; مناقشة القوانين في البرلمان المصري تكشف: «سيادة الشريعة» مادة معطلة في الدستور! | مجلة المجتمع

العنوان مناقشة القوانين في البرلمان المصري تكشف: «سيادة الشريعة» مادة معطلة في الدستور!

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1999

مشاهدات 72

نشر في العدد 1356

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 29-يونيو-1999

  • التضارب القانوني، وفوضى التشريع يهددان البنية القانونية والأخلاقية

  • إذا تعارضت مرجعية الأخلاق مع مرجعية القانون ينشأ الخلل في التقييم لدى الإنسان

  • طارق البشري: الدستور نفسه مخالف للشريعة لأنه أبقى نصوصًا مخالفة فأصبحت سلطة المشرع أقوى من سلطة الشريعة

  • كمال خالد: التضارب يؤدي حتمًا إلى زعزعة الثقة في الدستور وتفشي الشعور بالاستخفاف بالقانون

  • د. عاطفالبنا: يؤدي إلى فوضى بين الناس

  • المفتي: صدور قوانين تصادم عقيدة الناس تقود إلى فساد أكبر

 

حالة من التناقض.. بين مسلك الحكومة في التعامل مع الدستور.. وبين ما تعلنه عن احترام ذلك الدستور، المفروض أن الحكومة هي الحارسة للدستور، بل والمخولة بإحاطته بنوع من التقدير والإجلال، لأن ذلك في المقام الأول يصب في مصلحة استقرار وجودها وقوة بقائها.. لكن عكس ذلك نراه في كثير من الأقطار، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقوانين الإسلامية أو الشريعة الإسلامية، فغالبية الدول تعلن وتخط في دساتيرها أن الشريعة هي مصدر التشريع، لكنها في مجال الممارسة العملية نجدها تخالف نص الدستور.. تعلن وتخط بيدها شيئًا.. وتمارس شيئًا آخر.. وذلك لا شك يحمل أثارًا خطيرة على المجتمعات واستقرارها، بل ونظرتها إلى القوانين واحترامها للدستور، وهو ما يضع المجتمع على عتبة نوع من الفوضى. 

الحالة المصرية وما يجري فيها نموذج لذلك.. ماذا حدث؟ 

على الرغم من أن غالبية دساتير الدول العربية تنص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، أو المصدر الرئيس للتشريع، نجد قوانين عديدة تسير على نسق التشريعات الفرنسية أو البريطانية، وتخالف في موادها الشريعة الإسلامية. مصر إحدى هذه الدول التي نصت المادة الثانية من دستورها على أن «الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع»، ومع ذلك، لا تزال هناك قوانين جنائية وتجارية مستمدة من القانون الفرنسي بها نصوص مخالفة لنص المادة الثانية من الدستور، ومع ذلك، لا يمكن اعتبارها ملغاة من تلقاء نفسها لأن الدستور نفسه لا يجيز إلغاء القوانين الصادرة قبله، إلا بقوانين أخرى بديلة. 

قضية القوانين المخالفة للشريعة تبرز للوجود كلما جرى الحديث داخل مجلس الشعب عن سن تشريعات جديدة، إذ يبدأ واضعو القانون في صياغة مشروعات القوانين دون أن يأخذوا في اعتبارهم ما إذا كانت هذه المشروعات موافقة للشريعة أم معارضة لها! فهل يتم ذلك عن سهو أو نسيان أم عن قناعة بأن المادة الثانية المشار إليها غير ملزمة واقعيًّا.

أثيرت قضية مخالفة نصوص في القانون الجنائي المصري للشريعة -ومن ثم للدستور- في أعقاب تزايد حالات خطف الفتيات واغتصابهن، فوفق القانون الوضعي تلغى العقوبة إذا قبل المغتصب الزواج من الفتاة المغتصبة، وبالتالي ينجو من العقاب ولا يطبق عليه الحد أو العقوبات القانونية الوضعية «التعزيرية»، كما أثيرت مسألة المخالفة مرة أخرى، عند مناقشة قوانين إيجار المساكن والأراضي، وكذلك فيما يتعلق بتحديد فائدة التأخير عن سداد ديون معينة.

