني حي مطلق السراح هاجموا بيتي باثنتي عشرة دبابة وقبل أن يصلوا بيتي توقفت الدبابات فجأة وأخذت تحاول أن تتقدم إلى الأمام ولكن عبثًا حاولوا ومن خلال الصوت الهادر في محاولة التشغيل عرف أهلي ونظروا من فوق السطح فرأوا الدبابات ففروا من البيت وجاء الجند مشاة إذ أن الدبابات حبسها حابس الفيل. فلم يجدوا سوى أمي فأوقفوها حافية القدمين فوق الثلج. ولم يرعوا فيها شيخوخة ولا شيبًا ولا ضعفًا.
الحرة التي تداس يا لهولها أنينها الذي يحرك الصخور في جبالها، فيصرخ الملك يهتز في انتظار ومضة لمن ملك وأخذ أصحابه يقصون علينا بعض الكرامات التي حدثت على مرأى أو مسمع منهم.
قال لي بلال ابن عمي «جل» كان يمشي إلى الجهاد في الظلام ذات ليلة غاب قمرها ولا يكاد يبصر الطريق فإذا بنور بين يديه ينير له.
وقال لي محمد ياسر: هذا مولوي شيرين خرج من المعركة وقميصه مخرق بالرصاص دون أن يمس جسده شيء.
وهذا مجاهد في المستشفى أخرجوا رصاصة من دماغه ولم يمت.
وقال لي أمان الله أحمد: كنت قائدًا لسرية في منطقة جوزجان عددنا أربعمائة واشتبكنا مع الشيوعيين وعددهم «١٥٠٠» فقتلنا منهم حوالي ثلاثمائة وهزم الباقون وانضم إلينا قسم منهم فقالوا إن الذين صنعوا بنا الأعاجيب هم عشرة يلبسون البياض ويحملون الرشاشات.
قال أمان: ولم يكن بيننا أحد يلبس البياض وليس معنا رشاشات.
وقال لي سيد محمد: سننتصر بإذن الله لأن الجندي الشيوعي يبيع سلاحه بثلاثمائة روبية «أقل من عشرة دنانير كويتية» بينما ثمنه في السوق الحرة حوالي مائة ضعف لهذا الثمن.
وبعد أن يبيع سلاحه يسرق سلاح رفيقه أثناء نومه أو العكس يسرق سلاح رفيقه أثناء نومه ويبيعه ويحتفظ بسلاحه.
وهنا انثالت على الخواطر وقلت:
١- ألا ليت قومي يعلمون، ليت الذين يموتون شبعًا وبطنة يفطنون لشعب يموت جوعًا فليت كل أسرة في بلاد المسلمين خاصة في بلاد البترول الغنية المترفة تستضيف أسرة أفغانية يومًا في الشهر. وتضع ثمن غذاء يوم واحد في الشهر في صندوق الجهاد الأفغاني.
٢- ألا ليت قومي يقدرون جهود الحركة الإسلامية في الأرض.
أ- حفنة من أبناء الحركة الإسلامية في أفغانستان فجرت طاقة شعب كامل لتحمي أواسط آسيا وشرقها من المد الشيوعي.
ب - وحفنة من أبناء الحركة الإسلامية في سوريا فجرت الجهاد في شعب فحمت بلاد الشام بأكملها من الاستعمار الروسي.
ج - وحفنة من أبناء الحركة الإسلامية في اليمن الشمالي تقف أمام المد الشيوعي الذي يطمع أن يرفع الراية الحمراء فوق الحرمين.
د- وحفنة من أبناء الحركة الإسلامية في أرض الكنانة تقف في وجه موجة من التهويد العارمة.
٣- إذا كانت الجهات الرسمية في العالم العربي تغمض طرفها عما يجري في سوريا من عمليات الإبادة بحجة المحافظة على الصلات العربية!! فما عذرهم في تناسي الشعب الأفغاني المجاهد وتركه طعمًا لدبابات ستالين؟
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (التكاثر: ١: ٨).