العنوان اللقاء بين طاغوت الأمس وطاغوت اليوم على إبادة الحركات الإسلامية
الكاتب الشيخ أحمد القطان
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1980
مشاهدات 91
نشر في العدد 487
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 01-يوليو-1980
الطاغوت الجديد
لما عجزت اليهودية العالمية والصليبية العالمية ومؤتمرات التبشير من القضاء على الإسلام في قلوب المسلمين، وأخفقت أيضًا في استخدام أسلوب التدخل العسكري السافر، لجأت إلى حيلة ماكرة وهي إيجاد أنظمة تحمل شعار المسلمين وتكتب في دساتيرها أن دين الدولة الإسلام عند هذه الأنظمة مناسبات واحتفالات وتراث يوضع في المتاحف، وفولكلور يعرض على المسارح؛ أما أن يكون نظام حياة يغطي جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والأخلاقية والتعليمية، فهذا مرفوض، وكل من يحاول أن يفهم الإسلام بهذا المفهوم الصحيح، أو ينادي به، أو يعمل لإعادة سلطان الله المغتصب في الأرض، فإن أعواد المشانق في انتظاره، ولقد حققت هذه الأنظمة ما لم يحققه اليهود والنصارى والشيوعيون عبر ثلاثة قرون.
إن هذا الطاغوت لا يطيق العيش بجانب الحركات الإسلامية الصحيحة، بل تراه يفرض عليها المعركة فرضًا حتى يجهض الحركة ويقضي عليها في مهدها؛ مع أن الدعوة لا تريد من الطاغوت إلا أن يعطيها فرصة التنفس كما يعطي غيرها، ويترك الحل للزمن: ﴿وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (الأعراف: 87)، ولكن الطاغوت لا يطيق الصبر: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ﴾ (الأعراف: 88) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ (إبراهيم: 13).
فرق تسد
إن السيطرة على هذا الأسلوب الماكر الذي يستخدمه الطاغوت في تنفيذ خطة طغيانه في السيطرة على الجماهير لم يكن وليد هذا العصر، ولم يكن الإنجليز أول من نادى به، فالقرآن يخبر أن المخترع لهذا الأسلوب هو فرعون مصر: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ (القصص: 4) أي: فرقًا وأحزابًا وجماعات، ويظل يوازن بينهم حتى لا يقوى حزب على حزب، ولا جماعة على أخرى، ثم يمسك العصا من الوسط ويلعب لعبته؛ لأنه يعلم لو انفرد حزب في الساحة لالتفت للإطاحة بالطاغوت.
ثم إنه لا يخشى كثيرًا كل الأحزاب الأرضية؛ لأنه يعلم كيف يتعامل معها ويشتري ضمائرها، فالأحزاب الأرضية أهدافها وغاياتها مادية حقيرة، ولكن هناك طائفة واحدة يحذر منها الطاغوت أشد الحذر، وهي الطائفة المؤمنة؛ فهي عنيدة لا تلين، فغايتها وأهدافها متصلة بالسماء لا بالأرض، لهذا لا يجد الطاغوت معها إلا أسلوب الاستضعاف والقهر والاستبداد: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ﴾ (القصص: 4). ويظل الطاغوت يصدع الأمة لتتم له السيطرة عليها، ولم يعلم أن هلاكه كامن في ذاته.
تنفيذ الخطة
يحرص على افتعال الأحداث، ثم اتهام الصف المسلم بها تمهيدًا للقضاء عليه: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ ۗ﴾ (الأعراف: 131). وهكذا ينسب كل خير إلى نظام الحكم، ويلصق كل شر إلى الصف المسلم.
