العنوان ملوك الآخرة (36)- أوهام وردود (۲)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 13-فبراير-2010
مشاهدات 106
نشر في العدد 1889
نشر في الصفحة 54
السبت 13-فبراير-2010
ناقشنا في العدد السابق بعض الأوهام والأخطاء التي يعتمد عليها بعض الشباب في استحلال دماء المسلمين، ونكمل في هذا العدد بعض الأوهام الأخرى.
(۳) اغتيال كعب بن الأشرف
يستدل بعض هؤلاء الشباب الذين يستحلون دماء المسلمين بحادثة اغتيال اليهودي كعب بن الأشرف، والتي جاء فيها قول النبي: من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله، فقام محمد بن مسلمة، فقال: يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: «نعم». قال: فأذن لي أن أقول شيئًا. الحديث (1).
لقد سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله عمن استدل بهذه الحادثة على جواز الاغتيال فقال: «ليس في قصة قتل كعب دليل على جواز الاغتيالات، فإن قتل كعب بن الأشرف كان بأمر الرسولﷺ، وهو ولي الأمر وكعب من رعيته بموجب العهد، وقد حصلت منه خيانة للعهد اقتضت جواز قتله كفًا لشره عن المسلمين، ولم يكن قتله بتصرف من أحاد الناس، أو بتصرف جماعة منهم من دون ولي الأمر، كما هو حال الاغتيالات المعروفة اليوم في الساحة، فإن هذه فوضى لا يقرها الإسلام لما يترتب عليها من المضار العظيمة في حق الإسلام والمسلمين» (٢).
ومن هذا يتبين أن الاستدلال بهذه الحادثة في قتل الأبرياء من المسلمين باطل، حيث إن الحادثة دلت على الأمور التالية:
أ- الأمر بالاغتيال جاء من ولي الأمر، وليس باجتهاد أحد رعيته، ولولا إذن النبي ﷺ المحمد بن مسلمة بقتل كعب، لما أقدم على ذلك، ودليله قوله: «أتحب أن أقتله».
ب- كعب بن الأشرف خان الأمانة، ونقض العهد الذي بينه وبين الرسول ﷺ ، واتفق سرا مع قريش وبقية القبائل لقتال النبي ﷺ ، وهجا النبي ﷺ ، فاستحق بذلك القتل.
ج- وكعب بن الأشرف كافر بلا خلاف وإضافة إلى ذلك فهو محارب، بينما الذين يقتلون في الانفجارات مسلمون موحدون وليسوا بمحاربين.
د- إن قتل كعب بن الأشرف لم يترتب عليه بلاء ومذابح للمسلمين، واضطهاد، وملاحقة وتضييق، بل حدث في ذلك عزة ومنعة، ولكن المشاهد للاغتيالات الحادثة في هذا الزمان سواء للمعاهدين أو المسلمين في الدولة الإسلامية أو غيرها، وما يترتب على ذلك من محن يدرك أن الأمر مختلف تمامًا.
(٤) غلام الأخدود
ويستدلون بجواز قتل أنفسهم وغيرهم بحادثة غلام الأخدود، فقد دل الطاغية على قتل نفسه فقال له: إنك لست بقاتلي، حتى تفعل ما أمرك به !! قال: وما هو ؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إن فعلت ذلك، قتلتني. إلى آخر القصة (۳)، ونرد على ذلك بالآتي:
أ- الغلام لم يقتل نفسه، ولكنه بين للطاغية أنه لن يستطيع قتله إلا بهذه الطريقة، وربما كان ذلك من غلبة الظن في نفسه أنه مقتول لا محالة، فأراد أن يظهر الدين والحق بعد قتله والله أعلم. ووقع حقًا كما توقع فدخل الناس في الإسلام كما جاء في سياق القصة.
ب- عندما قتل الغلام لم يقتل معه المسلمون البريئون كما يحدث في زماننا هذا عندما تنفذ العمليات الانتحارية، فيموت العشرات من الأبرياء، بل إن المسلمين قتلهم الطاغية، وليس بسبب مقتل الغلام قتلهم لأنهم دخلوا الإسلام.
ج- لقد ترتب على مقتل الغلام خير كثير بدخول الناس كلهم بالإسلام، ولكن أين الخير الذي يترتب على عمليات التفجير التي تقع في الدول الإسلامية وغيرها؟
(٥) يبعثون على نياتهم
ويقول بعضهم: نحن لا نرى قتل المسلمين ولا نستحل دماءهم، ولكننا لا نستطيع الوصول إلى الكفار المحتلين إلا بقتل المسلمين، فيجوز لنا والحال كذلك من قتل بعض المسلمين ثم إنهم يبعثون على نياتهم، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن الجيش الذي يغزو الكعبة يخسف الله به في البيداء، والشاهد قول الصحابة رضي الله عنهم عندما سمعوا هذا الحدث: يا رسول الله إن الطريق قد يجمع الناس. قال: «نعم، فيهم المستبصر (4)، والمجبور (5)وابن السبيل (6)، يهلكون مهلكا واحدا (7)، ويصدرون مصادر شتى (۸)، يبعثهم الله على نياتهم (9).
ونقول: إن هذا الحديث الذي يستدلون به على إباحتهم للدماء البريئة، ليس مطابقا لما يقومون به من عدة وجوه:
(أ) إن هذا الخسف أمر رباني، وليس بتدبير البشر، كما يفعلون بالتفجير والنسف والله هو الخالق للبشر، وله الأمر بما يفعل، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وله أن يميت من يشاء ويحيي من يشاء، وليس هذا للبشر، فالقياس بذلك فاسد.
(ب) الله الحكيم سبحانه يعلم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون، فهو يعلم ما يعقب هذا الخسف.
وله حكمة في كل ما يفعل، فهل يقارن فعل الله وحكمته بفعل البشر؟! وهل حكمة من يقوم بتلك الاغتيالات والانفجارات ظنية أم يقينية؟ فإن قالوا: يقينية، فقد ادعوا علم الغيب. وإن قالوا: ظنية، فكيف تقومون بعمل ظني وتعلمون أنه ستزهق فيه أرواح بريئة تسألون عن دمائها يوم القيامة؟
هذه بعض وليست كل الأوهام والأدلة الخاطئة التي يستدل بها من أباح قتل الأبرياء من المسلمين والمعاهدين ومن شابههم. بينما عباد الرحمن يدركون تمامًا الضوابط الشرعية في سفك الدماء، ويعلمون حدود ذلك، لذلك يبتعدون أشد البعد عن قتل النفوس البريئة.
الهوامش
(۱) رواه البخاري «فتح الباري ٤٠٣٧-كتاب المغازي».
(۲) فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة ص ١٠١.
(3) القصة كاملة جاءت في حديث مسلم، كتاب الزهد، رقم (٣٠٠٥).
(٤) المستبين لذلك القاصد له عمدًا.
(٥) هو المكروه الذي أجبره ولي أمره
(٦) سالك الطريق وليس منهم.
(۷) أي يقع الهلاك عليهم في الدنيا جميعًا.
(۸) أي يبعثون مختلفين على قدر نياتهم.
(۹) رواه مسلم، كتاب الفتن، رقم ( ٢٨٨٤).