العنوان مناقشة شرعية لرأي القرضاوي بشأن: تمثيل المرأة
الكاتب سعيد بن ناصر الغامدي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
مشاهدات 94
نشر في العدد 1321
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
- السؤال الذي يوجه للشيخ القرضاوي: ما حدود فقه التيسير وما ضوابطه.. بل وماهيته.
- لو أردنا أن نصنف مقتضيات العصر لأصبح الرقص والعزف في الفرق الموسيقية جائزًا بشروط!
- بماذا يرد القرضاوي على ما قاله حسن البنا ومصطفى السباعي والمودودي عن المرأة؟
نشرت مجلة المجتمع في عددها ۱۳۱۹ في9/6/ ١٤١٩هـ نبذًا من محاضرة الدكتور يوسف القرضاوي التي بعنوان رؤية فقهية حول الواقع الإعلامي.
وأهم قضية طرحت في هذه المحاضرة هي ما عنونت به مجلة المحتوي على غلافها: القرضاوي: يجوز أن تمثل المرأة وهذه هي الشروط.
وهذا الطرح الذي طرحه الشيخ القرضاوي يستوجب الوقوف الشرعي أمام جملة من الأمور:
أولًا: انطلق الشيخ القرضاوي في إجازة التمثيل للنساء من منطلق أنه لا بد من مواجهة مشكلات العصر بفقه جديد وفهم جديد للتكيف مع تطورات العصر في ضوء ضوابط الشرع، وهذه الذرائع والحجج لا تليق بالشيخ لا في علمه ولا في مكانته ولا في زمانه، أما في علمه فإن الشيخ ممن عرف بالفقه في الدين والممارسة لعلومه وشؤونه ويكفيه في هذا المقام شهادة كتابه «فقه الزكاة».
ومن الأمور غير المتوافقة أن نجد الشيخ صاحب العلم الشرعي والاطلاع على الكتاب والسنة وأقوال السلف واجتهادات العلماء ينادي بما ينادي به أصحاب الثقافات الفكرية والاطلاعات الثقافية العامة، غير المتخصصة في علوم الشريعة وأخشى أن يقال إن الشيخ القرضاوي بمجالسته لهؤلاء لم يستطع أن يرتفع بهم إلى مستوى العلوم الشرعية الدقيقة والمتخصصة، فانحدر معهم إلى مستوى الطرح المنادي بالتكيف مع العصر، حتى لو جاء هذا التكيف في هيئة امرأة مسلمة تخرج من دارها وتتعلم في معاهد التمثيل ألوانًا مما تضج به هذه المعاهد من فساد وانحراف، ثم تتخرج لتكون ممثلة إسلامية بشروط وهذا الطرح لا يليق بمكانة الشيخ فهو ذو كلمة مسموعة في كثير من بلدان المسلمين، وزلة العالم زلة العالم.
والشيخ قبل غيره يعلم كم من الفتاوى أفسدت وجرت على المسلمين أنواع البلاء، وإن كنا نوقن كما يوقن الشيخ يوسف، بأن هذا الدين محفوظ كما أخبر النبي الله في قوله: «يرث هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» حديث حسن.
وهذا الطرح لا يليق بهذا الزمان زمان الصحوة العلمية والعملية، فقد انقضت حقبة الذين كانوا ينادون بتكييف الدين مع العصر، ويفسرون الأبابيل بالجراثيم والدجال بالحضارة الغربية المادية العوراء، وأمثال ذلك من التأويلات الفاسدة المنهزمة التي كانت تنطلق من مبدأ تكييف الدين مع العصر.
انتهت هذه الفترة، وجاءت صحوة مباركة قوامها الكتاب والسنة، ومنهج السلف في التلقي والفهم والحكم، صحوة تتلقى من الإسلام وحده كل مقتضياتها ومعاييرها وأحكامها، وتلقي خلف ظهرها ما صنعته جاهلية القرن العشرين، وما بعده من قوانين وأحكام وأفهام ومقتضيات تخالف ذلك المنهج القويم.
وبدلًا من أن يكون الشيخ يوسف في قمة المدافعين عن حمى هذه الشريعة وأحكامها نراه ينزلق في فتاوى حججها «التكيف» و«مقتضيات العصر» و«فقه التيسير».
