العنوان العلمنة وسيلة الأقلية لضرب الأكثرية
الكاتب الشيخ محمد علي الجوزو
تاريخ النشر الأربعاء 07-يناير-1981
مشاهدات 63
نشر في العدد 510
نشر في الصفحة 26
الأربعاء 07-يناير-1981
أكثر ما يحز في النفس ألا يعي كثير من شبابنا المسلم حقيقة ما يدبر لأمته في الخفاء، فيساق إلى استخدام مصطلحات غربية، نقلت إلينا وألبسها بعضهم ثوبًا عربيًّا. وهي من العروبة براء، لأنها تعمل على ضرب الأمة العربية في صميم عقيدتها وتراثها وتاريخها..
من هذه الألفاظ والمصطلحات: العلمانية، والقومية، والماركسية، والتقدمية.. وكلها نقلت بواسطة المفكرين المسيحيين، الذين ارتبطوا بالغرب عقيدة ومنهجًا، فأخذوا في تقليد خطواته بخبث وذكاء، لكي يصلوا إلى تحقيق أغراضهم البعيدة من إضعاف الفكر الإسلامي، والتيار الإسلامي الذي تدين به الأكثرية الساحقة من أبناء هذه الأمة، وإحلال الأفكار الغربية المستوردة مكانه..
والمعروف أن «العلمنة» ظهرت في أوروبا يوم ثارت شعوبها على الكنيسة التي تحالفت مع السلطة الباغية هناك، وجعلت تقاسمها السيطرة والتسلط، وتقاسمها الثروات والأموال والممتلكات، وتبيح لها كل أسباب الفساد تحت ستار الدين، وباسم السلطة البابوية الإلهية التي تدعيها الكنيسة لنفسها..
لقد نادى الثائرون على ظاهرة الفساد والطغيان هذه بفصل الكنيسة عن الدولة، وكانت مناداتهم تحمل شعار العلمنة «لاييك».. وقد نجحت الدعوة إلى حدٍّ بعيد، وفصلت الكنيسة عن الدولة، وتحولت أوروبا تدريجيًا إلى المادية والإلحاد، ونشأت في ظل هذه الحركة كل العقائد التي تتنكر للدين كالماركسية وغيرها..
وإذا كنا نتحدث عن العلمنة وحدها في هذا المقال، فإننا نشير إليها باعتبارها الظاهرة التي تنتشر بكثرة في أوساط شبابنا المثقف الذي يحاول تطبيق العلمنة في البلاد العربية، تحت ستار فصل الدين عن الدولة..
وهذه الظاهرة تنتشر أكثر ما تنتشر اليوم في لبنان، وينادي بها كثير من الشباب المسلم للأسف الشديد، دون أن يدري الهدف من الدعوة إليها، ودون أن يعلم حقيقة هذه الدعوة وكيف وصلت إلينا، وانتشرت في لبنان وفي بعض البلاد العربية.
ومن أجل توضيح ذلك، سنبين خطأ ما يدعو إليه هذا النفر من الشباب المسلم، والأسباب المتعددة التي أوقعته في هذا الخطأ.
لا كهنوت في الإسلام:
أولًا- إذا كانت المسيحية تستند إلى نظام كهنوتي صارم يصل في أعلى قمته إلى البابوية، التي تعتبر ممثلة المسيح على الأرض، والتي تدعي لنفسها حق التشريع باسم المسيح، فتحلل وتحرم كيف تشاء، فإن الإسلام ليس دينًا كهنوتيًّا، ولا يوجد فيه ما يشبه النظام البابوي، ولا يحق لرجل من علماء الإسلام مهما بلغت درجته من العلم أن يدعي بأنه ممثل الله على الأرض، أو أن يحلل ويحرم حسب رغبته.
فالإسلام شريعة الدولة الإسلامية، والحاكم المسلم عليه أن يحكم بهذه الشريعة، دون أن يحمل صفة دينية معينة كما هي «البابوية»، وعلماء الإسلام لا يملكون نظامًا متميزًا كرجال الكهنوت المسيحي، يجعلهم سلطة قائمة بذاتها، فالمؤسسة الدينية الإسلامية في النظام الإسلامي -إذا وجدت- مؤسسة علمية، تحمل عبء الدعوة إلى الله، والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم، دون أن يكون لهذه المؤسسة سلطة الكنيسة أو شخصية الكنيسة..