ولكي يكسب صفوف الجماهير معه تراه يضرب على وتر الوطنية؛ ليحرك عواطف الناس ضد الصف المسلم المتهم بخيانته للأرض والوطن: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾ (طه: 57). وبعد هذا التصريح مباشرة تسمع صداه في جميع أجهزة الدولة، وخاصة أجهزة الإعلام التي يطلق لها العنان بحرية، فإذا بالتهم تلصق بالدعاة أنهم مفسدون ورجعيون وعملاء ومخربون وإرهابيون: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ﴾ (الأعراف: 127). وإذا حدث أن تيقظت الجماهير إلى الحق قليلًا صرخت هتافة التهريج: ﴿قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ﴾ (طه: 63).
إحكام الخطة
ولكي تحكم الخطة يرفع الطاغوت بعض الشعارات الإسلامية، ويتبناها لكي يظهر أمام الجماهير أنه هو المحامي عن مبادئ العدالة والشورى، وأنه ليس ديكتاتوريًّا كما يزعم الرجعيون: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ ۖ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (الشعراء: 109، 110) وهكذا يرفع شعار الشورى بقوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ولكنه شعار أجوف يرفعه الطاغوت لمصلحته هو، ثم ينسفه عن قريب، ولا مانع لديه أن يظهر أمام الجماهير بمظهر الحريص على دينهم وعاداتهم وتقاليدهم.. وها هو فرعون يخاف على دين شعبه المخلص: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: 26). وأعجب من هذا أنه إله ويخاف!
تزييت العضلات
﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الزخرف: 51) فكانت النتيجة أن تأثرت الجماهير من أشباه البشر؛ وذلك لوجود قابلية التأثر في نفوسهم المتعفنة، فكانت النتيجة: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الزخرف: 54) وتورطوا معه في الجريمة: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ﴾ (طه: 79).
التصفية
ويعجز الطاغوت بكل ما أوتي من قوة أن ينفذ إلى قلب مؤمن عرف الله، وليس للطاغوت إلا الأجسام؛ أما القلوب فإن فيها حب الله وحلاوة الإيمان التي دائمًا تطغى على مرارة العذاب.
ويحرص الطاغوت على تصفية الطلائع الأولى من الصف المسلم؛ وذلك ليرهب الناس عن الدخول في الدعوة: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ، قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (طه: 71، 72).
الإبادة والذل
إن الرعب الذي ملك قلب الطاغوت ليجعله يخاف أشد الخوف، لا من الرجال والكبار في الصف المسلم؛ ولكن من الأطفال الصغار النائمين في المهود، فتراه يقضي على الذكور منهم لتضعف الطائفة المؤمنة، وليظل النساء بلا رجال، مما يعرضهن في المستقبل أن يهدرن كرامتهن وشرفهن، وذلك بدافع الحاجة الماسة إلى لقمة العيش، لهذا يجب على الجماعات الإسلامية أن تحيي بين صفوفها جو التكافل الإسلامي لتضمن العيش الكريم لأبناء وأهل الشهيد منهم: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ (الأعراف: 127) ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ۚ﴾ (غافر: 25).
تصفية القيادات
ولكي تبقى الجماعة المسلمة بلا رأس يحرص نظام الطاغوت على اغتيال القيادات المسلمة: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ﴾ (غافر: 26). وهذا الأسلوب من أجبن الأساليب التي يستخدمها الطاغوت، فالتآمر والتخطيط لقتل رجل أعزل يدل على فراغ الطاغوت من كل حجة وبرهان:﴿يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (القصص: 20). ومن هنا وجب على القيادة المسلمة أن تضع للأجيال القادمة منهج الحركة والدعوة، وإلا ستموت الدعوة بموتهم.
خط الرجعة
يضع الطاغوت لنفسه أمام كل موقف خطًا للرجعة فتراه يمتاز بسرعة البديهة في التراجع السريع واللف والدوران أمام جماهير الأمة وخاصة في المواقف المحرجة: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 123)، وتراه في هذه الآية يحاول إشراك الجماهير معه بقوله: ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ (الأعراف: 123)، وكان موقف السحرة الإيماني كفيلًا بأن يعيد الأمة إلى رشدها، ولكن لم يعط هذا الطاغوت بمكره وخبثه لهذه الأمة فرصة العودة إلى الله.
