العنوان منابر الجمعة بين الواقع والطموح
الكاتب عز الدين مصطفى جلولي
تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2004
مشاهدات 66
نشر في العدد 1597
نشر في الصفحة 56
السبت 17-أبريل-2004
نداء الجمعة من شعائر الأمة الإسلامية التي خصها الله تعالى به, منذ أن نزلت الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الجمعة: 9)؛ فتميزت صلاة الجمعة بالفرضية العينية على كل مكلف، وغدت مشهدًا مهيبًا يعيشه المسلمون في كل أسبوع, لا يضاهيه تجمعهم في الصلوات الخمس المكتوبة بحال.
قصرت صلاة الظهر في يوم الجمعة ركعتين, تسبقهما خطبة تتخللها استراحة خفيفة للخطيب، لتصبح كأنها خطبتان، وفي ذلك حكمة بالغة سيأتي بيانها, إن رسالة خطيب الجمعة مهمة وخطيرة، وأي خلل في هذه الرسالة يرتد سلبًا على وظيفتها التي من أجلها وجدت في حياة المسلمين، الذين سيكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليهم شهيدًا.
زخم إعلامي هائل
لم تعد الحياة العقلية التي يحياها الناس في هذا الزمان حياة بسيطة ساذجة، على غرار حياة البادية ووداعتها، بل أصبحت حياة معقدة متشابكة, في عقل كل منا مزيج متلاطم أو متناغم من الأفكار ذات الجذور المختلفة: الأصيل منها والدخيل, الجديد منها والتليد, الغربي منها والشرقي, المعروف منها والمجهول, البسيط منها والمعقد... إلى ما هنالك من ألوان لا يحدها حد ولا يحصرها عد، وللإعلام دور بارز في تلوين حياتنا المعرفية بكل جديد, أضفاه زخم هائل من القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت التي تتسلل من دون استئذان إلى عقولنا وبيوتنا من كل حدب وصوب.
وفي هذا الجو الثقافي المفعم بالتنوع تصنع ذهنية الأفراد والجماعات، ويتشكل الرأي العام الذي يحسب له ألف حساب في السياسات الدولية والمحلية, وفي هذا الجو العاصف تعيش أمتنا عارية الصدر والظهر, غير محصنة من أي ملوثات فكرية قد تنخر عظامها، وتعشش في كيانها فتهد من عنفوانها، وتجعلها أمة مدجنة مهينة تسير في مؤخرة الركب، وتنقاد بسهولة ويسر.
هل يعي خطباء الجمعة واجبهم؟
فأي منبر غير منبر الجمعة، ينبري للدفاع عنها، ويجعلها على المحجة البيضاء فتبصر النور وتدرك الأخطار والتحديات التي تحدق بها؟ وأي منبر غير الجمعة، لم تصادر إرادته، ويغدو منبرًا للتضليل والتدجيل؟ فهل يعي خطباء الجمعة واجبهم حقًا تجاه أمتهم؟ وهل هم في مستوى الحدث الذي يعيشه الناس؟ أم أنهم أصبحوا أدنى من ذلك وأقرب إلى خطباء الصالونات, ممن احترفوا الخطابة وجهلوا وظيفتهم وتواطؤوا على تجهيل مجتمعاتهم؟
وإذا رحت تدقق نظرك في واقع الخطباء اليوم، وأخذت تفكك عناصر خطبهم نهار الجمعة إلى مستويات المباني والمعاني؛ فإنك ستجد في الأغلب الأعم ما يدهش ويدعو للعجب، ويؤكد وجود مشكلة في هذه الشعيرة العظيمة في حياة المسلمين، فالخطبة تبدأ وتنتهي ضعيفة هزيلة, لا لغة فيها متناسقة أو مترابطة، فهي فصحى أقرب إلى العامية. أو عامية سمجة ليس فيها ما يشد السامع ويهز المشاعر, يطغى فيها التكرار والاستناد إلى الشواهد لملء الفراغ، ويكثر فيها الإطناب في قضايا تعود الناس سماعها وعرفوها, والإيجاز فيما يحتاج الناس إليه والاستفاضة فيه, تلمس من وراء الكلمات ما يخشاه الخطباء من ممنوعات, وتشعر في معاريضهم سطوة الرقابة وخوف السلطان, حتى غدا الخطيب في حس الناس ظاهرة صوتية اعتادوا سماعها كل أسبوع، ولو خيروا بين المجيء أو عدمه لآثروا الخلود في البيوت أو متابعة الأعمال!