ثانيًا: ينادي الشيخ يوسف بلون جديد من الفقه أطلق عليه الأوصاف التالية:
«الفقه المعاصر الفقه المعتدل الفقه المرن الفقه الجديد، فقه التيسير» ولا ريب أن العصر في حاجة إلى فقه يقضي في النوازل، وفق ما شرع الله، ولا ريب أن الأمة في حاجة إلى من يفتيها في كثير من قضاياها الحادثة في هذا العصر، كما كانت في كل عصر فالنوازل التي كانت في العهد الراشدي، غير تلك التي كانت في العهد الأموي، ثم العباسي، وهكذا، إلى زماننا هذا.
وقد تصدى فقهاء الإسلام لهذه النوازل واجتهدوا فيها، ضمن إطار منهج التلقي والفهم والحكم الصحيح المتلقى عن رسول الله وأصحابه والتابعين، ولم نجد أحدًا منهم نادى بفقه معتدل أو مرن أو جديد، وحتى الفقهاء الذين أفتوا الصالح دول أو سلاطين أو أحوال معينة، لم نجد في كلامهم قضية «فقه التيسير»، التي انطلق منها الشيخ يوسف في إجازته للمرأة أن تمثل.
إن الشيخ يوسف يتقارب في هذا الطرح مع أصحاب ما يسمى بالإسلام المستنير، الذين انطلقوا تحت ضغط الواقع من منطلقات عقلانية تستدبر النص الشرعي والضابط الفقهي.
ألا يمكن تحت شعار الفقه المعتدل والمرن وفقه التيسير، أن يقال إن فتاوى د. سيد طنطاوي في إباحة الربا، أوفق من فتاوى المانعين ومنهم الشيخ القرضاوي؟ وأن يقول المبيحون إن علينا مواجهة مشكلات العصر بفقه جديد، وفهم جديد للتكيف مع تطورات العصر، ويقولون: الحل ليس بفقه المنع الذي لا يحل مشكلة رغم سهولته.
إن ما قاله الشيخ في ندوته، يمكن أن يحتج به كل ذي هوى في تسويغ هواه، ويرفعه عنوانًا صارخًا، في مقابل كل من يريد للأمة أن تحيا وفق شرع الله على منهاج السلف الصالح.
والسؤال الذي يوجه إلى فضيلة الشيخ يوسف ما حدود فقه التيسير هذا، وما ضوابطه وما منهجيته، بل وما ماهيته؟
ولا يكفي أن يقال: «في ضوء ضوابط الشرع ... فإن هذا الضابط العام من الإطلاقات العامة، التي تحتاج تخصيصًا وتفصيلًا، وبخاصة في هذه القضية المهمة، وهذا الضابط يعود على قضية جواز تمثيل المرأة التي طرحها الشيخ بالنقض، فإن المتأمل في ضوابط الشريعة يجدها تدل على وجوب صيانة المرأة وحفظها، وإيجاب حشمتها وسترها.
فهل يعتبر الشيخ يوسف أن هذه الضوابط من صنف فقه المنع، ويعتبر تجاوزها من أجل التكيف مع العصر من لوازم فقه المرونة والتيسير.
وسؤال آخر يوجه إلى الشيخ يوسف أين تضع فقه الأئمة الأربعة والظاهرية والليث بن سعد والأوزاعي والطبري وغيرهم من فقهاء المسلمين؟ هل تضعه في كفة الفقه المرن، أم في كفة الفقه اليابس القاسي؟ وهل هؤلاء الأعلام الذين تدل فتاواهم دلالة عامة على وجوب حفظ المرأة وسترها واحتشامها، وحرمة تبرجها، واختلاطها بالرجال هل يعدهم الشيخ من فقهاء فقه التيسير، أم يعدهم من فقهاء فقه التعسير؟
ثالثًا: يقول الشيخ يوسف إن اشتراك المرأة في التمثيل أمر ضروري لا بد منه.
وهذا قول لو جرى من قلم غير شرعي لما كان للوقوف معه كبير طائل، أما وقد فاه به الشيخ، فإنه لا بد من سؤاله عن أي ضرورة يتحدث الضرورة الشرعية أم العقلية؟
ولا شك في أن الشيخ يريد الضرورة الشرعية لأنه يتكلم باعتباره مفتيًا لا باعتباره فيلسوفًا، أو منطقيًا، أو متكلمًا.
وإذا كان هذا مراد الشيخ بالضرورة، فلا شك في أنه قد جانب الصواب، إذ لا يمكن لطالب علم مبتدئ أن يعتبر تمثيل المرأة من باب الحاجيات أو التحسينيات، فضلًا عن شيخ يعرف أن الضروريات هي التي لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران الموافقات 2/8.