المماطلة
يحرص دائمًا أمام المطالب الشعبية ومطالب الصف المسلم التي تحصره في زاوية حرجة أن يميتها بأسلوب المماطلة والتمييع حتى تموت مع الزمن: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (القصص: 38). وطبعًا كالعادة لن يتم مشروع بناء الصرح، وسيظل مجرد خيال وحلم يخدر به الشعب الغافل وتضيع القضية.
الاستبداد
﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: 38).
إن احتكار القرار السياسي وجعل الجماهير مجرد قطيع يؤمر فيطيع، هو من أبرز صفات الطاغوت، ولكن الجماهير التي تعيش الكبت والاغتراب السياسي لا بد لها أن تنفجر ذات يوم فتحطم كل شيء حولها، لم يقل فرعون لشعبه: هل تعلمون لكم من إله غيري؛ بل هو الذي يعلم دائمًا وهو الذي يقرر: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: 29). إذًا أين ذهب شعار الشورى الذي أعلنه منذ قليل في قوله: «فماذا تأمرون؟!» إنه ذهب أدراج الرياح.
الانفصام الشخصي
وتظل هتافة التهريج تنفخ في الطاغوت وتعطيه أكبر من حجمه الحقير حتى يرى القبيح جميلًا والضلال هدى، فيصاب بعقدة الانفصام الشخصي والخداع النفسي لدرجة أنه يصدق بأنه إله، وأنه يستطيع أن يلمس السماء بيديه ويفتح منها نافذة ليدخل رأسه منها، ويرى هل هناك إله في الوجود غيره: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ﴾ (غافر: 36، 37). إذًا زين له السوء وصد عن السبيل، فصار أضحوكة للجماهير التي تعلم في قرارة نفسها أن هذا المخلوق القزم لا يستطيع أن ينال السماء بيديه الملوثة.
البلاء والغلاء
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 130)، وهكذا يكون الحاكم المستبد سببًا في نزع البركة من حياة أمته وشعبه حتى يعم الغلاء والبلاء في كل شيء، فتنقرض مظاهر الحضارة والازدهار بسببه: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (الأعراف: 137).
لهذا يجب على فئات الشعب أن تحذر أشد الحذر من أن تضع يدها مع الطاغوت، وإلا فسيكون مصيرها معه، وستعلم في النهاية أن الوعود المعسولة والأماني المزخرفة ما هي إلا سراب خادع وغرور، فهؤلاء السحرة المساكين كانوا قبل المباراة مبعدين محتقرين، فقراء مبعدين: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ، قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (الأعراف: 113، 114).
«نعم يقولها بملء فمه، ولا مانع لديه أن يشكل وزارة للسحر ما دام محتاجًا إليهم، ويوم أن تنقضي الحاجة فمصيرهم كمصير الشعب ينظر من بعيد إلى ثروات بلاده، وهي تصب دائمًا في جيوب العائلة الفرعونية، والويل كل الويل لمن يرفع شعار المعارضة، أو يحجب الثقة عن الحكومة، فإن له الصلب في جذوع النخل».
الطاغوت تذله امرأة
مهما علا الحاكم وتجبر فإن الله يجعل ذلته ومهانته على يد أقرب الناس إليه، وغالبًا ما تكون امرأة أو سكرتيرة، لهذا نرى اليهود يحرصون على توظيف السكرتيرات الحسناوات عند الشخصيات البارزة في الدولة؛ وذلك لكشف أسرار الدولة، وكم سمعنا من الفضائح العالمية التي أطاحت بقادة كبار بسبب علاقة آثمة مع سكرتيرة ساقطة؛ لأنه لم يبح بأسرار دولته، فإنه سيحرم من الابتسامة الساحرة عند كل لقاء.
