العنوان ملف باكستان 10.. باكستان بعد الانقلاب.. إلى أين؟
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر السبت 06-أغسطس-1977
مشاهدات 97
نشر في العدد 361
نشر في الصفحة 26
السبت 06-أغسطس-1977
كتب مراسل المجتمع
قام الجيش الباكستاني برئاسة قائد أركان الجيش الباكستاني الجنرال محمد ضياء الحق بالانقلاب في باكستان وأطاح بحكم بوتو، عقب فشل التحالف الوطني في التوصل إلى تسوية مع بوتو لإنهاء الأزمة التي تسود باكستان مند السابع من مارس الماضي، أى اليوم الذي أجرى فيه انتخاب الجمعية الوطنية وجاءت نتائجها مزورة لم يقبلها الشعب الباكستاني، بل أعلن ثورته ضدها تحت زعامة التحالف الوطني وبقى يطلب إلغاء تلك النتائج وإعادة الانتخاب من جديد. وقامت في باكستان حركة شعبية شاملة تحارب بوتو وإجراءاته، وشاركت تلك الحركة كافة الطبقات في باكستان من المشائخ، والمحامين والأساتذة، والعمال، والفلاحين، والطلاب، والتجار، والرجال والنساء. وكلما زاد نظام بوتو في قمع الحركة بوسائل الحديد والنار زادت الحركة قوة واشتدادًا إلى أن ظلت جميع أرجاء باكستان تهتز بالمسيرات والإضرابات وامتلأت السجون بالمعتقلين. وقد بلغ عددهم مائتي ألف معتقل. كما نال المئات من الشباب المسلم الشهادة في هذا السبيل.
وكانت الحركة تنادي بأمرين أساسيين:
أ: إعادة الانتخاب من جديد كي يتسلم الحكم الممثلون الشرعيون محل الممثلين الذين فازوا بالتزوير.
ب: تطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان التي أُسست على أساس الإسلام.
وبما أن الشعب كان واثقًا من أن بقاء بوتو في رئاسة الوزارة لا يضمن إجراء الانتخاب بنزاهة وعدالة؛ لذلك كانت مطالبة إعادة الانتخاب مقرونة باستقالة بوتو من رئاسة الوزراء، واستمرت الحركة على قدم وساق من السابع من مارس إلى الثالث من يونيو، أي يوم قبل فيها التحالف الوطني الدخول في المفاوضات مع بوتو بعد أن أعلن بوتو موافقته على إعادة الانتخاب، وقد دخل التحالف الوطني في المفاوضات على الرغم من أن الشعب لم يكن يرتاح إلى هذا القرار نظرًا لما جرّب الشعب من بوتو من مظاهر الالتواء والمراوغة ونقض الوعود في كل موقف من المواقف الحساسة. واستمرت المفاوضات في دورات عديدة شهرًا كاملًا من 3 يونيو إلى ليلة الانقلاب (5 يوليو) وكانت لجنة المفاوضات مكونة من ستة أعضاء: ثلاثة من الحكومة وهم ذو الفقار علي بوتو، واثنان من وزرائه، وثلاثة من التحالف الوطني وهم: المفتي محمود رئيس التحالف الوطني، ورئيس الحزب الديمقراطي الباكستاني)، والبروفسور عبد الغفور أحمد الأمين العام للتحالف (من زعماء الجماعة الإسلامية).
والنقاط التي تناولتها لجنة المفاوضات للنقاش هي كما يلي:
1- حل الجمعية الوطنية والجمعيات الإقليمية في 15 من يوليو 1977م.
2- انتخاب الجمعية الوطنية الجديدة في 8 أكتوبر وانتخاب الجمعيات الإقليمية في 10 أكتوبر.
3- تنازل الأعضاء الجدد عن عضوية مجلس الأعيان، وهم الأعضاء الذين انتخبوا من الجمعية الوطنية الحاضرة.
4- تكوين لجنة المتابعة المسؤولة عن تنفيذ بنود الاتفاقية.
5- تعيين حكام أقاليم جدد بالموافقة من التحالف الوطني.