ولست بحاجة لتعلم أن الخطيب حضر الخطبة أم لا، فالتحضير الحيد تلمسه من المدخل، ومن تسلسل الأفكار وترابطها، وفي حيوية الشواهد وتنوعها، وفي مناسبة القصة وملاءمتها ، تلمس التحضير الجيد في أوراق يعدها الخطيب ويحضرها من دون استحياء, معرضًا عما يتوهمه مجموع الخطباء من أن الورقة قيد ودليل ضعف, وكأن الارتجال وعدم التركيز دليل مهارة وإبداع؟! تلحظ مع ذلك كله بُعد العظة عن الواقع، والاستغراق في شرح الآية أو الحديث أو رواية القصة وكأنك تُحمل إلى التاريخ, ولا صلة لك بالحياة التي تعيشها والواقع الذي تحياه، هذا مع البساطة في الشرح والتحليل لأناس اعتادت عقولهم وقلوبهم متابعة إعلام عالي المستوى, عميق التحليل, حديث العهد بالحوادث, وعلى سماع خطب رنانة فريدة هنا أو هناك من عالمنا الإسلامي تبثها فضائيات في بعض المناسبات.
لذلك كله ترى على محيا الحاضرين الملل والشرود، واللامبالاة بالمقولات التي تلقى عليهم، وارتحالهم في خيالات لذيذة يقتلون فيها وقت الانتظار وعدم التفاعل مع مشاهد الحق التي تصلهم باهتة هزيلة, وتراهم يتحركون عندما يزف إليهم الخطيب خاتمة الخطبة التي لا تعرف إلا بالدعاء أو الدعوة إلى إقامة الصلاة، مما يكرره الخطباء على مسامع الناس لازمة لطالما عرفوها قفلًا وإيذانًا بالخلاص. وما أسرع ما ينسى المسموع عقب الصلاة، وتتلاشى معالمه في طريق العودة, الذي يتزاحم الناس إليه بعد التسليم من الصلاة؛ فيكونون بذلك آخر الحاضرين وأول المغادرين، وهم يقولون بلسان المقال والحال: «يالله.. خلصنا».
ترى هل كانت هذه المنابر منابر الرسول حقًا؟ وهل يعقل أن يكون في هذه النماذج من الخطب ما ينير العقول ويحيي القلوب، ويرفع الأمة إلى مستوى التحديات؟ الجواب بالنفي قطعًا. فأي خطبة نريد فعلًا، وهل لنا أن نرسم معالم خطبة نموذجية ناجحة يهتدي بها هؤلاء؟
شروط الخطبة الناجحة
إن أول شرائط الخطبة الناجحة: اختيار الخطيب المناسب، الذي أُعد إعدادًا علميًّا وروحيًّا وأدائيًّا لهذه المهمة، والكف عن تسليم المنابر لأي خريج, بمجرد أنه يحمل شهادة شرعية لا ندري كيف نالها، ولأية غاية تحصل عليها. إن من مظاهر الإخلال بهذا الشرط, التنافس على صعود المنابر، وكأن الخطابة وظيفة يسترزق منها ويقتات بها, أو كان المنبر مسرح تنال به الوجاهات والمكانات الاجتماعية المميزة. ومن مظاهر الإخلال به أيضًا التباهي الذي نسمعه على ألسنة الناس ويحبه الخطباء؛ إنه خطيب جامع «كذا», في محلة «كذا»... وكأنها بطاقة هوية تحمل وتبرز وتقضى بها الحوائج!
وثاني هذه الشرائط التخطيط الجيد للخطبة، تخطيطًا يسبق الموعد بأيام، وأكاد أقول إنه يستغرق أسبوعًا من القراءات والتمرينات على كل الأصعدة: الشرعية والوعظية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية... وغير ذلك مما يحتاجه الناس, ويتناسب مع الحدث الذي عاشها المجتمع، إن الارتجال أو القراءة السريعة قبيل صلاة الجمعة، وتخيل قضايا عاشها الناس من دون دراسة وتروٍ... كل ذلك يضعف الخطبة، ويجعلها تقتل ولا تحيي، تنفر بدل أن تبشر, تقرع الآذان بأصوات المكبرات بدل أن تعلم الناس وتربيهم.
إذا دققت نظرك في خطب اليوم.. ستجد في الأغلب ما يدعو للعجب!
ومما يلحق بهذا البند ضرورة تسلسل عناصر الخطبة تسلسلًا بنائيًّا، داخل الخطبة الواحدة, وضمن سلسلة الخطب المتلاحقة عبر الجمع، ينبغي للخطبة أن تكون ذات أهداف مقصودة تعالج مواطن الجرح في حياة الناس، وتداعب مكامن الإحساس في نفوس الحاضرين. إن الخطيب مرب قبل أن يكون متكلمًا، وما يقوله اليوم ليس رمية في هواء أو صيحة في واد، بل هو بناء محكم يبتغي من ورائه إنتاج مجتمع راشد ننشده, وإصلاح أمة أفسدتها القرون البائسة التي عاشت فيها ألوانًا من المذلة وصنوفًا من العذاب.