إن قرارات فرعون الظالمة التي ينفذها نظام حكمه في تذبيح الأطفال نسفتها امرأة فرعون بكلمة واحدة، لم يستطع الطاغوت ولا نظام حكمه أن يعترض مجرد الاعتراض على قرار امرأة: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ﴾ (القصص: 9).
أجل لا تقتلوه، فمن يجرؤ بعد ذلك يقول: يا سيدتي إن قرارك هذا ضد القانون، وضد رغبة السلطان، وضد موافقة مجلس الشورى؟! مع احتمال كبير أن يكون هذا الطفل هو الرجل المنتظر الذي سيجهز على المملكة؛ ومع هذا خرست جميع أجهزة الإعلام أمام قرار امرأة، هذه طبيعة القانون الوضعي، ينشل أمام مخالفات السادة الكبار، وإن كانت المخالفة تهدد أمن الدولة وكيانها!
الانقلاب
إن الأمل في هداية الطاغوت ضعيف جدًّا: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: 132) «مهما تأتنا» إذًا من العبث الاستمرار في دعوته بعد أن يحدد الطاغوت موقفه من دعوة الحق، ومن العبث أيضًا أن يتربى الدعاة على مبدأ اللين والمرونة مع الطاغوت، ومن الظلم أن يقال للداعية المسلم: رفقًا أيها الداعية بالحاكم، إنه لن يكون أشر من فرعون، ولن تكون أفضل من موسى وأخيه، وقد قال الله لهما: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ (طه: 44). إن هذا الأسلوب لكفيل أن يربي الدعاة على الذلة والخنوع والمسكنة.
إن الله كان يعلم أن فرعون لن يؤمن ولن يستجيب، فأراد أن يقيم عليه الحجة في الدنيا والآخرة، فأوصى نبيه بذلك، وإلا فاستمع إلى موسى في سورة القصص وهو يخاطب فرعون منطلقًا من مظلة الاستعلاء الإيماني فيقول: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (القصص: 37) يا له من رد حازم قوي في طياته تهديد بالانقلاب على نظام الحكم في قوله: ﴿مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ۗ﴾ (الأنعام: 135). أما دوافع الانقلاب فهو وجود الظلم والظالمين: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (يوسف: 23).
إن منطق الاستعلاء الإيماني يوجب على الدعاة أن يمارسوه الآن لكي يعلم الطواغيت أن الصف المسلم لا يراهن على حساب الحق، ونفذت خطة الانقلاب العجيبة التي خطها الله ونفذها موسى عليه السلام: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ، وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ۖ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ (الدخان: 23، 24).
المنهج طريق النجاة
﴿بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ (القصص: 35) فأهل الإيمان ملتزمون بمنهج الله أنى وجد التزامًا وانتظامًا، وبفضل ذلك يجمعون بين مقومات الداعية وهي الالتزام بانتظام الطاعة والصبر والسماحة والعطاء المادي والاستعلاء الإيماني.
القاعدة الصلبة
﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ (يونس: 83). إن الخير كل الخير في احتضان هذه الذرية الصالحة من الشبيبة المؤمنة التي لم تتلوث فطرتها بوحل الأرض وجوانب الأرض، فما نهض بالدعوة الأولى إلا ذرية عتاولة قريش وأبناؤهم، وأن الأسلوب التربوي في توحيد الوجهة التي تدفع إلى توحيد التصور والفكر وتوحيد الخطة والعمل لكفيل بأن يزلزل عروش الطواغيت لتتناثر من حولها تلك المسامير الصدئة التي كانت تحميه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 87).
نعم.. بشر المؤمنين بالنصر القريب، فمهما طال ليل الظالمين فلا بد أن ينفجر الفجر وتشرق شمس الإسلام، لتستمد منها جميع الكائنات حرارة الحياة، ولتزحف أشعتها إلى سراديب العفن وليل الخفافيش لتطهرها، ولتجفف من على وجه الأرض مستنقعات الإثم والرذيلة: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ﴾ (الروم: 4- 5).