وعادت القضية تطرح نفسها بقوة مؤخرًا، عند مناقشة تعديل قانون «ضريبة الملاهي» بهدف تخفيض الضرائب «أو زيادتها حسب الحالة» على بعض أنواع الملاهي، وأماكن دخول العروض، والحفلات الترفيهية، فقد أثار الموضوع أزمة فقهية ومالية حادة داخل البرلمان المصري بعدما تدخل مفتي الجمهورية الشيخ نصر فريد واصل وأفتى بحرمة هذه الضريبة المأخوذة عن أماكن اللهو المحرمة «نوادي ديسكو- كازينوهات قمار- بارات- مراهنات وغيرها»، على اعتبار أن ما جاء من حرام فهو حرام، مع تأكيده على مخالفة القانون للشريعة الإسلامية، وأرسل المفتي للبرلمان مسودة جديدة «مقترحة» تستبعد الألفاظ الواردة في القانون السابق والمخالفة للشريعة.

وعاد الجدل ليثور مرة أخرى عندما تشجع البعض من قول المفتي أن ضرائب هذه «الملاهي الحرام» حرام بدورها، وبالتالي لا يجوز للدولة تحصيلها، والاكتفاء بتحصيل الضرائب من الملاهي الحلال(!)

ومع أن مفتي مصر «د. واصل» قد نفى لـ المجتمع أن يكون قصده من وراء تحريم الضريبة على الملاهي غير المباحة هو ترك أصحاب هذه الملاهي وشأنهم، مؤكدًا أن المطلوب فرض ضرائب أكثر بكثير على أصحاب هذه الملاهي كعقاب لهم، ومن باب المصادرة لأموالهم وصولًا لتصفية هذه الأنشطة المحرمة المفروضة على المجتمع كأمر واقع، إلا أن الملف لا يزال مفتوحًا مثيرًا عشرات التساؤلات عن التناقض الواضح بين إعلان الدولة الالتزام بالشريعة الإسلامية وفقًا لنص الدستور ووجود قوانين سارية المفعول تخالف الشريعة.. والخطورة في هذا التناقض الحكومي تكمن في ترسيخ حالة من الاستهانة لدى الجماهير خلال تعاملها مع القانون والدستور، وهو ما يخلق في النهاية حالة من الفوضى القانونية من جانب، والتضارب العشوائي عند التطبيق العملي، وقد جاءت حالة إصدار قانون ضريبة الملاهي في مجلس الشعب مؤخرًا كنموذج عملي وحي على ذلك.

المشكلة الأكبر في هذا تتركز في أنه لا يوجد في مصر -حسبما قال خبراء قانونيون للمجتمع- حصر بالقوانين المخالفة للشريعة؟!

و بداية الأزمة الأخيرة «أزمة قانون الملاهي» ظهرت عندما لفت بعض أعضاء لجنة الشؤون الدينية بمجلس الشعب المصري «البرلمان» النظر في أثناء مراجعة تعديلات قانون «فرض ضريبة ملاهي على دخول أماكن الملاهي والعروض والحفلات الترفيهية»، إلى وجود ألفاظ ونصوص في القانون تتعارض مع الشريعة الإسلامية، وتساءل الأعضاء عن مدى حرمة بعض أنشطة الملاهي المذكورة مثل دخول أماكن القمار والديسكو والكازينوهات والمراهنات التي تجري بشكل عام، وتصاعد الأمر سريعًا بعدما احتدم النقاش بين النواب بسبب الاختلاف في الرأي حول مدى حرمة بند ما مقارنة ببند آخر، وحسمًا للأمر قررت رئاسة المجلس، إحالة مشروع القانون للمفتي لإبداء الرأي فيه. 

وقد انتقد المفتي -في رسالته لرئيس مجلس الشعب التي حصلت عليها للمجتمع- القانون قائلًا إن الدراسة المتأنية والمستفيضة من جانبه للقانون من الناحية الشرعية أظهرت وجود مخالفات لأحكام الشريعة الإسلامية في عنوان المشروع ومواده الأولى حتى السادسة والتاسعة والحادية عشرة والثانية عشرة، وأنه لا بد من تعديل صياغة المشروع والتفريق بين الملاهي المباحة وغير المباحة ليتناسق القانون مع أحكام الشريعة الإسلامية، وشدد على ضرورة البعد عن اللهو المحرم في نص القانون مثل ذلك الذي يصد عن ذكر الله والصلاة واللهو الضار مثل مصارعة الثيران والمصارعة الحرة، والقمار والرقص وغيره، وحرص المفتي على تكرار كلمة «المباحة شرعًا» عند الحديث عن الملاهي في كل سطر من سطور القانون، وقد حاول رموز الحكومة في البرلمان الدفاع عن مشروع القانون غير الدستوري قائلين إن المطروح هو مجرد ضريبة على دخول المكان أو الملاهي نفسها، وليس تشريعًا لتحليلها أو تحريمها لأنها موجودة منذ عشرات السنين في القانون القديم!! بيد أن الرفض القاطع للمفتي وحساسية الموضوع وتأييد عشرات النواب لحرمة الضريبة أحرج الحكومة وعطل صدور القانون.

