; ملف العلاقات السورية الفلسطينية | مجلة المجتمع

العنوان ملف العلاقات السورية الفلسطينية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-نوفمبر-1983

مشاهدات 86

نشر في العدد 645

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 15-نوفمبر-1983

ضمانات من دمشق لكيسنجر بمنع شن هجمات فدائية من سورية

الموقف السوري خلال الحرب الأهلية اللبنانية كان تعبيرًا عن التحالفات التاريخية المعادية للقضايا الإسلامية

إسلامية القضية الفلسطينية كان الدافع الأول لاحتضان السوريين لأشقائهم الفلسطينيين

التأكيد على استقلالية القرار الفلسطيني دفع سوريا إلى التعجيل بتمزيق المنظمة وإنهاء دورها

 تحجيم المقاومة الفلسطينية واحتواء المنظمة مطلب إسرائيلي أمريكي

لا يضيرنا أن نعود إلى الوراء بضعًا وثلاثين عامًا.. إلى تلك الأيام التي بدأت فيها فلسطين تسقط بأيدي اليهود بفعل الخيانة العربية، يومها بدأت أفواج المهاجرين من أبناء فلسطين تتجه نحو الأراضي العربية المجاورة في سوريا، هربًا من الإرهاب اليهودي، وكان من الطبيعي أن يحتضن السوريون إخوانهم الفلسطينيين الذين عاشوا قضية فلسطين منذ بدايتها، وتفاعلوا معها باعتبارها قضية إسلامية مقدسة، وليس فقط من أجل كونها أرضًا ووطنًا.. وانطلاقًا من هذا الاعتقاد كان الشباب المسلم في سوريا ينخرط في كتائب خاصة للاشتراك في القتال على أرض فلسطين، نقول إنه انطلاقًا من كون القضية الفلسطينية قضية إسلامية من حيث الأرض والوطن والشعب والمقدسات، من أجل هذا كله كان الاحتضان السوري للفلسطينيين، احتضانًا أخويًا بكل ما تحويه هذه الكلمة من معنى، فمنذ عام ١٩٤٨ م كان الإخوة الفلسطينيون في سوريا يتمتعون بالحقوق نفسها كالسوريين على كافة المستويات العملية والاجتماعية...!!

وخلال عقدين كاملين من عمر الهجرة الفلسطينية إلى سوريا لم يعرف السوريون أو الفلسطينيون- على حد سواء- أي معنى لكلمة العلاقات، وغيرها من الكلمات التي تقال وتتردد في الهيئات الدولية والأوساط الدبلوماسية.

إلى أن كانت حركة ٨ مارس – آذار- من العام ١٩٦٣م، حيث استولى حزب البعث السوري على مقاليد السلطة في سوريا، عندها بدأ الشعب السوري يسمع كلمة العلاقات تتردد في معظم الأجهزة الإعلامية الحكومية، ومع أن السلطة السورية في ذلك الوقت كانت منشغلة في ترتيب أوضاعها الداخلية غير المستقرة، إلا أنها كانت تحاول أن تجد لنفسها مكانًا حول مائدة القضية الفلسطينية، وكانت منظمة فتح في ذلك الوقت يحيط بها وبقادتها واتجاهاتهم بعض الغموض الذي سمح لها بإقامة معسكر تدريب لها في الأراضي السورية، وكانت بياناتهم العسكرية تذاع من راديو دمشق وتنشر في الصحف الرسمية، وكان السماح لفتح ببعض الحرية في التحرك داخل سوريا مناورة من قبل الحكومة السورية، تهدف أولًا إلى التعرف على بعض الجوانب السرية التي كانت تتبعها فتح، كما تهدف أيضًا إلى قطع الطريق أمام مزاودات بعض حركات المعارضة السورية المرتبطة ببعض الاتجاهات السياسية مثل الناصريين والقوميين العرب.. ومع انتقال السلطة في سوريا إلى الجناح الأكثر راديكالية في حزب البعث، والمعروف بجناح زعين- الأتاسي، وذلك في العام ١٩٦٦م، بدأت العلاقات الفلسطينية السورية تأخذ طابعًا عقائديًا، من حيث إن الحكم الجديد في سوريا كان يعتقد أن منظمة التحرير الفلسطينية تضم اتجاهات يمينية «في إشارة واضحة لحركة فتح» ورغبة منه في التغلغل إلى داخل المنظمة، تم تشكيل منظمة فلسطينية جديدة سميت بالصاعقة، وقد شكلت هذه المنظمة من الفلسطينيين البعثيين المقيمين في سوريا، وكان ذلك في عام ١٩٦٨م، ونتيجة لتوتر العلاقات بين سوريا والأردن، فقد بدأت الحكومة السورية بتقوية علاقاتها مع الاتجاهات اليسارية الفلسطينية، مثل الجبهة الشعبية والصاعقة، وخاصة بعد ازدياد التوتر بين هذه التنظيمات الفلسطينية والأردن، وكانت سوريا تستغل هذه المنظمات وتقدم لها الدعم اللازم في مجابهتها للنظام الأردني...