6- سحب الجيش من بلوجستان في فترة لا تزيد عن خمسة وأربعين يومًا بعد إعلان الاتفاقية.
7- حل الجمعية في كشمير الحرة وإجراء انتخابها من جديد في 15 يوليو.
8- سحب جميع التعديلات التي أدخلت على دستور باكستان لتحديد صلاحيات القضاء.
9- إلغاء حالة الطوارئ.
10- إلغاء القانون الغاشم «قانون دفاع باكستان» وتشكيل لجنة تنظر في قضايا المعتقلين بموجب هذا القانون.
11- إلغاء المحاكم ولجان القضاء.
12- إلغاء التعديل الذي أدخل على القانون العسكري لعام 1952م.
13- تسريح جميع المعتقلين السياسيين الذين قُبض عليهم خلال الحركة.
14- تعويض مالي للمتضررين، وكذلك لورثة الذين نالوا الشهادة خلال الحركة.
15- السماح للذين أجلوا من باكستان في فترات مختلفة بالعودة إلى وطنهم.
16- لا يُعتقل شخص بناءً على قيامه بالنشاط السياسي أثناء المعركة الانتخابية، كما لا يفرض حظر على استخدام مكبرات الصوت ومزاولة النشاط السياسي.
17- حرية الصحافة ونشر الكلمة، وإعادة الرخص للجرائد التي أُلغيت رخصها، وكذلك إطلاق سراح الصحفيين الذين اعتقلوا بتهمة الجهر بالحق، وكذلك إطلاق سراح أصحاب المطابع الذين اعتقلوا بتهمة طبع الجرائد الحرة، وإعادة مطابعهم وعقاراتهم المحجوزة إليهم، وإعادة الغرامات المالية التي أخذت منهم.
18- استخدام كافة وسائل الإعلام الرسمية من الإذاعة والتلفزيون والجرائد على قدم المساواة لنشر أخبار ومقالات لكل من حزب الشعب الحاكم والتحالف الوطني المعارض.
19- تشجيع النشاط النقابي بموجب القانون وإلغاء الحظر المفروض على هذا النشاط والإفراج عن زعماء العمال والفلاحين والمسجونين.
20- تعيين أعضاء المجلس الانتخابي بالتشاور مع التحالف الوطني.
21- منح المجلس الانتخابي الصلاحيات الكافية في الشؤون القانونية والإدارية والمالية لإجراء الانتخاب بنزاهة وعدل وأمانة.
22- إعطاء المجلس الانتخابي الحق في استخدام القوات المسلحة لحماية مراكز التصويت وصناديق الأصوات.
23- المجلس الانتخابي هو الذي يملك إعلان النتائج الانتخابية، ولا يحق لأي قسم من أقسام الإعلام كالإذاعة والتلفزيون والجرائد الرسمية أن ينشر النتائج إلا بموجب البيان المكتوب من قبل المجلس الانتخابي.
24- إلغاء جميع الشكاوى التي قُدمت من المرشحين في الانتخاب الماضي للنظر في قضاياهم.
25- يجوز للتحالف الوطني أن يقدم القائمة بجميع الموظفين الحكوميين الاتحاديين أو الإقليميين الذين مارسوا أنواع الظلم والعدوان بعد السابع من يناير 1977م، وإذا ثبت بعد إجراء التحقيق اللازم أنهم مارسوا الظلم والعدوان يعاقبون إداريًّا أو قانونيًّا.
26- إلغاء جميع رخص الأسلحة التي أصدرت بعد الأول من يناير 1977م وإيداع جميع الأسلحة التي أحرزت بموجب تلك الرخص لدى الجهات المسؤولة.
27- وضع قوات الأمن الاتحادية تحت إمرة القيادة العامة للقوات المسلحة.
28- إدخال التعديلات اللازمة على دستور باكستان لإعطاء الاتفاقية حصانة دستورية.
لماذا طرحت المعارضة هذا المشروع الطويل للتسوية؟
الجواب على هذا أن المطلب الشعبي وإن كان يقتصر على استقالة بوتو وتجديد الانتخاب، إلا أنه لما رأت المعارضة أن بوتو لا يستقيل بسهولة رغم الثورة العارمة ضده تراجعت عن مطالبتها بالاستقالة وركّزت على إرغام بوتو على وضع جهاز انتخابي جديد بجعل التزوير واستخدام العنف أمرًا صعبًا إن لم يكن مستحيلًا.