قانون ضريبة الملاهي.. جدد مرة أخرى الحديث عن تلك القوانين التي تصدر مخالفة للشريعة الإسلامية ونص المادة الثانية من الدستور، وهي قوانين عديدة ويقول المستشار طارق البشري -نائب رئيس مجلس الدولة السابق-: أنه لا يوجد حصر كامل لها مشيرًا إلى أن دستور عام ۱۹۷۱م هو أول دستور مصري يضيف إلى نصوصه أن الشريعة الإسلامية هي مصدر رئيس للتشريع، وأن التعديل الذي أدخل على الدستور عام ۱۹۸۱م عزز دور الشريعة عندما عدل نص المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الشريعة مصدر رئيس للتشريع لتنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر «الرئيس للتشريع» إلا أن اختبار فاعلية هذا النص لم تأت بجديد.

فقد اختبرت فاعلية هذا النص عام ١٩٨٤م بدعويين رفعنا أمام المحكمة الدستورية للطعن على قانونين من القوانين السارية في ذلك الوقت، أحدهما يتعلق بالمادتين ٢٢٦، و٢٢٧ الخاصتين بفوائد تأخير سداد الديون في القانون المدني الموضوع عام ١٩٤٨م حيث نصت المادتان على أن الديون المستحقة يستحق عليها فائدة بواقع ٤٪ في المواد المدنية، و٥٪ في المواد التجارية، إلا إذا اتفق طرفا العلاقة على زيادة النسبة على ذلك، وبحد أقصى ٧٪ أي أن القانون المدني في ذلك الوقت كان يفرق بين الربا الجائز «في نظر واضع القانون» والربا الفاحش، والجائز هو ما كان أو أقل، أما الفاحش فهو ما جاوز ذلك، والقانون يلغي الزيادة على ٧٪! 

وهذا النص يخالف الشريعة ولا يزال معمولًا به حتى الآن، وقد رفعت دعوى أمام المحكمة الدستورية عام ١٩٨٤م تطالب بإلغاء هاتين المادتين لمخالفتهما نص المادة الثانية من الدستور «الخاصة بالشريعة».

أما الدعوى الثانية التي رفعت أمام المحكمة الدستورية ونظرت أيضًا أوائل الثمانينيات فكانت تتعلق بقانون الأحوال الشخصية رقم (٤٤) لعام ۱۹۷۹م، وكانت تطعن في نص القانون على «حق الزوجة المطلقة في حيازة شقة الزوجية» وغيرها من النصوص المخالفة لمبادئ الشريعة الإسلامية ومن ثم الدستور. 

وقد أصدرت المحكمة الدستورية حكمين في توقيت واحد بشأن هاتين الدعويين ألغى الحكم الأول قانون الأحوال الشخصية، لا لأنه مخالف للشريعة الإسلامية، وإنما لسبب إجرائي آخر هو أن رئيس الجمهورية في ذلك الوقت «السادات» قد أصدره عام ۱۹۷۹م باعتباره من قوانين الطوارئ وهو ليس كذلك وبالتالي ما كان يجوز له قانونًا أن يصدر قانونًا في غيبة البرلمان. 

أما المواد الخاصة بالربا «الفائدة» في القانون المدني «مادتي ٢٢٦، ٢٢٧» فقد رفضت المحكمة الدستورية الطعن فيها، وأبقت النصين لسبب إجرائي أيضًا قائلة إنها ترفض الطعن وتستبقي النصين لأنهما من النصوص القديمة السابقة على التعديل الدستوري الصادر عام ۱۹۸۱م، وأن الدستور نص على أن «القوانين السابقة عليه، والمخالفة لأحكامه تبقى حتى تصدر قوانين بتعديلها».

