; مناقشة الأستاذ فهمي هويدي: السلفية نتيجة طبيعية للصحوة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان مناقشة الأستاذ فهمي هويدي: السلفية نتيجة طبيعية للصحوة الإسلامية

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1988

مشاهدات 115

نشر في العدد 869

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 07-يونيو-1988

في كتابات فهمي هويدي تجنٍ على السلفيين:

لا ريب أن الكاتب الأستاذ فهمي هويدي قد قام بجهد مشكور في تصديه للعلمانيين الذين انقضوا على الإسلام في خبث وذكاء، يحطمون فيه ليستأصلوه من جذوره، وليجتثوه من قواعده، ويخرجوه عن محيط حركة المجتمع. بعضهم يزعم بأنه يفعل ذلك حرصًا على الإسلام وقدسيته، ويتظاهر باحترام الإسلام والغيرة عليه، ويريده أن يكون تراثًا مقدسًا كصورة معلقة في أعلى الحائط لا تمسها الأيدي، وبعضهم يفصح بعدائه للإسلام، وبالطعن في أحكامه، ويعلن رفضه لمنهج الإسلام في قيادة المجتمع. وكلا الطرفين تصدى لهما الأستاذ فهمي هويدي في كتاباته وأفحمهما بالحجة والمنطق، وبالدلائل العقلية والنقلية المقنعة، وبأسلوب قوي ورصين، لا يملك المرء إلا أن يعجب به، ويقدر صاحبه. ولكن الأستاذ فهمي هويدي عندما يلتفت ليناقش فصائل الإسلاميين تختل عنده الموازين، ويضطرب في يده القلم فينحرف عن طريقه المستقيم، ويجانبه الصواب في كثير من آرائه، فيقع في هفوات، وبإمكانه أن يتجنب الوقوع فيها لو حاول التغلب على عاطفته، وتحلى بالاعتدال والإنصاف، فنلاحظ أنه يتهجم كثيرًا على السلفيين، ويتجنى عليهم، ولا يذكر من محاسنهم شيئًا، ويصفهم بأنهم يهتمون بالتوافه، حتى اهتمامهم بالعقيدة يجعله من الاهتمام بالتوافه. وكان الأجدر به أن يحاول جمع كلمة الإسلاميين بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادل بالتي هي أحسن، فهم ليسوا من الذين ظلموا فيغلظ عليهم في القول، ويشن عليهم تلك الغارات في الصحافة.

وليته سلك مسلك العالم الفاضل الدكتور يوسف القرضاوي الذي كثيرًا ما يستشهد بكلامه في كتاباته عندما دعا إلى وحدة الصف بين الإسلاميين، وقال إنه في إمكان كل جماعة أن تهتم بجانب في الدعوة، فيهتم السلفيون بالعقيدة ويهتم التبليغيون بالتربية، وليهتم الإخوان بالمجتمع والسياسة، ويتعاونون جميعًا من أجل الدعوة الإسلامية وانتصار الإسلام من غير عراك ولا جدل فيما بينهم.

ونقول للأستاذ فهمي هويدي: إن الدعوة السلفية بين الشباب قد جاءت نتيجة للصحوة الإسلامية فيه جزء مكمل للصحوة ومن لوازمها. وإذا كان الأستاذ فهمي هويدي يتساءل عن أسباب امتداد السلفية إلى بلدان مثل مصر وماليزيا، ويعتبرها من الظواهر الغريبة، ويتحير فيها، فتارة يرجعها إلى الفراغ الديني، وتارة إلى الانفتاح، فهو لم يفطن إلى أن الشباب مع صحوتهم الإسلامية نظروا إلى ما حولهم من بدع وخرافات منافية للتوحيد في بلدانهم، فوجدوا في كل قرية ضريحًا لميت يهرع إليه المسلمون ويلوذون به، ويطلبون منه حاجاتهم، ويرون مشايخهم الكبار وهم يشجعون هذه الخرافات، ويسكتون على المخالفات الصريحة، ويرون وزارات الأوقاف وهي تضع صناديق النذور عند ضرائح الأولياء، ويضع فيها العوام المبالغ زاعمين أن هذه الضرائح هي وساطتهم إلى الله، من غير أن يقوم العلماء الرسميون وغير الرسميين بواجبهم نحو توعية المسلمين لتنقية عقيدتهم، ويرون أساتذة في الجامعات ومثقفين وعلماء دين يتحدثون في الإذاعة والتلفزيون عن آداب الخلوة، وعن موالد الأولياء، ويبررون البدع والخرافات، ويستغل مشايخ الطرق وسدنة الضرائح جماهير المسلمين من العمال والفلاحين، ويرون علماء الدين يحضرون الموالد والمآتم، ولا ينكرون ما فيها من مخالفات، ويرون الفتاوى التي تبرر هذه المخالفات، وتشجع على التفلت من الدين، ويرون التبرج والاختلاط، والسكوت عن الفسق والفجور، فكيف بصدد هذا كله يا أستاذ فهمي لا تريد شباب الصحوة الإسلامية ألا يتأثروا بالدعوة السلفية، وقد عرفوا أن كل ذلك مخالف للإسلام ودعوة التوحيد؟

فدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد كان المبرر لها هي ما كان عليه أهل نجد من بدع وخرافات والتجاء إلى القبور والأضرحة.

كما عليه الحال الآن في كثير من بلدان العالم الإسلامي، وكان أكبر ضريح مشهور في نجد يؤمه الناس هو ضريح زيد بن الخطاب، وكانت عندهم أشجار يتبركون بها، ولو لم تقم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لوجدنا أن نجدًا والحجاز لا تختلف في شيء من البدع والخرافات المنافية للتوحيد عن غيرها من البلدان. ولا أعتقد أن الأستاذ فهمي هويدي يرى أن هذه البدع والخرافات التي عمت العالم الإسلامي هي من الإسلام في شيء، وأنه لا يجب إزالتها. لا شك أن سبب بقاء هذه البدع والخرافات وانتشارها بين المسلمين هو سكوت العلماء والحكام ومجاملتهم للعوام، ومع الأسف أن بعض الإسلاميين اليوم يريدون كسب الجماهير إلى صفهم فقط، لذلك يسكتون عن كل شيء يتعارض مع رغبة الجماهير حتى ولو كان مخالفًا للإسلام.

كان واجب الأستاذ فهمي هويدي إذا أراد الدعوة إلى المشروع الحضاري الإسلامي كما يقول، وأراد للمسلمين أن ينهضوا جميعًا، وأن يكون الشباب قادرين على التعامل مع المستقبل، عليه أن يكون معتدلًا منصفًا، فينتقد كل سلبيات المسلمين، ولا يستهين بأمر العقيدة، ولا يصب هجومه كله على السلفيين والتبليغيين، وكأنهم المسؤولون عن كل السلبيات. وإذا كان منهم من شغل نفسه بالتوافه وإثارة الخلافات المذهبية، واستنكر الدخول في مجلس الشعب وألف رسالة تسمى "القول السديد في أن دخول المجلس مناف للتوحيد"، أو أن أحدهم سأل الشيخ الغزالي عن الحل، فليسوا كلهم على هذا المنوال، ولعل في غيرهم من هو أشد تخلفًا في العقلية والفهم، والدعوة إلى العزلة والتنطع.

أما مسألة الموسيقى والغناء فليس هذا الموضوع جديدًا في تاريخ المسلمين، بدليل الكتب التي ذكرها الأستاذ فهمي هويدي، والتي ألفت منذ مئات السنين، فالخلاف على الغناء والموسيقى معروف بين الفقهاء والصوفية، وبين الفقهاء بعضهم بعضًا، وما كان للأستاذ فهمي أن يقف عنده، ويطلب من السلفيين أن يوافقوه على رأيه، خاصة وقد أصبح القول المقبول الآن والمعقول الذي يتفق مع النصوص أن في الغناء ما هو جائز وما هو غير جائز، وذلك ما أوضحه فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه "الحلال والحرام". ولا يستطيع أحد أن يقول إن الإسلام يبيح هذا الانهماك في الغناء واللهو، وإن المجتمع الإسلامي يمكن أن تكون فيه هذه السيول الجرارة، ممن يسمون الفنانين والفنانات يملؤون المسارح والفنادق والشوارع، ويشغلون الإذاعات والتلفزيونات ليلًا ونهارًا. وإذا كان الأستاذ فهمي ينكر على الشباب الماليزيين الذين يستنكرون الاحتفال بافتتاح مسجد بأغاني فريد الأطرش من قبل الفنانات الشابات، فأعتقد أن هذا الاحتفال لن ينكره الشباب الماليزيون فقط، وإنما سينكره كل المسلمين حتى الذين يجيزون الغناء، لأنه من الخلط بين الجد والهزل، والعبادة واللهو.

والأستاذ فهمي يستشهد بأن الشيخ محمد الغزالي يطرب لغناء أم كلثوم وهي تغني "ولد الهدى"، وتدمع عيناه، فإني لا أظن أن الشيخ الغزالي يعتبر طربه هذا حجة، ولا أعتقد أنه يبيح لنفسه وهو العالم الفاضل أن يجلس أمام أم كلثوم وهي تغني، وتتمايل وتتهادى، وكاشفة عن رأسها وذراعيها، فإذا كانت تغني "ولد الهدى" فهي تغني أيضًا "أنا وأنت لوحدينا".