وكل النقاط التي ذكرناها آنفًا تدور حول هذه الفكرة، ولما لم يقبل بوتو مشروع الجهاز الانتخابي الذي وضعه التحالف الوطني لم يرتض التحالف إلى قبول النقاط الأخرى للتسوية لعدم جدواها بدون ذلك الجهاز.
واستغرق الحوار بين الطرفين شهرًا كاملًا، ولعب البروفسور عبد الغفور أحمد من الجماعة الإسلامية وأحد أعضاء لجنة المفاوضات دورًا كبيرًا في شرح موقف المعارضة أمام بوتو، ولكن الرئيس بوتو على عادته ظل يتقلب من طور إلى طور لكسب الوقت، كما أنه وزع الكميات الهائلة من الأسلحة الفتاكة بين أنصاره من حزب الشعب، وبين قوات الأمن الاتحادية التي تعتبر بمثابة الحرس الأحمر في البلاد الشيوعية.
وقبل أن ينتهي الحوار ويتوصل الطرفان إلى تسوية نهائية قام بجولة في بعض البلاد العربية كالسعودية وليبيا ودولة الإمارات المتحدة والكويت وإيران وأفغانستان. وتقول المصادر المطلعة إن زيارة بوتو للدول العربية كانت تغطية لزيارة إيران؛ إذ أن الهدف من تلك الجولة كان إيران فقط، وإيران لها علاقة وثيقة مع قضية بلوجستان، ثم إن إيران تعتبر صديقًا للنظام في باكستان. ولعل تصريح بوتو في إحدى الجلسات البرلمانية بأن إيران حشدت قواتها على حدود باكستان أثار سخط إيران.
وبالتالي اضطر الرئيس بوتو لتفسير تصريحه بما يطمئن صديق باكستان. وللسعودية والكويت دور ملموس في جلب الطرفين إلى مائدة المفاوضات. وهذا الدور كان على جانب من الحياد بينما موقف الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كان في تأييد بوتو بموجب تصريحه الصادر قبل وصول بوتو أبو ظبي قال فيه الشيخ زايد: «لسنا وحدنا مع بوتو بل العالم الإسلامي كله مع باكستان» (يقصد فيه النظام)، ومن الملاحظة أن هذا التصريح بعث الاستياء الشديد في الجماهير في باكستان. وهنا تساؤل يطرح نفسه: من هو المسؤول عن فشل المفاوضات؟ ولا نجد الكثير من الصعوبات في الحصول على الرد على هذا التساؤل. وهو أن بوتو هو المسؤول عن تطوير الأمر إلى أن اضطرت القوات المسلحة إلى الدخول في الموضوع.
وكما سبق أن ذكرت إن التحالف الوطني عندما دخل المفاوضات تنازل عن مطالبته باستقالة بوتو إذا أعطى له الأخير ضمانات قوية لإجراء الانتخاب القادم بكل نزاهة وأمانة. وكان للسيد بوتو أن يستفيد من هذا التراجع ويقنع المعارضة بعدم التزوير في الانتخابات، بإعطائهم ضمانات كافية للانتخاب النزيه، وبالتالي كان له أن يستعيد اعتباره الضائع لدى الشعب.
ولكن بوتو وأعوانه من حزب الشعب خانهم التوفيق. وكل نداء وُجه إليهم من المخلصين ضربوه عرض الحائط، وقست قلوبهم، ولم يتنازلوا عن إعلانهم المشهور وهو «نحن أو الدمار» ولكن الله أخذهم من حيث لا يحتسبون.
