; من | مجلة المجتمع

العنوان من

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1997

مشاهدات 65

نشر في العدد 1269

نشر في الصفحة 65

الثلاثاء 30-سبتمبر-1997

مَن؟

نقوش على جدار الدعوة

من يُحيي السنة؟

من يُميت البدعة؟

من يقوم بواجب الدعوة إلى الله؟

من يزرع الخير بين الناس؟

من يجتث الشر من حياة الآخرين؟

من يُطفئ نار الأحقاد في الصدور؟

من يبعث الهمم العالية في الأجيال القادمة؟

من يُزيح عن الأنفاس كابوس الطغاة، وظلم العتاة، وتجبر المستكبرين؟

من يُضحي من أجل الأمة ويرفع كرامتها أمام الصهاينة؟

من يفتدي المقدسات في القدس والخليل؟

من يتخلى عن المكاسب ويترك المطامع، ويتحلى بالإيثار، ويصبر على ما يصيبه من الإيذاء والهلاك والبوار؟

من يُؤلف القلوب على محبة الدين إن فرقتها الأهواء، ومزقتها الشيع، وأججت العصبية بينها نار العداء؟

من يبذل من ماله دائمًا ومن دمه أحيانًا وحريته كثيرًا في سبيل الحق والعدل والكرامة الإنسانية للجميع؟

نقول إجابة عن هذه التساؤلات: إن أناسًا نذروا أنفسهم لله، هم وحدهم القادرون على صنع هذه الأشياء، لأنهم يعيشون لغيرهم ويحملون هموم أمتهم، ولا يعيشون -فقط- لتحقيق مآربهم الذاتية ومطامعهم الشخصية، فمن عاش لنفسه عاش صغيرًا ومات صغيرًا، ومن عاش لأمته عاش كبيرًا ومات كبيرًا، وأثنى عليه الناس خيرًا، وخلدوا سيرته، وتدارسوا أعماله، وقد يؤيدونها كلها أو يخالفونه في بعضها، ولكنه يلقى من الناس التقدير والاحترام سواء وافقوه في مسعاه، أم خالفوه في اتجاهه ومنحاه.

وأمثال هؤلاء- والحمد لله- ليسوا قلة في الأمة الخيرة، بل إنهم لكثرة كاثرة غير أن طريقهم فيها عقبات، إذ تواجههم الشكوى الدائمة من قلة الطاقات، وتعطل القدرات، وكثرة الأعباء والمسؤوليات وهي علل غير حقيقية، لا تثبت أمام الواقع إن نحن فتحنا الطريق أمام القيادات الشابة، وأفسحنا لها صدرنا، ومكناها ودربناها على الأعمال القيادية في الدعوة.

والاهتمام بالقيادات الشابة، يعني إعطاءهم دورهم، وعدم عزلهم عن غيرهم، والابتعاد عن تضخيم أخطائهم، فصناعة القيادات الشابة مكسب عظيم على طريق استمرارية الدعوة، وحمل أعبائها ومسؤوليتها، وتخفيف للعب الواقع على كواهل الكبار، وتثبيت للمنهج وتوسيع لدائرته بين عناصر الشباب.

وصنع القيادات الشابة، وإعطاؤها دورها كان من منهج رسول الله ﷺ الذي ولّى أسامة بن زيد رضي الله عنهما قيادة جيش كان من بين جنده أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة السابقين رضوان الله عليهم أجمعين.

وجاء أبو بكر بعد رسول الله ﷺ فتمسك أشد التمسك بقيادة أسامة وأبى أن يستبدل به غيره، حين أشار عليه بعض الصحابة بذلك.

ولم يكن هذا المسلك من رسول الله ﷺ ومن خليفته الصديق إلا قدرًا من أقدار الله، أجراه على أيديهما لتتخذ منه الأمة نبراسًا لها في سيرها عبر العصور، وإلا فقدت حيويتها، وشاخت قيادتها، وتضخمت أعباؤها، وزادت تبعاتها، وضعفت عزيمتها، وفترت همتها، وافتقدت الجرأة في القرار، وجبنت عن السير في وسط الأخطار، ومالت إلى التردد، وجنحت- أحيانًا إلى التقاعس.

وإن صنع هذه القيادات الشابة في الحركة الإسلامية وإفساح المجال أمامها وإعطاءها حقها في التعبير والتقدير واتخاذ القرار من ألزم واجبات الحركة الإسلامية المعاصرة.

والتفريط في هذا الأمر تفريط في مستقبل الدعوة، وتسريب لطاقات عظيمة يمكن أن تكون رافدًا قويًّا، يعد الحركة بالنماء والعطاء، وقد يكون تضييعًا لجهود كثيرة تتجه -حين تسد الأبواب في وجهها- إلى تيارات أخرى أو مسارات مخالفة، أو تنعزل على نفسها، دون أن يكون لها شأن بغيرها، فتصبح عبئًا على الحركة بدل أن تصبح دافعًا؛ لأن الترهل أصابها والعجز لحق بها.

إن الماء المندفع ما لم يجد مصبًا يصب فيه، فإنه قد يدمر أشياء في طريقه، أو يتوقف فيأسن، أو قد تتشربه رمال الصحراء فيضيع هباء بغير نفع، وكذلك الشباب إن لم نستوعب طاقاته، ونحافظ على قدراته وننمي عطاءه!!

وأولى بنا أن نستمر في صنع هذه القيادات للاستفادة من كامل طاقاتهم وإمكاناتهم.

وفي الختام ندعو جميع من كان له دور في دفع عجلة العمل الإسلامي إلى المجيء إلى الأم الحانية، والبناء الجميل، إلى مرتع الصبا حيث النشأة الأولى التي جعلها النبي ﷺ سببًا إلى التنعم بظل عرشه سبحانه و«شاب نشأ في عبادة الله.. الحديث». 

 

الرابط المختصر :