وتعرض الأستاذ فهمي إلى مسألة النقاب، ويصفه بأنه مظهر شاذ لا يستند إلى دليل شرعي، في نفس الوقت الذي استأذن في أن يُعفى من الخوض فيه، وهو مع ذلك يقول: فلا تثريب على من تتنقب إذا ما استراح ضميرها إلى ذلك، شريطة ألا تُلزم غيرها بما فعلت، ولا تتهمها بنقصان في الدين، أو خروج على تعاليمه.

ما كنت أحب للأستاذ فهمي أن يصف النقاب بأنه شاذ بعد أن أراد عدم الخوض فيه، وكان رأيه ألا يعترض على المتنقبة إذا استراح ضميرها إليه. والمعروف في مسألة النقاب فيها للعلماء رأيان كما هو مبين في كتب الفقه والتفسير والحديث، رأي يقول إن على المرأة أن تستر بدنها ما عدا الوجه والكفين، والرأي الآخر يقول أن تستر أيضًا الوجه والكفين، وذلك هو النقاب، وقد عرف النقاب في التاريخ الإسلامي، وليس صحيحًا ما يقال إنه عادة تركية. وهذان الرأيان جاءا نتيجة اختلاف العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الأحزاب:59). ولا أريد هنا أن أدخل في تفاصيل الخلاف، وأدلة الرأيين، ولست مرجحًا أحد الرأيين، وفي نظري أن يُترك الأمر لظروف المسلمة ما دام في المسألة قولان، وأن نتفق على محاربة التبرج السائد الآن، إذ تكشف المرأة عن صدرها ونحرها وساقيها، ولا يعترض عليها أحد من الذين يحاربون النقاب، فإذا تحجبت المرأة وسترت جسمها، وكشفت عن وجهها وكفيها فليس للذين يؤيدون النقاب أن يعترضوا عليها، وليس للمسلم بأي حال من الأحوال أن يعترض على المتنقبة، بل يجب أن نقول إنها قد احتاطت لنفسها، ونشكرها على ذلك، وغاية ما في الأمر أن نقول لها عليها أن تكشف وجهها عند اللزوم إذا أُريد مثلًا التأكد من شخصيتها لأمر من الأمور، فإن العلماء الذين قالوا بستر الوجه والكفين إن لها أن تكشف وجهها عند الحاجة.

والغريب أن الفتاة التي تكشف عن مفاتنها، فتلبس القصير، وتتزين أمام الرجال الأجانب لا يُنكر عليها، ويُعتبر ذلك منها أمرًا عاديًا. ومن الظلم البين أن تُمنع المتنقبة من دخول الجامعة في بعض البلاد الإسلامية، حتى لو كانت مستعدة أن تكشف عن وجهها للتحقق من شخصيتها عند الدخول، أو عند الامتحانات، وهذا ظلم صارخ وتدخل في الحرية الشخصية. وهؤلاء الذين يفعلون ذلك يتشدقون بمناصرتهم للحريات الشخصية، ولكنهم يتعسفون فقط مع من يريد أن يطيع ربه، ويلتزم بالإسلام. ونحن نحيي هنا القضاء المصري الذي وقف إلى جانب الحق، فمنع مديري الجامعات من تعسفهم مع الطالبات المنتقبات، وفي بعض البلاد الإسلامية الأخرى يمنعون حتى التي تتحجب بكشف الوجه واليدين وتستر سائر بدنها، فلا يرضيهم إلا أن تكون متبرجة. فعلى الإسلاميين أن يتكاتفوا، وأن يوسعوا صدورهم لبعضهم بعضًا، وأن يقفوا صفًا واحدًا أمام أعداء الإسلام، وأمام التحديات الكبيرة، وكلما كان الهدف هو الحق عند طرفين من غير عوامل نفسية أخرى كلما كان التقارب والاتفاق ممكنًا، فنسأل الله أن يعيننا على أنفسنا، وأن يكون عملنا كله خالصًا لوجهه الكريم.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 66

153

الثلاثاء 29-يونيو-1971

مناقشة.. حول تبسيط الفقـه

نشر في العدد 123

122

الثلاثاء 24-أكتوبر-1972

في فقه الدعوة(٢٢).. اتزان التوسع

نشر في العدد 331

74

الثلاثاء 04-يناير-1977

التعليق الأسبوعي (331)