ومن الغريب في الأمر أن النقطة الوحيدة هي التي سببت فشل التسوية، وهي صلاحيات لجنة المتابعة؛ فالرئيس بوتو لم يقبل منح لجنة المتابعة كل الصلاحيات القانونية والإدارية والمالية حسبما طلبها التحالف الوطني، بينما كان التحالف الوطني لم يستعد لقبول التسوية بدون تلك الصلاحيات. ولأجل هذا الخلاف عادت الظروف تتأزم من جديد، ثم محاولات توزيع الأسلحة بين رجال حزب الشعب وجعل قوات الأمن الاتحادية على أهبة الاستعداد لاتخاذ أي إجراء حاسم أثار موجات القلق والاضطراب في الشعب، وبالتالي أصبح الشعب أيضًا يعد العدة لمجابهة الوضع الجديد بكل ما يملك من قوة معنوية. ومن ناحية أخرى كان الجيش ينظر إلى الأحداث بقلق واضطراب وينتظر نجاح الحكومة والمعارضة في إيجاد تسوية ترضيهما. وكما تقول الإشاعات إن الجيش كان قد وجّه في الآونة الأخيرة نداء إلى الحكومة للتوصل إلى التسوية بأسرع ما يمكن، ولكن بدون جدوى. وفي النهاية عيل صبر الجيش ولم يسعه إلا الإطاحة بحكم بوتو الغاشم الذي لم يتورع عن قتل الأبرياء وتعذيب المسلمين الذين لا ذنب لهم إلا أنهم استنكروا الغش والتزوير وطالبوا بتطبيق النظام الإسلامي، وقدّموا في هذا الصدد تضحيات جسيمة. وليلة الخامس من يوليو تحرك الجيش من ثكناته، وحاصر المنشآت الحساسة كمبنى الإذاعة والتلفزيون، وإدارة البرق والبريد، ومقر رئيس الوزراء. وإن الوحدة التي كانت تحرس مقر رئيس الوزراء هي نفسها التي تولّت اعتقال بوتو الذي استسلم لها على فوره. وعز من قائل: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: 173) وشملت الاعتقالات العديد من وزراء بوتو ورجال حزبه وموظفي الحكومة كما حلت قوات الأمن الاتحادية (القوات التي يصفها الناس بجيش بوتو الشخصي)، كما قبض على خمسة من زعماء التحالف الوطني، منهم المفتي محمود رئيس التحالف الوطني، والبروفسور عبد الغفور أحمد الأمين العام للتحالف الوطني وعضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية.
ومن المشاهد الغريبة أن الشعب الباكستاني عندما سمع نبأ انتهاء حكم بوتو واعتقاله انفجر فرحًا وسرورًا، وما من مدينة في باكستان أو قرية من قراها إلا وتراها لابسة حلل الابتهاج ومزينة بأنوار الأفراح، والناس لا يزالون يوزعون الحلويات شاكرين الله سبحانه وتعالى، حيث يجري على ألسنتهم قول الله عز وجل: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 45)، وقائد الانقلاب الجنرال ضياء الحق أعلن في خطابه الأول الموجه إلى الشعب من الإذاعة والتلفزيون مساء الخامس من يوليو:
إنه ما جاء الحكم إلا لأجل إجراء الانتخاب في أول أسبوع من شهر أكتوبر القادم وتنفيذ بنود التسوية.
كما أنه قال: إنه كجندي الإسلام لا يحب ترك الحبل على الغارب. وهو اعترف أن الحركة التي قامت في باكستان في الأشهر الماضية كانت نابعة من العاطفة الإسلامية، وإنه لا بد من النظام الإسلامي لباكستان حتى تبقى دولة إسلامية بمعنى الكلمة. وقد أصدر المجلس العسكري المتكون من رؤساء للجيش، وهم: رئيس الجو المارشال ذو الفقار علي، ورئيس البحرية الأدميرال محمد شريف، والرئيس العام للمجلس الحربي الجنرال محمد شريف.. أصدر المجلس العسكري عدة أحكام منها حكم قطع يد السارق وقاطع الطريق كما ورد في الشريعة الإسلامية.
ومعظم المعتقلين أُسكنوا في بيوت فارهة في «مري» وهو مصيف باكستان الشهير، ووفرت لهم التسهيلات اللازمة لقضاء الوقت بهدوء، كما أنهم يستطيعون الاتصال تلفونيًّا بأقاربهم وأصدقائهم.
خليل أحمد الحامدي
14-7-1977م
منصورة- لاهور
باكستان