; مناع القطان  شيخ العلماء والدعاة | مجلة المجتمع

العنوان مناع القطان  شيخ العلماء والدعاة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1999

مشاهدات 86

نشر في العدد 1360

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 27-يوليو-1999

في الأمة الإسلامية علماء ترهبوا للعلم، وانقطعوا للبحث والتدوين، ووقفوا أنفسهم لتحرير مسائله وشرح غوامضه، ونذروا أوقاتهم وأفكارهم وعقولهم، لتخليص التراث مما علق به، واندس في تضاعيفه من لصائق تحمل في طياتها عادات مجتمعات معتلة، وقضايا جديرة بأن تودع في المتاحف، لا أن تدفع إلى دنيا الناس؛ لأنها لا تعطي صورة دقيقة ولا كاملة عن الإسلام، كما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ترسم طريقًا واضحًا مستقيمًا نابضًا بالحياة كما سار عليه الأسلاف العظام في أرجاء الأرض، فحولوا به الجاهليات القفر، والثقافات الشرود، إلى ربيع مزهر بالورود والرياحين، وحياة نابضة بالسعادة والعلم والتقدم والحضارة، وهذا الصنف من العلماء، نوع فريد، تجده قلة تعد على أصابع اليد الواحدة، وليس كل لامع ذهبًا:

وقد يسمى سماءً كل مرتفع        وإنما الفضل حيث الشمس والقمر 

وكان الشيخ مناع القطان- يرحمه الله- من هذا الصنف من العلماء الأثبات، أصحاب البصر والبصيرة، والعلم والفهم، والعقل والإبداع، كان صاحب لب وإيمان، ونظر وعرفان، كان من قادة الدعوة المباركة، ورواد التربية الكبار، الذين أرادوا أن يتداركوا حال الأمة البئيس، وينهضوا بفكرها الكليل، بتكوين أجيال صالحة تكون أوعى لدينها، وأبصر بمطالبه، وأقدر على خدمته، وأمضى في نصرته من هذا الكم الهائل المتعثر في تلافيف قشوره، وعاداته، وأوهامه التي يسيرون بها متعثرين،÷ لا تشدهم وجهة، ولا تدفعهم قوة؛ لأن الثقافة التي صنعتهم لا تنتج إلا نفوسًا خاملة، وعقولًا شائهة، فهناك إيمان ضرير لا يبصر الحياة، ولا تسحره عجائبها، ولا تستهويه أسرارها، فهذا الإيمان يمكن- كما يقول الغزالي- أن تنسبه إلى أي مصدر غير القرآن الذي يخلق الإيمان البصير، لا الضرير، الإيمان الذي ينمو، ويقوى بالتأمل في الكون، ومطالعة آياته، والتعرف على خفاياه.

وهناك إيمان جبان قاعد، قد يفر إلى صومعة، أو يحيا داخل قوقعة، لا يجرؤ على الضرب في الأرض، ولا يستطيع مغالبة الأنواء. 

وهذا الإيمان هو الآخر تستطيع أن تنسبه إلى أي مصدر إلا كتاب الله الذي قذف بالمسلمين في الجهاد لمطاردة الظلم في كل فج عميق، ومن وراء هذا النداء ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٤١)، ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (العنكبوت: ٥٦)، وهناك إيمان ذليل يعيش في كنف المبادئ الأخرى الشرود، ويقتات على فتات المذاهب المتخلفة من موائدها، أو فضلات الأفكار المطروحة من مخارجها.

هذا الإيمان لا يستقيم مع منطق صاحب الرسالة، الذي جعل اليد العليا خيرًا من اليد السفلى ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139).

وهناك إيمان الأسماء والنسبة إلى الآباء، مؤمنون بشهادات الميلاد، لا تستطيع أن تميزهم عن غيرهم من أهل المعاصي والانحرافات إلا ببطاقاتهم الشخصية، لا يحملون لإسلامهم أي انتماء، ولا هوية، ولا عاطفة، ولا تأييد، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم»، بل قد يحاربون المسلمين ويشردونهم، ويبغون عليهم، ويسمعون للأعداء في شأنهم، ويكونون أشد عليهم من عدوهم، ويؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا.