كان الخليفة في الإسلام يمثل دور الحاكم والعالم، لأن الإسلام دين ودولة، ممتزجان في شخصية واحدة، والحاكم المسلم يحكم بما أنزل الله، وليس من حقه الابتداع أو الخروج على حدود الشريعة، كما يحدث في المسيحية، لأن أكثر التشريعات المسيحية تشريعات كنسية وضعها رجال الدين المسيحي من عند أنفسهم، ومن ذلك الرهبانية، والزواج من واحدة فقط، وعدم السماح بالطلاق، إذا تعذرت الحياة المستقرة بين الزوجين.. كذلك فلسفة «التثليث» وما سواها من الأمور التي تتعلق بالكنيسة.
أما الإسلام فالقرآن الكريم هو دستوره، وهو لم يتغير ولم يتبدل منذ أن أنزل على قلب محمد r إلى عصرنا هذا، ولا يجرؤ إنسان على فعل ذلك، وتغيير حرف واحد منه، لأنه كلام الله المُنزَل على نبيه r، ولا يملك عالم من علماء الإسلام، أو حاكم من حكام الإسلام أن يغير أو يبدل في كلماته أو في أحكامه.
ثانيًا: الذين نادوا بالعلمانية في بلادنا هم النصارى، وغرضهم من ذلك، كما يوضح الدكتور «شارل مالك» وزير خارجية لبنان الأسبق، وممثل لبنان في الأمم المتحدة، والمفكر المنظم للجبهة اللبنانية في «دير عوكر» حاليًا، غرضهم كما يوضح ذلك، هو أن ترتفع الأقلية المسيحية إلى مستوى الأكثرية الإسلامية، وأن تصل هذه الأقلية إلى الحكم عن طريق المطالبة بإقصاء الدين عن الدولة.. لأن دين الأكثرية في المنطقة العربية هو الإسلام.. فإذا أقصي عن الحكم أقصي المسلمون بالتالي عن الحكم، وأتيح للأقليات أن تصل إلى الحكم.
وهذا ما يحدث في بلادنا اليوم، فلبنان يحكم بقانون فرنسي، ورثه عن الاستعمار الفرنسي، وهو قانون علماني استطاع المسيحيون بواسطته أن يصلوا إلى رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش، وتولي المراكز الحساسة في أكثر وظائف الدولة، بينما أقصي المسلمون عن هذه المراكز.
وبالرغم من ذلك، يطالب المسيحيون، ويطالب معهم عدد كبير من الشباب المسلم الذي انسلخ عن عقيدته، يطالبون بعلمنة الدولة اللبنانية..
لماذا؟ لكي يخرجوا المسلمين من آخر معقل يحافظ على جزء من شخصيتهم وهو معقل «الأحوال الشخصية» الذي يحكم بواسطة قضاة مسلمين، حسب الشريعة الإسلامية..
والمطالبة بعلمنة الدولة في لبنان هي مغالطة مكشوفة، إذ إن الدستور اللبناني لا ينص على أن دين الدولة الإسلام أو المسيحية، ولكنه يعترف بوجود طوائف متعددة، وضرورة مشاركتها جميعًا في الحكم.
ولكن «العرف» كان أقوى من الدستور، إذ أوجب على اللبنانيين أن يتجاهلوا الأكثرية الإسلامية، وأن يختاروا رئيس الجمهورية وقائد الجيش وعددًا من المناصب الكبيرة من أبناء الطائفة المارونية.. التي هي أقلية من الأقليات في لبنان.. وهكذا اتخذ الحكم في لبنان شكلًا طائفيًّا.. وكانت الكنيسة المارونية هي التي تحكم في الواقع، بالرغم من أن دستور الدولة أخذ من دستور الدولة المستعمرة آنذاك، ألا وهي الدولة الفرنسية، ودستورها علماني قبل احتلالها لبنان منذ زمن بعيد.