وإذا نظرنا إلى تمثيل المرأة، بهذا المعيار وجدنا أنه ليس من باب الضروريات قطعًا، بل لو قيل إنه يعارض هذه الضروريات لكان أولى، إذ المصالح الضرورية هي التي تكون الأمة بمجموعها وأحادها في ضرورة إلى تحصيلها، بحيث لا يستقيم النظام بإخلالها، بحيث إذا انحرمت تؤول حال الأمة إلى فساد وتلاش، فأين هذا كله من تمثيل المرأة؟ وهو الذي ينطوي على مفاسد عديدة وشرور كثيرة توجب على العالم والمفتي والداعية وطالب العلم أن يجزم بمنع ذلك، لفساده في ذاته ولما يؤدي إليه من فساد في الدين والأخلاق.
رابعًا: جعل الشيخ القرضاوي التمثيل من مقتضيات العصر، وهذا ينسجم مع قوله بضرورة التمثيل للمرأة، ويقال فيه ما قيل في الضرورات أنفًا.
بيد أنه يجب التنبيه إلى الفرق العظيم بين مقتضيات العصر وأهواء العصر، وهذا الفرق لا يدركه من أراد التكيف مع العصر ولا من انكفأ عنه، كما لا يدركه من راعى خواطر المعاصرين من العامة وأشباههم من الملقبين بأصحاب الاتجاه المستنير، ولا يدركه من انعزل عن الواقع وعاش في غير زمانه، إنما يعرف الفرق بين مقتضيات العصر وأهواء العصر من فقه في دين الله، وعرف أحوال زمانه، فقضى بحكم الله في هذه الأحوال، بعيدًا عن التكيف والمرونة الذائبة، والانكفاء اليابس وهذا حال الراسخين في العلم الذين لا يتبعون المتشابه، لأن في محكمات النصوص من الحق الأبلج ما يشفي ويكفي.
ولو أردنا على هذا المعيار الذي وضعه الشيخ القرضاوي أن نصنف مقتضيات العصر، لأصبح الرقص بشروط طبعًا من مقتضيات العصر ولأصبح حضور المرأة في فرقة موسيقية تعزف على أجهزة الموسيقى وبشروط من مقتضيات العصر!!.
خامسًا: محور كلام الشيخ هو إجازة تمثيل المرأة بشروط، والناظر في أدلة الشريعة ومقاصدها يجد أن قول الشيخ يخالفها، وإن كان الشيخ في قوله هذا ينسجم مع فتواه وفتوى غيره القائلة إن الحجاب الشرعي للمرأة لا يشتمل على تغطية الوجه والكفين، فاستصحب الشيخ يوسف هذه الفتوى وفرع عليها جواز التمثيل للمرأة بشروط وهذا استصحاب باطل في أصله وفرعه، فأما بطلان أصله، فإن القول الراجح الذي عليه الدليل الصريح هو وجوب تغطية المرأة لوجهها، أما القول الثاني: وهو المرجوح - عند كثير من أهل العلم - فإن من قال به لا يرى منع المرأة من تغطية وجهها، بل يوجب ذلك إذا خشيت الفتنة، والشيخ يوسف في قوله هذا تجاوز كل هذه الضوابط والأمور، وأتي بما لم يأت به أحد حتى من القائلين بجواز كشف المرأة لوجهها.
ومادام الشيخ قد أجاز تمثيل المرأة مستصحبًا جواز كشف وجهها، فهل يجيز الشيخ للمرأة أن تغني أو تشارك في المجموعات الموسيقية، أو تؤدي أدوارًا على المسرح استصحابًا لتلك الفتوى أيضًا؟ وهل يمنع الشيخ أحدًا من الذين يأخذون فتواه هذه ويستصحبونها في مجالات أخرى وضمن الضوابط الشرعية، والشروط المعينة، فيقول قائل بجواز عملها قبطانًا للطائرة أو السفينة، أو جواز عملها عارضة أزياء - بشروط إسلامية - مثل تلك الشروط التي وضعها الشيخ القرضاوي؟
وما محصلة كل هذا؟ سيصبح لدينا ممثلات وراقصات وعارضات أزياء ومغنيات على الطريقة الإسلامية، فيا للعجب!!