أي أن الدستور نفسه -كما يقول المستشار البشري للمجتمع- هو الذي أبقى على هذه القوانين المخالفة للشريعة الصادرة قبل تعديله ونادت بالمشرع لإلغائها، وطالما هو -أي المشرع- لم يلغها فهي باقية! 

ومعنى ذلك أن الدستور نفسه -وهو دستور وضعي- يعتبر مخالفًا للشريعة لأنه أبقى نصوصًا مخالفة للشريعة، فأصبحت سلطة المشرع أقوى من سلطة الشريعة!

المهم في هذين الحكمين -وإن كانت المحكمة الدستورية لم تتعرض للسبب الشرعي الخاص بكلا القانونين- أن المحكمة نصت في حيثيات الحكم على ضرورة التزام المشرع بأحكام الشريعة الإسلامية، فيما يجد من قوانين لاحقة على صدور الدستور وأفردت «المحكمة» فقرتين في كل حكم تؤكد فيهما على وجوب الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، كما أوضحت المحكمة الدستورية فيما بعد مقصود الشريعة قائلة إنه «ما كان قطعي الثبوت والدلالة يتم الالتزام به» وما كان ظني الدلالة فيدور الرأي فيه وفق ما تشير إليه دلالة النصوص والتفسيرات السابقة، ولذلك لم تجرؤ القوانين الوضعية على وضع نصوص تزيد الفائدة على ٧٪ على الديون المتأخرة على رغم أن فائدة البنوك حاليًا أعلى من ذلك بكثير وتصل إلى ١٤٪، بل و١٨٪ في بعض الأحيان، وبقيت بالتالي نسبة الـ٧٪ كما هي لماذا؟! لأن الدولة لا تستطيع تعديل هذا النص، ولو عدلته بزيادة الفائدة مثلًا لألغي القانون لمخالفته الشريعة. 

ويكشف المستشار البشري مفارقات عجيبة بالنسبة لهذا التضارب بين القوانين ومخالفتها للشريعة قائلًا: إذا كان شخص مدينًا لك بدين الآن يستحق عليه فائدة تأخير ما بين ٤- ٧% «حسب نص المادتين ٢٢٦ و۲۲۷ من القانون» فبإمكانه ألا يؤدي لك هذا الدين، ويضعه في أحد البنوك، ويعطيك فائدة الـ٤٪ أو الـ٧٪ المنصوص عليها في القانون، ويأخذ فارق الفائدة من البنك «والتي قد تصل إلى ١٤٪ لصالحه»؟!

أيضًا هناك مفارقات أخرى فيما يتعلق بالزنا والاغتصاب، فإذا كان الزنا يتم برضاء الطرفين البالغين لا يعاقب عليه، وفق القانون الجنائي الحالي، ولكن الاغتصاب يعاقب عليه وحتى شهرين مضيا كان القانون لا يعاقب المغتصب إذا تزوج من الضحية، حتى لو طلقها بعد ذلك! لكن تم تعديل القانون وفرض العقوبة على المغتصب.

 

قوانين لا يلتزم بها أحد

إن رفع الشعارات دون العمل بها خلق حالة تُشبه الاتفاق بين الشعب والحكومة المصرية على عدم الالتزام ببعض القوانين على الرغم من أنها سارية ومعمول بها نظريًّا!!

فقانون الإصلاح الزراعي الذي صدر عام ١٩٥٢م -وهو مخالف للشريعة- كان يمنع زيادة الملكية على عدد معين من الأفدنة، وأيضًا فيه نصوص تمنع تفتيت الملكية عند حد معين «خمسة أفدنة».

أيضًا نص القانون على أن الميراث إذا أدى لتفتيت الملكية عن هذا القدر، فإن على الورثة أن يتفقوا على من تؤول إليه الملكية وبحيث يجري تعويض الورثة الآخرين.

وكل ذلك مخالف ليس فقط للشريعة -كما يقول المستشار البشري- وإنما للواقع الاجتماعي القائم «الحيازة حاليًا تصل إلى ملكية بعض الأفراد لفدان واحد أو بضعة قراريط أي أقل من فدان وهو مخالف لنص القانون» فهذه النصوص الموجودة في القانون حتى الآن لم تنفذ، كما لو أن الناس تواصوا على عدم تنفيذها وتجاهلها على رغم أنها موجودة وسارية! إن من لا يعرف حدود الملكية في مصر، ويقرأ هذا القانون يتصور خطأ أن مصر لا تعرف ملكية أقل من فدانين أو خمسة أفدنة، بل وقد تصدر دراسات خاطئة ومخالفة للواقع إذا استندت إلى هذا القانون وحده كمعيار. 