لقد كان هذا الحال يؤرق فضيلة الشيخ مناع كثيرًا، حيث كانت جلساتنا معه- يرحمه الله- تعتبر تدارسًا لحال الأمة، وتشخيصًا لأمراضها وعللها، وكان الرجل- بعلمه ووعيه وفضله- يضع الأمور في نصابها، ويضع يده على مواطن الداء قبل أن يشخص الدواء، قال رحمه الله: لم لا يكون للأمة جهاز فكري أو روحي أو سياسي، يحسب أرباح الأمة وخسائرها مع سير القرون واطراد الزمان، يشخص العلل ويرصد التجارب، ويحصي النتائج؟ لم لا تكون للأمة أهداف سياسية وعلمية وتربوية، تعكف على صياغتها مجامع علمية متخصصة، وتكون ملزمة يحاسب عليها الجميع وتكون نبراسًا يضيء لها الطريق؟

لقد كان- يرحمه الله- عالمًا عاملًا متفتحًا، صاحب نظر ثاقب ورؤية متأنية فاحصة، يحيط بأمر دينه ودنياه، وحياته وأخراه، أخذ عنه كثير من تلامذته بعض ما عنده من رؤى ثاقبة، واستفادوا من فكره المحيط وأدبه الجم، وعرفه كل ذي بصيرة، وأحاط به كل صاحب عزيمة علمية، وحصيلة فكرية، وهمة دعوية وتواصوا به ليأخذ عنه أصحاب الهمم:

لا تأخذ العلم إلا عن جهابذة               بالعلم نحيا وبالأرواح نفديه

أما ذوو الجهل فارغب عن مجالسهم   قد ضل من كانت العميان تهديه

وقد كان عجبي أشد العجب من كراهية بعض السلطات لأمثال هؤلاء العلماء أصحاب العقول والأفهام التي تتشرف بهم كل أمة، ويفخر بهم كل جيل، وتتيه بهم كل دعوة ورسالة، وقد تعرض الشيخ لهذا الاضطهاد زمن عبد الناصر، واضطر إلى ترك وطنه، والعمل بعيدًا عن دياره، ولكن الرجل كان قوي الإيمان، ثابت العزيمة، يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، واستمر في رسالته العلمية والتعليمية والدعوية وما حاد عنها، عزيز النفس، وفي العهد، طاهر الذيل، نقي الثوب في دار الغربة، رجلًا أينما سار، وكأنه المعني بقول القائل: 

لئن تنقلت من دار إلى دار                    وصرت بعد ثواء رهن أسفار

فالحر حر عزيز النفس حيث ثوى       والشمس في كل برج ذات أنوار 

فما انقطع إشعاع الرجل، ولا إنتاجه العلمي الكبير في علوم القرآن وغيره، وما برحت نظراته في التفسير وخواطره في المسائل دليلًا على عقله وفهمه، وشاهدًا على فضله وريادته، حيث كان شغله الشاغل مدارسة القرآن، وخدمة علومه.

فعن أبي سعيد الخدري– رضي الله عنه– عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله سبحانه وتعالى: من شغله القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله- سبحانه وتعالى- على سائر الكلام كفضل الله- تعالى- على خلقه».

وكان– رحمه الله– رغم علمه الغزير وفهمه الدقيق سياسيًا حكيمًا، يأخذ الأمور بحكمة وروية في هدوء المفكر، وصبر الحليم، ويبحث الأزمات بحنكة وخبرة ودراسة ودراية.

شيخنا الجليل كم له في النفوس من مكانة ومنزلة، وكم سيخلف من فراغ كبير، في وقت نحن فيه في حاجة إلى علمه وحكمته، وخاصة أن السفينة تتقاذفها الأمواج، وتلعب بها الأعاصير الهوج، شيخنا الجليل كم يعز علينا فراقه، ويعز علينا أن نرى جبال العلم تتهاوى، والأقمار تتوارى، ولكنها إرادة الله التي اقتضت أن يسكت هذا القلب النابض، واللسان الذاكر؛ لينبض في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ويذكر في الملأ الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فاللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله، وارفع منزلته جزاء علمه وفضله يا أرحم الراحمين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين .

الرابط المختصر :