وفي ٢٦ يوليو ١٩٧٠م، أعلنت مصر والأردن قبولها بمشروع السلام الأمريكي الذي قدمه ويليام روجرز، فيما اعترضت سوريا والمنظمات الفلسطينية، عندها بدأت حدة التوتر تتصاعد بين الأردن والمنظمات الفلسطينية وخاصة المنظمات اليسارية التي كانت تبذل كل جهدها في سبيل دفع التوتر نحو الصدام العسكري، وكانت تصرفات عناصر هذه المنظمات داخل الأردن والاحتكاكات المستمرة مع قوى الأمن وإقامة مطار خاص بها للطائرات المدنية المختطفة، قد عجل بوقوع الصدام المسلح بين الجيش الأردني والفدائيين، وفور بداية الاشتباكات وجهت سوريا لواءين مدرعين للقتال إلى جانب الفدائيين ضد الجيش الأردني، إلا أن وزير الدفاع السوري في ذلك الوقت حافظ الأسد امتنع عن توفير غطاء جوي للقوات البرية المتجهة إلى الأردن، مما أدى إلى ظهور أزمة سياسية بين أطراف الحزب الحاكم، أسفرت عن استيلاء حافظ الأسد على مقاليد الحكم في انقلاب عسكري أبيض، كان قد رتب له منذ فترة، ولم تمض عدة شهور على استلام الأسد الحكم، حتى أصدر قرارًا بمنع العمليات الفدائية من الأراضي السورية، ومع أن هذا القرار كان قد صدر في عام ١٩٦٧ إلا أنه لم يجرؤ على إعلانه وتنفيذه سوى حافظ الأسد...

وكانت صحيفة لوريان لوجور قد نشرت في ١٦ مايو ۱۹۷۲م، مقتطفات من وثيقة رسمية تضمنت بعض التعليمات الموجهة من السلطات السورية للمنظمات الفلسطينية، وتقضي هذه التعليمات بوضع حد لجميع النشاطات السياسية: إبعاد قواعد الفدائيين عن خطوط التماس مع العدو- إخلاء كافة القرى الحدودية من العناصر المسلحة الفلسطينية- منع دخول الفدائيين إلى الأماكن العامة- وجوب إعلام السلطات المختصة عن أي شخص ينتمي إلى إحدى المنظمات- يمنع منعًا باتًا دخول الأرض المحتلة إلا بتصريح مسبق من السلطات العسكرية المختصة- وضع المعسكرات ومراكز التدريب تحت مراقبة السلطات السورية المختصة...

وكانت لهذه التعليمات السورية أثر كبير في مسار العلاقة السورية الفلسطينية، حيث اعتبرت بعض المنظمات الفلسطينية وخاصة فتح أن هذه الإجراءات السورية كانت تمهيدًا لمفاوضات فك الارتباط التي جرت بين سوريا وإسرائيل عقب حرب ۷۳م، وانعقاد مؤتمر جنيف لهذه الغاية، وكانت الحكومة السورية وقتها قد أعطت وزير الخارجية الأمريكية هنري كيسنجر تأكيدات بعدم السماح للفدائيين بأي عمل ضد إسرائيل من الأراضي السورية، ثم جاءت زيارة الرئيس الأمريكي نيكسون في ١٦ نوفمبر للعاصمة السورية، واستئناف العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن ودمشق، لتؤكد للفلسطينيين أن التطبيع السوري الأمريكي وصل إلى ذروته، وأن هذا الأمر لا بد أن يكون على حساب قضيتهم، وبالفعل فلم یکن يمر شهر واحد على زيارة نيكسون لدمشق، حتى قامت السلطات العسكرية السورية بتجريد الفلسطينيين من السلاح، وإجراء حملة اعتقالات واسعة في صفوف الفلسطينيين المتواجدين على الأرض السورية، مما أدى إلى زيادة هذا التوتر من جديد بين السلطات السورية والمنظمات الفلسطينية، ولكن الجانب الفلسطيني كان مضطرًا في ذلك الوقت لتوثيق روابطه أو بالأحرى الرضوخ للإجراءات السورية، بسبب ما كان يجري على الساحة المصرية بين السادات وكيسنجر، وإعداد العدة لمفاوضات اتفاقية فك الارتباط الثانية في سيناء.