ويطرح د. عاطف البنا أستاذ القانون الدستوري بكلية الحقوق جامعة القاهرة تفسيرًا مختلفًا لعدم إبطال المحكمة الدستورية دستورية القوانين المخالفة للشريعة قائلًا: إن هذه المحكمة تفسر النص الوارد في المادة الثانية من الدستور والخاص بالشريعة على أنه يطبق بالنسبة للقوانين التي تصدر بعد وضع هذا النص في الدستور أي بعد عام ۱۹۷۱م فقط، وأنه مع أن المشرع أصبح ملزمًا بألا يصدر قوانين مخالفة لهذا النص الدستوري، إلا أن المحكمة لا تحكم ببطلان هذه القوانين لأنها تعتبر نص المادة الثانية من الدستور «خطاب موجه لمجلس الشعب فقط بألا يصدر قوانين مخالفة، ولا تسري على القوانين السارية المخالفة للشريعة». 

ولذلك لا تزال تصدر قوانين مخالفة للشريعة والدستور بصفة عامة، وكل عام هناك عشرات الأحكام بعدم دستورية القوانين.

 وهذه الظاهرة ترجع إلى أن القوانين تأتي سيئة الصياغة وسيئة المضمون دون دراسة جيدة.

ويعزو الدكتور عاطف البنا السبب إلى أن الحكومة تعتبر أن حل أي مشكلة ممكن فقط بالقانون على رغم أن الحل قد يكون اقتصاديًّا أو اجتماعيًا أو بمعالجة أسباب الظاهرة وليس بالقانون، لكن هذا هو واقع الحال حتى أصبح لدينا ما يسمى «بقوانين المناسبات» أو «القوانين سيئة السمعة»!

المحامي كمال خالد عضو مجلس الشعب السابق الذي نجح مرتين في استصدار قرارات من المحكمة الدستورية ببطلان تشكيل مجلس الشعب وتم حله بالفعل يلفت الانتباه إلى زاوية جديدة في القضية قائلًا: الثابت من الواقع العملي أن الحكومة كثيرًا ما تستعمل مجلس الشعب في إصدار قوانين تستشعر وجوب إصدارها، وهي تعلم مسبقًا أن بها مواد تخالف الدستور ومع ذلك لا تتردد الحكومة في إصدارها من المجلس ولا يتردد المجلس في إصدارها والموافقة عليها على الرغم من علمه المسبق بعدم دستوريتها، وإلى أن يقطع المتضررون من هذه القوانين «مشوار عذاب» طويل حتى يصل للمحكمة الدستورية العليا ليصدر حكم بعدم الدستورية، تكون هذه القوانين قد حققت الغرض منها بالنسبة للحكومة، وبالطبع لن يكون ذلك إلا بعد مشوار في المحاكم يقطعه الطاعن في صراع قضائي طويل المدى يصل في بعض الأحيان إلى (۹) سنوات. 

وفي الحالات السريعة لا تقل فترة الحكم الصادر بحال من الأحوال عن أربع سنوات، وهذا ما حدث بالنسبة لقوانين إلزام المصريين العاملين بالخارج بدفع ضرائب على الرغم من صدور أحكام من المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية هذه القوانين والنص على إلغائها.

 

لا أحد يعترض!

ويشير النائب الإسلامي علي فتح الباب إلى ظاهرة إيجابية، فعند إثارة الحديث عن أي قانون مخالف للشريعة فإن الكثيرين لا يترددون في تسجيل اعتراضهم على المخالفة الشرعية، مشيرًا إلى كثرة اللجوء لفضيلة المفتي والأزهر لمعرفة الرأي الشرعي في كثير من القوانين التي صدرت مؤخرًا.

ويضيف «فتح الباب»: وقد اعترضنا على ما عرض علينا من قوانين مؤخرًا مثل القانون التجاري وقانون ضريبة الملاهي وطلبنا أخذ رأي المفتي وشيخ الأزهر، كما نتقدم بمشروعات جديدة تصحح هذه القوانين كلما أمكن ذلك.