أما بطلان الفرع فيتبين من خلال النظر في نصوص الوحي المعصوم ومن خلال مقاصد الشريعة الغراء، فمن نصوص الوحي قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلمُؤمِنَٰتِ يَغضُضنَ مِنۡ أَبصَٰرِهِنَّ وَيَحفَظنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنهَا وَليَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِن﴾ (سورة النور: 30-31).
فهل يعقل أن يأمر الإسلام بغض البصر عن الرؤية المحرمة ويجيز في الوقت نفسه أن تخرج المرأة في دور تمثيلي في المسرح أو أمام المشاهدين؟!
ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلمُؤمِنِينَ يُدنِينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِن ذَٰلِكَ أَدنَىٰٓ أَن يُعرَفنَ فَلَا يُؤذَين وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورا رَّحِيما﴾ (سورة الأحزاب: 59).
فهل يصح في العقل والنظر أن يأمر الله المرأة بأن تدني عليها من جلبابها لئلا تعرف ثم يجيز في الوقت نفسه أن تظهر على شاشة التلفاز والقنوات ممثلة أو مذيعة؟
وفي صحيح مسلم، ومسند أحمد وغيرهما عن جرير - رضي الله عنه - قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري.
فإذا كانت هذه فتوى رسول الله في نظرة الفجأة، وهو مما قد تعم به البلوى في بعض الأحيان، فهل يعقل أن تجيز شريعته المتكاملة البريئة من النقص والتناقض، أن تخرج المرأة عارضة نفسها في التمثيل أمام كل من يراها؟
وفي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي أنه قال: «العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام.....» الحديث، فأي شيء يكون زنى العينين سوى تسريح النظر في محاسن النساء الأجنبيات، والتمتع بالنظر إليهن؟
والذي يحدث بتمثيل المرأة أن تظهر بوجهها وجسمها والأعين تنظر إليها، وتتكلم ممثلة دورًا ما والآذان تسمع.
وفي جامع الترمذي وأبي داود والحاكم وصحيح ابن حبان وغيرهم أن رسول الله الله قال لعلي - رضي الله عنه: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة» حديث صحيح، وهذا الحديث وحده كاف في حسم هذه القضية، فهو نص في محل النزاع، ويمكن أن يستنبط منه بكل سهولة أنه لا يجوز إتباع النظرة الأولى التي هي نظرة الفجأة نظرة ثانية مقصودة متعمدة، وهذا ما سوف يحدث حتمًا بظهور المرأة مذيعة أو ممثلة.
ومن الأدلة حديث محمد بن سلمة - رضي الله عنه - في ابن ماجة بسند صحيح وعند الحاكم وفي صحيح ابن حبان قال: «خطبت امرأة فجعلت أتخبأ لها حتى نظرت إليها في نخل لها، فقيل أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله فقال: سمعت رسول الله الله يقول: إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها» ومفهوم هذا الحديث أنه لا يجوز للرجل النظر إلى المرأة الأجنبية عنه لغير وجه شرعي، كالخطبة ونحوها. أما أن تصبح المرأة سلعة تعرض على الشاشات والقنوات ممثلة ومذيعة، فهذا مما يناقض هذه النصوص الشرعية جميعًا وغيرها.
ولو أن النظر إلى المرأة جائز لما أنكر الصحابة على محمد بن سلمة نظره إلى هذه المرأة، وفي بعض روايات هذا الحديث أن محمد بن سلمة كان ينظر إليها من فوق سطح بيت أي من مكان ظاهر مكشوف، ليس في مظنة خلوة أو تجسس، وإنكار الصحابة على محمد بن سلمة، واعتذاره بأنه يريد خطبتها، دليل على أنه كان من المستقر عندهم، أن النظر إلى المرأة الأجنبية لا يجوز، فكيف يقال بجواز ظهور المرأة في الأفلام والمشاهد أمام أعين الناظرين؟
وإني أعيذ الشيخ يوسف أن يقول إن الصحابة كانوا من أصحاب فقه التعسير، أو الشدة، أو القساوة، أو الفقه البدوي، وأعيذه أن يقول ما قاله قاسم أمين: إن الحجاب بهذا الشكل الذي كان عند الصحابة، إنما هو عادة عرضت لهم من مخالطة بعض الأمم، فاستحسنوها وأخذوا بها وألبسوها لباس الدين.
هذه بعض أدلة هذه القضية والتي بمجموعها تدل على أن حشمة المرأة وسترها، وإبعادها عن مواطن الاختلاط وموائد الريب، مقصد من مقاصد الشريعة ينطوي على حفظ العرض والنسل، والتي يعتبر حفظها من الكليات الخمس في دين الله تعالى.