 وكان الجانب الفلسطيني يتخوف من أن يفقد سوريا كما فقد مصر، وبالتالي يبقى وحيدًا في مواجهة العدو الإسرائيلي، وكان الأسد يلاحظ مدى الإحباط الذي أصاب القيادة الفلسطينية، نتيجة فك الارتباط الأول والثاني والرحلات المكوكية التي يقوم بها كيسنجر بين العواصم العربية وتل أبيب، فأعلن في ٨ مارس ١٩٧٥م ، عن رغبته بتشكيل قيادة سورية فلسطينية موحدة، ووافق عرفات ومعظم القيادات الفلسطينية على اقتراح الأسد، وشكلت لجان تمثل الطرفين برئاسة كل من فاروق القدومي عن الجانب الفلسطيني، وعبد الله الأحمر الأمين المساعد لحزب البعث عن الجانب السوري، وعقدت هذه اللجان عدة اجتماعات في دمشق، لكنها لم تثمر شيئًا إيجابيًا يخدم القضية، واتضح للفلسطينيين أن هذه القيادة لم تخرج عن كونها عملًا دعائيًا لصالح الحكم السوري، وأن هذه اللجان قضت وقتها في مناقشات نظرية مستهلكة.

في هذا الوقت من عام ١٩٧٥ كانت بوادر الأزمة اللبنانية تبرز للوجود، وكانت المصادمات الفلسطينية مع القوى المسيحية اللبنانية تتصاعد يومًا بعد يوم، وامتد القتال ليشمل كافة الأراضي اللبنانية، وتشترك فيه كافة الأطراف والقوى السياسية، وكان الرئيس الأسد يخطط لإيجاد الفرص المناسبة لدخول لبنان، ففي الوقت الذي كان يقدم الدعم لفصائل المقاومة والحركة الوطنية اللبنانية المتحالف معها، كان يقدم الدعم للرئيس فرنجية عن طريق منظمة الصاعقة، وجيش التحرير الفلسطيني التابع للقيادة السورية، حيث قامت هذه القوات بحماية فرنجية ومنع وصول القوات الفلسطينية اللبنانية المشتركة إلى بيروت، كما قامت بتطويق المخيمات الفلسطينية في صبرا وشاتيلا، واتهمت الحكومة السورية المنظمات الفلسطينية باستثناء الصاعقة بالاشتراك في محاولة الانقلاب ضد السلطة الشرعية المتمثلة في فرنجية، واحتدم الخلاف بين سوريا والفلسطينيين إلى حد اتهام الأسد بالوقوف إلى جانب القوات المسيحية، وطالبت المنظمات الفلسطينية بإخراج منظمة الصاعقة من منظمة التحرير، باعتبارها عميلة للنظام السوري. 

ومع تصاعد المجابهات المسلحة تمكنت القوات الفلسطينية اللبنانية المشتركة من إنهاء دور المنظمات الموالية لسورية، وتم إغلاق مكاتبها مما أثار حفيظة السلطات السورية، حيث بدأت قواتها بدك معاقل الفلسطينيين والقوات اللبنانية المتحالفة معها، وكان حصار تل الزعتر في صيف ١٩٧٦ قمة المواجهة السورية الفلسطينية، وكانت مشاركة الميليشيات المسيحية في هذا الحصار أكبر دليل على التواطؤ المكشوف بين سوريا وبين القوات المسيحية، من أجل إنهاء التواجد الفلسطيني المسلح على الأرض اللبنانية، وإخضاع المنظمات الفلسطينية للإرادة السورية، وكانت المذابح التي جرت في تل الزعتر من أبشع ما تعرض له الفلسطينيون منذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي، وقد تمكنت القوات السورية إثر كارثة تل الزعتر من إنهاء التواجد الفلسطيني في معظم المناطق اللبنانية، وخاصة المسيحية ودفعتها باتجاه الجنوب، حيث الميليشيات المسيحية كانت في انتظارهم، وبينما كانت المعارك تدور لصالح القوات الفلسطينية اللبنانية المشتركة في الجنوب، كانت القوات السورية تحاصر المخيمات الفلسطينية في بيروت والمناطق الأخرى، في محاولة للضغط على القوات المشتركة بوقف القتال في الجنوب.

وكانت زيارة السادات لإسرائيل في نوفمبر ٧٧م، بداية مرحلة جديدة في العلاقات السورية الفلسطينية، حيث حاولت القيادات الفلسطينية تناسي الكوارث التي حلت بالعمل الفلسطيني، نتيجة التدخلات السورية المستمرة، واشتركت المنظمة في مؤتمر القمة المصغر الذي عقد في ليبيا في ديسمبر ۱۹۷۷م،  إلى جانب سوريا وليبيا واليمن الجنوبي والجزائر، حيث تم تأسيس جبهة الصمود والتصدي، التي ادعت بأنها الرد العملي على المصالحة المصرية الإسرائيلية، وتبادلت المنظمة وسوريا بعض العناصر المعتقلة لدى كل من سوريا والمنظمة أثناء الحرب اللبنانية، وظن القادة الفلسطينيون أن هذه الجبهة بداية التحرك الإيجابي لصالح القضية الفلسطينية، بينما أثبتت الوقائع أن هذه الجبهة لم يكن لها من الصمود والتصدي إلا الصراخ الإعلامي والادعاء الكاذب.

فبعد الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان عام ۱۹۷۸م، عقد اتفاق بين سوريا والولايات المتحدة يقضي بمنع الفلسطينيين من اختراق نهر الليطاني، والموافقة على انتشار القوات الدولية على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، إلا أن القيادة الفلسطينية رأت أن هذه الإجراءات تهدف إلى إخضاع القرار الفلسطيني، وتجميد العمل المسلح ضد إسرائيل، ومن ثم فقد تميزت علاقات المنظمة مع سوريا من جديد بالتوتر وعدم الثقة.

وقامت القوات الفلسطينية في تلك الأثناء بتوجيه عدة ضربات للعدو، مما أدى إلى قيام القوات الإسرائيلية بغزو جنوب لبنان، في محاولة لضرب المقاومة الفلسطينية، واستمرت المعارك لمدة أسبوعين، أبدت فيها القوات الفلسطينية مقاومة عنيفة وأوقعت خسائر جسيمة في صفوف الإسرائيليين، مما أدى إلى تدخل الأمم المتحدة بإيحاء من إسرائيل وحلفائها، وفرض هدنة مؤقتة ومن ثم الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانبين.

وكانت هذه الاستقلالية في اتخاذ القرار الفلسطيني المناسب ضربة موجعة للرئيس السوري، الذي كان يعمل بصورة مستمرة على إخضاع القرار الفلسطيني للسيطرة السورية.

وتوالت الأحداث بصورة متسارعة لم تسمح للرئيس السوري بالانتقام السريع عن الضربة الفلسطينية لسياسته تجاه المنظمة، فقد بدأ الغزو الإسرائيلي للبنان في صيف عام ٨٢م، للقضاء على المقاومة الفلسطينية، وبعد معارك ضارية انسحبت القوات الفلسطينية إلى بيروت الغربية، لتحاصر هناك طوال شهرين متتاليين، بينما القوات السورية كانت تنسحب إلى ما وراء مناطق القتال، لتستقر شرق وشمال لبنان تاركة القوات الفلسطينية في بيروت تحت رحمة القذائف الإسرائيلية، التي تطلق من البر والبحر والجو، وفي ظل التراجع السوري والسلبية العربية، وتحت الشروط الأمريكية الإسرائيلية خرجت المقاومة من بيروت، ليستقر معظمها في سوريا تحت سيطرة ورقابة السلطات العسكرية السورية.

وعن حقيقة الدور السوري في حرب ۱۹۸۲م، يقول أبو إياد: لقد تشاورنا مع سوريا قبل الحرب وأثنائها، وهناك رسائل متبادلة حول هذا الموضوع ولا ندري لماذا لم يفعلوا شيئًا، أما أبو عمار فقد صرح بأن سوريا منعت وصول الإمدادات العسكرية وغير العسكرية إلى المقاتلين المحاصرين، بل إنها لجأت إلى مصادرة هذه الشحنات والاستيلاء عليها.

وكان خروج عرفات من بيروت إلى اليونان بدلًا من دمشق إشارة إلى التأثر الشديد من الموقف السوري المتخاذل إبان الحصار الإسرائيلي وقبله.

 ومن هنا بدأت مظاهر القطيعة التامة في العلاقات بين سوريا والفلسطينيين تظهر على الأحداث، وخاصة مع بداية الحوار الأردني الفلسطيني حول مصير الضفة الغربية وقطاع غزة، مما أشعر السوريين بأنهم سوف يخسرون الورقة الفلسطينية، فكانت المؤامرة على تمزيق المنظمة وخاصة فتح- العمود الفقري للمنظمة- تمهيدًا لاحتوائها وبناء منظمة جديدة تكون تبعًا لسوريا وتحت وصايتها...

الرابط المختصر :