 

آثار سلبية خطيرة

عدوى التناقض الرسمي من الحكومة في التعامل مع الدستور لا شك تنتقل إلى المجتمع وتصيب سلوك الجماهير وهو ما يخلق حالة من التناقض في السلوك الاجتماعي يؤثر على استقرار المجتمع، وفي هذا الصدد يؤكد المستشار طارق البشري على أن «المرجعية التشريعية» مهمة جدًا لحسن إعمال التشريعات وفي تقبل الناس لها يقول: إن أي نظام قانوني أو تشريعي أو فقهي لا يمكن ضمان تطبيق الناس له وقبولهم إياه إلا بعد حد أدنى من القبول والموافقة على الأحكام الموجودة في هذا القانون. 

وأحد عناصر هذا القبول والموافقة للقوانين أن تعود مرجعيتها إلى جوانب اعتقادية أو إيمانية يصدق بها الناس، فعلى سبيل المثال نجد شهادة الزور محرمة قانونًا، ومن الناحية الخلقية مذمومة، لكن بعض الناس يمارسونها!!

وهذه القاعدة هي التي تسود أيضًا فيما يتعلق بهذه القضية الخاصة بمخالفة القوانين للشريعة.

 وإذا تعارضت مرجعية الأخلاق مع المرجعية التي يصدر عنها القانون يصبح هناك خلل في التقييم لدى الإنسان، فما يحرمه عليه القانون تحلله له الأخلاق والعكس صحيح، فما يشينه أخلاقيًّا يجيزه له القانون، فأصبح الوضع هنا يؤدي لإضعاف الالتزام الخلقي وإضعاف الالتزام القانوني في الوقت نفسه، وبالتالي تدمير البنية القانونية نفسها وليس البنية الأخلاقية فقط، وجزء كبير من السبب القائم خلف ظاهرة عدم الالتزام بالقانون في حياتنا يرجع لهذه النقطة تحديدًا!

أما الدكتور عاطف البنا فيقول: إن هذا التناقض التشريعي يؤدي لفوضى شديدة، لا بين القوانين نفسها فحسب، ولكن بين الناس لأن هذه القوانين لا تتفق مع قيم أو احتياجات المجتمع وأنه عندما يجد الناس القوانين سيئة الصياغة والمضمون، ولا تراعي الأصول أو الحريات أو تتفق مع احتياجات المجتمع الحقيقية فإن ذلك يؤدي إلى عدم احترام الناس للقانون، فالناس يريدون قانونًا صالحًا، عادلًا، يحقق المصالح الاجتماعية.

ويحذر المحامي كمال خالد من آثار التضارب بين دستور ينص على الشريعة وقوانين مخالفة للشريعة قائلًا: إن هذا يؤدي حتمًا إلى زعزعة الثقة في القوانين القائمة وعدم الاطمئنان إليها، وتفشي الشعور بالاستخفاف بما يصدر عن البرلمان من قوانين.

المحامي «سمير عيد» يزيد التأكيد على أن هذا التناقض التشريعي يجعل الناس في حيرة من أمرهم لأن الشريعة تقول شيئًا، والحكومة تصدر شيئًا آخر! خصوصًا أنه ليس من حق أي فرد إقامة دعوى أمام المحكمة الدستورية لبطلان قانون وإنما لا بد أن تطلب ذلك محكمة أخرى من المحكمة الدستورية، وينبه إلى تعطل الكثير من المصالح وتخبطها بسبب هذا التناقض التشريعي وتعطيل صدور أحكام ببطلان هذه القوانين لمخالفتها الشريعة بضع سنوات، مما يسهل ويشجع خروج الناس على القانون، ويؤدي بالناس إلى التحلل من تطبيق قوانين الشريعة وعدم الالتزام بالشريعة بدورهم طالما لا تلتزم بها الحكومات في القوانين الصادرة عنها.

أيضًا يحذر مفتي مصر د. نصر واصل من أن صدور قوانين لا يؤمن بها الناس وتتصادم مع عقيدتهم سيؤدي لتعطيل الناس لها وعدم تنفيذها، ولو نفذوها فسوف يتحايلون عليها، وقد يؤدي هذا لإفساد أكبر.

 

الرابط المختصر :