; ملوك الآخرة (33) الصفة التاسعة : ترك الإسراف | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة (33) الصفة التاسعة : ترك الإسراف

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 19-ديسمبر-2009

مشاهدات 94

نشر في العدد 1881

نشر في الصفحة 56

السبت 19-ديسمبر-2009

تناولنا في العدد الماضي صفة الإنفاق، كصفة بارزة من صفات عباد الرحمن، ونتناول في هذا العدد صفة ترك الإسراف، كصفة ملازمة لصفة الإنفاق.

● معنى الإسراف

يقول تعالى واصفاً عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) (الفرقان: 67).

يقول ابن منظور ، والسرف والإسراف مجاوزة القصد، وأسرف في ماله عمل في غير قصد، وأما السرف الذي نهى الله عنه، فهو ما أنفق في غير طاعة الله، قليلاً كان أو كثيرا. والإسراف في النفقة التبذير، والإسراف، أكل ما لا يحل أكله ).

ومن هذا يتبين أن معنى الإسراف يتحدد في المعاني التالية:

الأول: مجاوزة القصد، وتعدي الحدود.

 الثاني، ما أنفق في غير طاعة الله.

الثالث: أكل ما لا يحل أكله.

الرابع التبذير.

●  المتجاوزون للقصد

فكل من تجاوز القصد، وتعدى الحدود التي وضعها الله تعالى وحددها في شرعه للناس فهو مسرف، وعلى رأس هؤلاء الذين كفروا وأشركوا لذلك قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (طه: 127)، يقول الشيخ الزحيلي ، أي ومثل جزائنا من أعرض عن الذكر، نجزي من أسرف نعاقب من أشرك وأسرف في الانهماك في الشهوات والإعراض عن الآيات (٢).

ومنهم أيضا الذين يقترفون بقية المعاصي من غير الكفر والشرك، فهؤلاء أيضا متجاوزون للحدود التي وضعها الله، ومتجاوزون للهدف الذي خلقوا من أجله وهو (العبادة)، ولذلك فقد خلق كل جارحة في الإنسان ليستخدمها في الهدف الذي خلق من أجله، فخلق له السمع ليستمع إلى الحق فيعينه ذلك على العبادة وخلق له البصر ليبصر الحق، ويقرأ القرآن والحديث والمواعظ، فيعينه ذلك على العبادة وكذا بقية الجوارح، فعندما يتجاوز الحد ويستخدم هذه الجوارح في غير ما أراد الله.

فيستخدم اللسان للسب والشتيمة والغيبة والنميمة، وشهادة الزور، وما شابهها، فإنه قد أسرف، وكذلك من استعمل يده في البطش والظلم، فقد استخدمها في غير ما خلقت له فهو مسرف، وكذلك في بقية الجوارح . لذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ  إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا  إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  (الزمر: ٥٣)، أي الذين تجاوزوا الحدود التي وضعها الله، واستخدموا جوارحهم في غير ما أمر الله تعالى واقترفوا المعاصي.

يقول الشيخ المراغي مفسرا الآية السابقة أي قل أيها الرسول للمؤمنين الذين أسرفوا على أنفسهم وتجاوزوا حدود الله، فارتكبوا محارمه، وتركوا أوامره لا تيأسوا من مغفرة الله، فهو يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب إليه، ولجأ إلى جنابه (٣).

ويشمل المتجاوزون للحدود أيضاً المتجاوزون في المباح، كالطعام، والكلام، والأوقات والبناء وغيرها من الأمور المباحة، ومثاله ما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم عندما قال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا  إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (الأعراف: 31) وكذلك تجاوز الحد في هدر الوقت في المباح من الكلام، مما يؤثر على تضييع الوقت في أداء الواجبات أو النوافل وأعمال الخير.

● المنفقون في المعاصي

قال مجاهد رضي الله عنه  : لو أنفق رجل مثل أبي قبيس (1) ذهباً في طاعة الله لم يكن سرفاً. ولو أنفق صاعاً ) في معصية الله تعالى كان سرفاً (1)، بل لو أنفق الإنسان في المعصية فلساً واحداً لكان من المسرفين؛ لأنه وضع ذلك الفلس في غير طاعة الله.

●  ما لا يحل أكله

وهو من التجاوز للحد، فإن الله أحل طعاماً. وحرم آخر، فمن ترك الحلال من الطعام، وتناول الحرام فقد أسرف، خاصة أن الحلال أكثر من الحرام من الأكل والشرب. التبذير وهو ما تجاوز الحد في الإنفاق والبناء والملبس وغيره من الأمور. فعن وهيب بن الورد (۲) قال لعالم: ما البناء الذي لا سرف فيه؟ قال: ما سترك عن الشمس، وأكنك من المطر.

فقال له: فما الطعام الذي لا سرف فيه؟

قال: ما سد الجوعة.

فقال له في اللباس، قال: ما ستر عورتك ووقاك من البر.

ويضرب الإمام عبد الحميد بن باديس بعض أمثلة التبذير في الإنفاق فيقول: كمن أولم وليمة أنفق فيها جميع ماله، وأصبح بعدها هو وأهله للضيعة والحاجة، والثاني: كمن أولم وليمة دعته إلى الاستدانة، وإن كان يظن القدرة على الأداء، لأن الدين محذر، ومستعاذ منه (1).

وقد عاب الله على المبذرين عندما وصفهم بإخوان الشياطين، فقال: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ  وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (الإسراء: 27).

يقول الإمام القرطبي: «والتبذير إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير وهذا قول الجمهور، وقوله: « إخوان يعني أنهم في حكمهم، إذ المبذر ساع في إفساد كالشياطين أو أنهم يفعلون ما تسول لهم أنفسهم، أو أنهم يقرنون بهم غداً في النار، ثلاثة أقوال (١٠). وبسبب خطورة الإسراف وما يترتب عليه في جميع أنواعه ومعانيه، فعباد الرحمن هم أبعد الناس عن هذه الصفة.

الهوامش

(۱) لسان العرب ١٣٦/٢ ط. دار لسان العرب.

(۲) التفسير المنير ١٦ / ٢٩٤ ط. دار الفكر. (۳) تفسير المراغي ۲۲/۸ ط. دار الفكر. (٤) جبل كبير مطل على الحرم. (٥) الصاع ما يقارب الكيلوين وزناً.

(٦) التفسير الكبير للرازي ١٠٩/٢٤ .

(۷) وهيب بن الورد من العباد الحكماء من أهل مكة من أقران إبراهيم بن أدهم الأعلام . ١٢٦/٨

(۸) التفسير الكبير للرازي ١٠٩/٢٤ . (۹) تفسير ابن باديس ص ٣٥٦ .

(۱۰) تفسير القرطبي ٣٨٦٤/٦ .

الرابط المختصر :