وإذا كانت هذه أدلة الشريعة، وفتاوى الصحابة، فإن فتاوى علماء الإسلام على مر العصور، ليس فيها ما يمكن استصحابه لمثل هذه الفتوى التي قالها الشيخ القرضاوي.
أما فتاوى علماء العصر، فإنني سوف أذكر للشيخ أقوال علماء، لا يمكن للشيخ أن يصف فقههم بالجمود، أو التحجر، أو القسوة، قال الشيخ حسن البنا - رحمه الله - وكان كثير من نساء السلف على جانب عظيم من العلم والفضل والفقه في دين الله تبارك وتعالى، أما المقالات في غير ذلك من العلوم التي لا حاجة للمرأة بها، فعبث لا طائل تحته، فليست المرأة في حاجة لها، وخير لها أن تصرف وقتها في النافع المفيد، ليست المرأة في حاجة إلى التبحر في اللغات المختلفة، وليست في حاجة إلى الدراسات الفنية الخاصة، فستعلم عن قريب أن المرأة للمنزل أولًا وأخيرًا... علموا المرأة ما هي بحاجة إليه، بحكم مهمتها، ووظيفتها التي خلقها الله لها تدبير المنزل، ورعاية الأطفال المرأة المسلمة لحسن البنا تخريج ومراجعة الألباني ص 10-11.
فهذا كلام شيخك، فكيف لو اطلع على فتواك بجواز التمثيل للمرأة الذي لا يتأتى إلا بأن تدرس التمثيل في معاهده وكلياته المعدة لذلك، وفي دراستها من الاختلاط وتعلم أساليب التمثيل كالتغنج، والتأنث، والبكاء، والضحك، والقيام بأدوار الحب والغرام والتقبيل والملامسة والمضاجعة والصراخ، وغير ذلك من مقتضيات التمثيل، ومن مقررات هذه المعاهد، ومناهجها الإلزامية؟ أفتجيز للمرأة التمثيل، وهي ستمر في دراستها نظريًا وعمليًا بهذا، وأكثر منه؟ وماذا تنفع الشروط يا فضيلة الشيخ بعد أن تمر المرأة بهذه المستنقعات الآسنة، يقول الشيخ حسن البنا يرى الإسلام في الاختلاط بين المرأة والرجل خطرًا محققًا، فهو يباعد بينهما إلا بالزواج، ولهذا، فإن المجتمع الإسلامي مجتمع انفرادي لا مجتمع مشترك المصدر نفسه ص ۱۱، ويقول: ولهذا نحن نصرخ بأن المجتمع الإسلامي مجتمع فردي لا زوجي، وأن للرجال مجتمعاتهم وللنساء مجتمعاتهم، ولقد أباح الإسلام للمرأة شهود العيد، وحضور الجماعة وحضور القتال للحاجة الماسة، ولكنه وقف عند هذا الحد، واشترط له شروطًا شديدة من البعد عن مظاهر الزينة، من ستر الجسم، ومن إحاطة الثياب به فلا يصف ولا يشف، ومن عدم الخلوة بأجنبي مهما تكن الظروف... إن من أكبر الكبائر في الإسلام، أن يخلو الرجل بامرأة ليست بذات محرم له، ولقد أخذ الإسلام السبيل على الجنسين في هذا الاختلاط أخذًا قويًا محكمًا، فالستر في الملابس أدب من آدابه، وتحريم الخلوة بالأجنبي حكم من أحكامه، وغض الطرف واجب من واجباته والعكوف في المنازل للمرأة حتى في الصلاة شعيرة من شعائره والبعد عن الإغراء بالقول والإشارة وكل مظاهر الزينة وبخاصة عند الخروج حد من حدوده المصدر نفسه ص ۱۲ – ۱۳.
ويقول: «هذا الاختلاط الفاشي بيننا في المدارس والمعاهد والمجامع، والمحافل العامة، وهذا الخروج إلى الملاهي والمطاعم والحدائق، وهذا التبذل والتبرج الذي وصل إلى حد التهتك والخلاعة، كل هذه بضاعة أجنبية لا تمت إلى الإسلام بأدنى صلة، ولقد كان لها في حياتنا الاجتماعية أسوأ آثار.. إن الإسلام يُحرم على المرأة أن تكشف بدنها، وأن تخلو بغيرها، وأن تخالط سواها، ويحبب إليها الصلاة في بيتها، ويعتبر النظرة سهمًا من سهام إبليس، وينكر عليها أن تحمل قوسًا متشبهة في ذلك بالرجل، أفيقال بعد هذا إن الإسلام لا ينص على حرمة المرأة للأعمال العامة المصدر نفسه ص ۱۸.