إن النزعة «الصليبية» جعلت فرنسا تقيم دولة مارونية في لبنان، وعلى أساس طائفي، لخدمة الكنيسة الكاثوليكية، بينما تخلت هي عن حكم الكنيسة وفصلتها عن الدولة.
وهكذا أصبح لبنان يجمع بين النقيضين، بين الدستور العلماني والحكم الطائفي الذي يستند إلى الكنيسة ويعتبرها رمزًا له، فالمطالبة بالعلمنة من جديد هو إحراج للمسلمين، فإذا قبلوا بها حكموا بقانون علماني في الزواج والطلاق والمواريث، وأصبح من حق المسلمة أن تتزوج بغير المسلم، وإذا رفض المسلمون ذلك، ضنًا بما بقي لهم من حق الرجوع إلى شريعتهم في قضايا الأحوال الشخصية، كان ذلك الرفض خدمة للمسيحين الذين يطالبون بالعلمنة ولا يريدونها حقيقة في لبنان حتى يظل الحكم في أيديهم بحجة رفض المسلمين للعلمنة.
ثالثًا: هناك تيار كبير يجتاح عقول الشباب، وهو أن الإسلام تسبب في تأخر العالم الإسلامي، ويضربون المثل على ذلك ما حدث في أواخر عهد الخلافة العثمانية، وهذا التيار يقف وراءه المفكرون المسيحيون، وعدد من المتأثرين بالثقافة الغربية ومدارس التبشير والاستشراق، ولذلك فإن دعوة العلمنة تتعدى حدود لبنان إلى كثير من الدول العربية الأخرى، خاصة في ظل العقائد المستوردة، وفي ظل الأحزاب المادية التي يتزعمها في الغالب رجال ينتمون إلى الطائفة المسيحية، إذ إن نظرة واحدة إلى هذه الأحزاب تؤكد أن جميع منشئيها ومؤسسيها هم من أبناء هذه الطائفة.. وهذا يكشف سر تلك الدعوة الخبيثة التي تتردد أصداؤها في العالم العربي، وتتجه إلى محاربة الإسلام عقيدة وتراثًا وتاريخًا.
رابعًا- لو سلمنا جدلًا بأن من حق الأقليات المسيحية أن تشارك في الحكم، فلماذا لا يتاح ذلك للأقليات الإسلامية في العالم الغربي، وهناك مجموعات كبيرة منها في مختلف بلدان أوروبا، ولا يسمح لها بممارسة أبسط حقوق المواطنة.
إن الجالية العربية الإسلامية في فرنسا كبيرة جدًا، تبلغ مليونين، والذين يحملون الجنسية الفرنسية من المسلمين يأتون في الدرجة الثانية بعد الكاثوليك، ولم نسمع أبدًا أن فرنسا مثلًا حرصت على أن يكون لهؤلاء نائب أو نائبان في البرلمان الفرنسي، وهي.. فرنسا «أُم الحريات» التي حرصت على أن يكون للمسيحيين في لبنان «وهم أقلية» دولة خاصة بهم.
إن الذين يطالبون المسلمين بأن يتيحوا للأقليات في بلدهم فرصة التساوي مع المسلمين والوصول إلى الحكم، نقول لهم: عليكم أن تطالبوا البلاد المسيحية الغربية والشرقية منها بأن تعامل المسلمين بالمثل، فالديمقراطية التي يتغنى بها الغربيون يجب أن تطبق في الغرب قبل أن تطبق في بلادنا، ونحن لا نرى أثرًا لهذه الديمقراطية بالنسبة للمسلمين هناك.
العلمنة إذًا دعوة مكشوفة تريد الأقليات المسيحية أن تصل من ورائها إلى ضرب عقيدة الأكثرية، لإضعاف وجود هذه الأكثرية، وليس كما يظن بعض السذج من شبابنا المسلم، إنها دعوة تحررية تريد تخليص المجتمع العربي من الطائفية.
إن هذه الدعوة من أخطر ما توصل إليه عقل الأقلية في بلاد العرب، والدوافع إليها دوافع حقد وكراهية ونقمة على الإسلام والمسلمين.. فمتى يعي شبابنا ذلك؟