إن الاستراحة بين الخطبتين سكتة تأمل يمكن للخطيب استغلالها ليخصص في الخطبة الأولي موضوعًا تربويًّا هادفًا, يأخذ الناس منه عظات وعبرًا تفيدهم في الحياة, وتعرفهم على مراد الله من وجودهم، ثم يجلس بعد ذلك ليستأنف الحديث عن واقعهم, ويبصرهم بواجبهم تجاه ما تحياه أمتهم من مآس وانتصارات, مستهلًا حديثه عن قضايا المسلمين في العالم بأسره مخبرًا ومحللًا, ومعرجًا بعد ذلك على واقع الحاضرين في كل جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, مزودًا إياهم بأدوات للتفكير الصحيح ومنهج للتحليل يتلمسون به مصالح المسلمين؛ ليتنبهوا إليها ويرعوها حقها, فيعملوا ما من شأنه أن يحافظ عليها ويحميها وينتزعها من الطغاة والظالمين.
من شروط الخطبة الجيدة: حسن الإعداد.. ربطها بالواقع.. تسلسل عناصرها وقوة الاستدلال
ومن شرائط الخطبة الناجحة ثالثًا: ألا تبدأ من حيث يبدأ الخطيب كلامه عادة, وتنتهي بالدعوة إلى الصلاة كما هو شائع، بل إن الخطيب الذكي يستطيع أن يجعل كلماته حية طوال الأسبوع أو الأسابيع القادمة، إذا اتخذ من المنشورات وسيلة لذلك؛ فيعمد إلى تلخيص خطبة الأسبوع، ويرفقها بفتاوى وإجابات عن تساؤلات الناس خلال الأسبوع, فينال المصلون عقب صلاة الجمعة زادًا مكتوبًا لهم ولأهاليهم، فيساهمون في نشر الوعي الذي سمعوه، ويبلغ الشاهد منهم الغائب، ويستطيع الخطيب التحايل في هذا على الرقابة والسلطات المستبدة بشتي الوسائل المشروعة والقانونية، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
وللخطيب أن يحول هذه المناسبة الربانية التي وهبها المولى عز وجل للمجتمع الإسلامي، إلى محفل حقيقي يحيي فيه المصلون المناسبات الدينية والاجتماعية والتاريخية المحببة إلى النفوس والعبقة بالذكريات والأمجاد؛ فيقوم بتنشيط الناس بأشكال مختلفة وحسب المتاح, من تجمعات أو مسيرات أو ندوات أو لقاءات أو جمع تبرعات... ويمكنه إضافة إلى ذلك أن يدعوهم إلى المشاركة في احتفالات وطنية واجتماعية مما يهم الرجال والنساء, على شاكلة عقود القرآن وإصلاح ذات البين والاحتفاء بالمتخرجين والموهوبين.. وغير ذلك من اهتمامات.
ولا ننسى أن نشترط على الخطيب رابعًا: الالتفات إلى نفسه والاعتناء بها تعليمًا وتهذيبًا، وليكن أكثر الناس حبًا للعلم والعمل, لا يفرق بين مهمته الدينية والقيام بأعمال دنيوية واقتصادية، يهتم بشكله وجسده, ويوازن بين عمله الاجتماعي والأسري، ولا ينسى حظه من اللهو المباح والسياحة المفيدة.
ولا يستغرق في العطاء وخدمة الناس ويغفل تأهيل قدراته المعرفية والمهاراتية: كترسيخ قدمه في العلوم الشرعية، والاطلاع المنهجي على علوم أخرى, ومتابعة المستجدات في الصحف والمجلات والقنوات، والمشاركة في الدورات التدريبية الهادفة إلى تعليم فنون الإلقاء والحوار والتعامل مع الناس, والتدرب على السبل العلمية في حل مشكلات المرأة والرجل والطفل.. بما يكفل للمجتمع حياة إسلامية ينعمون فيها بالله، بدل شقائهم في الجهل والأحلام البعيدة المنال. بذلك كله تصبح للخطيب مكانته بين الناس، ويغدو للخطبة دورها في استنهاض الأمة، والسعي بها إلى الموقف الحقيقي مما يدور حولها ويراد بها؛ لتبلغ قمة الركب الذي أراده لها الحق تبارك وتعالى عندما قال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110).