ويقول الشيخ مصطفى السباعي - رحمه الله- في كتابه المرأة بين الفقه والقانون ص ١٨٥ : لا يجيز الإسلام أن تخلو المرأة برجل أجنبي عنها ولو كانت محتشمة في لباسها أو مظهرها... ولا يجيز الإسلام أن تختلط المرأة بالرجال في الحفلات العامة أو المنتديات ولو كانت محتشمة... وفلسفة الإسلام في هذه الأحكام متمشية مع فلسفته الخاصة بالمرأة فهو يرى أن إكرامها يكون بالاعتراف بحقوقها التي تقتضيها أهليتها وبإبعادها عن مواطن الشبهات ومزالق الشهوات حتى تكون لها سمعتها العطرة كفتاة يتزاحم الشباب على الاقتران بها، وكزوجة يتحدث الناس عن إخلاصها لزوجها واستقامتها.. فكل ما يفوت على المرأة هذه الأجواء الكريمة يقصيها الإسلام عنها، ولو كانت في ذاتها من أفضل النساء وأعفهن، فإن السنة السوء تتناول الصالحة والطالحة حين التعرض للشبهات والنفس أمارة بالسوء، وطبيعة الرجل إذا التقت مع طبيعة المرأة كان منهما ما يكون بين كل رجل وامرأة من الميل والأنس والاستراحة إلى الحديث والكلام، وبعض الشيء يجر إلى بعض، وإغلاق باب الفتنة، أو الشبهة، أحزم وأحكم وأبعد عن الندامة في المستقبل، ولهذا كله يتشدد الإسلام في منع اختلاط النساء بالرجال، وقد قامت حضارته الزاهرة التي فاقت كل الحضارات في إنسانيتها ونبلها وسموها على الفصل بين الجنسين، ولم يؤثر هذا الفصل على تقدم الأمة المسلمة وقيامها بدورها الحضاري الخالد في التاريخ.
ويقول الشيخ المودودي - رحمه الله - في كتابه الحجاب ص ۲۸۲ - ۲۸۹ شارحًا معنى غض البصر مبينًا أن المراد به اجتناب ما قد عبر عنه في الحديث بزني النظر.. ولذلك قد سعد بابه ويقول: ولذلك منع النظر الذي لا تدعو إليه حاجة ولا فيه للتمدن منفعة، ثم فيه أسباب محركة لنزعات الشهوة في الإنسان، ومن أوتي من البصر النافذ ما يدرك به مغزى الشرع، يستطيع أن يفهم بكل سهولة أي المصالح بنيت عليها أحكام غض البصر، ويقول: ولا يجوز نظر الرجل إلى المرأة إلا أن يكون نظر فجأة، وكتابه مليء بالعبارات الصريحة الدالة على عكس ما قاله الشيخ القرضاوي في الحجاب ومقتضياته، ولا يتسع المجال هنا لنقل كلام غير هؤلاء من المشايخ المعاصرين الذين يفتون بخلاف ترخصات الشيخ القرضاوي أمثال الشيخ عمر الأشقر، ومحمد الأشقر، وجاسم المهلهل، ومحمد أحمد الراشد وعبد المجيد الزنداني، وعبد الوهاب الديلمي، وعبد الله عزام، وعبد الرحمن عبد الخالق، وأبي الحسن الندوي، وعاصم البشير، وغيرهم من المشايخ الذين يعرفهم الشيخ يوسف القرضاوي.
وفي الختام أقول لفضيلته: لقد أغرقت في فقه التيسير، وذهبت في هذا الميدان شوطًا بعيدًا ظانًا أن ذلك سوف يقرب ضعفاء الدين واليقين من الشهوانيين والعلمانيين وذوي الإسلام المستنير كما يسمون أنفسهم.
وأظن أنه لا يغيب عن علمك وفهمك أيها الشيخ الفاضل، أنه لا فرق بين من يترخص في الفتوى طلبًا لرضا الرؤساء والدول، ومن يترخص فيها طلبًا لرضا العامة وأشباههم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
القضية ما زالت مفتوحة للمناقشة في العدد القادم آراء أخرى
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل