العنوان ملف العدد (3): المجتمع (2082)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأربعاء 01-أبريل-2015
مشاهدات 76
نشر في العدد 2082
نشر في الصفحة 42
الأربعاء 01-أبريل-2015
د. عبدالحفيظ اليونسي:
إستراتيجية الأرض المحروقة بدول "الربيع العربي" ستؤدي إلى كوارث حقيقية
كادر
الفترة القصيرة لحكم الإسلاميين تجعلنا نخرج بخلاصة تبقى نسبية، وهي أن هذه الشريحة المجتمعية بيَّنت تصوراتها ومواقفها مع النمط الديمقراطي القائم على التمثيل الشعبي والانتخاب، والفصل بين الحكومة والبرلمان واستقلال القضاء ورقابته على السلطة التنفيذية وعلى دستورية القوانين، كما بين المتحدث رأيه في التجربة الديمقراطية في الحالة المغربية التي اعتبرها فريدة.
حصل نوع من الاستثمار المكثف في تخويف الناس من نتائج الثورات
تجارب مقارنة لعمليات التحول الديمقراطي تثبت أن قمع الحريات والتنكيل بالمعارضين لم ولن يشكل عائقاً أمام مطالبة الشعوب بحقها في العيش الكريم وبحرية
حاوره: عبدالغني بلوط
يتحدث د. عبدالحفيظ اليونسي، أستاذ العلوم السياسية بالتعليم العالي المغربي، في هذا الحوار الذي خص به "المجتمع" عن أسباب الإخفاق في تحقيق تحول ديمقراطي في بلدان "الربيع العربي"، مشيراً إلى أن عملية التحول الديمقراطي عملية جد معقدة، بالنظر لتداخل العوامل الداخلية والخارجية في إنجاحها أو إفشالها، وأبرز اليونسي، عضو مجموعة البحث والدراسة في مجال الديمقراطية المحلية والحكامة بالجامعة، أن جهاز الدولة، وبتحالف السلطة والثروة، في بلدان ما بعد "الربيع العربي"، هو الذي عمل على ضرب المؤسسات الديمقراطية والحريات في صراعه من خصومه.
وإليكم نص الحوار:
بداية، نود أن نسأل: لماذا يبدو أن ما عرفته بلدان "الربيع العربي" قد أخفق في تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي؟
- قبل الجواب عن السؤال، أتساءل معكم ومع القراء: هل بلدان الربيع الديمقراطي عاشت فعلاً تحولاً ديمقراطياً؟ وأجيب: الأكيد أن التحديد المفاهيمي للتحول الديمقراطي بتلخيص مكثف، يشير إلى انهيار النظام السلطوي وتفكك مؤسساته وقيام نظام ديمقراطي؛ لهذا يمكن القول: إن هذه البلدان عرفت محاولة في التحول الديمقراطي؛ لأن مدخلات ومخرجات هذه الثورات والانتفاضات تجعلها علمياً بعيدة عن تصنيفها "تحولاً ديمقراطياً"، وعلى أيٍّ؛ فما وقع في هذه البلدان يشكل عموماً فرصة للباحث للوقوف على أسباب الإخفاق في هذه المحاولة.. في ظني؛ إن أهم هذه الأسباب يبقى في عدم فهم حقيقة مؤكدة؛ وهي أن طيلة السنوات التي أعقبت استقلال هذه البلدان حصل نوع من التماهي بين أنظمة الحكم وجهاز الدولة بمختلف تجلياته؛ العسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بل وحتى الثقافية؛ مما جعل معه تغيير أنظمة الحكم توازيها انهيار الدول، الانهيار الذي يأخذ تجليات الانفلات الأمني، والاحتكام إلى منطق القوة لحسم الاختلاف، وما ينتج عن ذلك من سفك للدماء والتهجير والتشريد؛ بما يجعل الشعوب أمام اختيار حدِّي بين الاستبداد أو الفوضى.
مع الأسف حصل نوع من الاستثمار المكثف في تخويف الناس من نتائج الثورات، والهدف الأساسي من ذلك هو توقيف السيولة القيمية المكثفة التي تمحورت حول الشعار الثلاثي الذي عكس إلى حد كبير آمال وطموحات هذه الشعوب؛ وهي الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، لتأبيد الاستبداد.
ما شروط إنضاج هذا التحول الديمقراطي والتي ربما أغفلها الفاعلون السياسيون؟
- يصعب حصر هذه الشروط؛ لأنها تختلف باختلاف دول المنطقة العربية، لكن يمكن أن نتحدث عن الشروط الواقفة لإنجاح التحول الديمقراطي، ففي الحقيقة مسار الربيع الديمقراطي في العلاقة مع التحول الديمقراطي، يجدد طرح السؤال القديم الجديد الذي هو سؤال الكيف؟ أي كيف يمكن الانتقال السلمي والسلس للسلطة؟ وأعتقد أنه سؤال مزمن في الاجتماع السياسي في المنطقة منذ قرون، أدى ويؤدي إلى سيادة منطق التغلب بدل التشارك في ممارسة السلطة، فالكسب البشري اليوم يؤكد أهمية تقعيد عملية تدبير السلطة من خلال قواعد مؤسِّسة (بكسر السين)، ومحل توافق إن لم تكن محل إجماع، وهو ما يتم ترجمته في القواعد الدستورية، المحددة لشكل الحكم والمقرة للحريات العامة، والمكرسة لمبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها، وخصوصاً استقلال السلطة القضائية؛ أي التقعيد لتجاوز إشكالية التنازع بشأن شرعية الأنظمة السياسية.
والمتأمل لمسار ثورات الربيع الديمقراطي، يؤكد أن عملية التحول الديمقراطي عملية جد معقدة، بالنظر لتداخل العوامل الداخلية والخارجية في إنجاحها أو إفشالها، وأعتقد أن هذا المسار يؤكد أن الكلمة المفتاح لإنجاح محاولة الانتقال الديمقراطي هو "التوافق"، فالتجربتان التونسية والمغربية، وإن كانتا لهما خصوصياتهما التاريخية والسياسية والاجتماعية وأيضا الجغرافية، تؤكدان أهمية التوافق والتشارك بين مختلف الحساسيات الفكرية داخل الوطن الواحد؛ للحفاظ على المشترك بين الشعوب ولضمان استمرار الدولة كإقليم جغرافي وتمارس سيادتها على أراضيها، والمقصود هنا هو التوافق بين الفاعلين المجتمعيين الرئيسين، هو البحث عن الصيغ المناسبة لبناء نظام سياسي ديمقراطي، وتجارب التحول الديمقراطي توضح أن هذه الصيغ تتمحور حول إصدار دستور جديد، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، تفرز برلماناً تمثيلياً يستمد شرعيته من الشعب، وتشكيل حكومة تمارس السلطة التنفيذية بشكل سيادي، لها قدرة على الإنجاز على مستوى السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
لماذا التجأت السياسة الرسمية ما بعد "الربيع العربي" إلى ضرب المؤسسات الديمقراطية والحريات في صراعها من الخصوم؟
- أولاً للتدقيق، الذي عمل على إجهاض ثورات الشعوب والشباب كدينامو محرك لها؛ هو جهاز الدولة وليس أنظمة الحكم القائمة؛ لأن في أغلب نماذج الربيع الديمقراطي تغيرت الأنظمة، لكن الذي تولى عملية الثورة المضادة هو تحالف الثروة والسلطة؛ أي فئة رجال الأعمال المستفيدين في ظل أنظمة القمع وجهاز الدولة العميقة، وعلى رأسه الجهاز البيروقراطي الموروث هيكلة وثقافة من المستعمر، وهو التحالف الذي أسماه "أفلاطون" في كتاب "الجمهورية" "بالاولغارشية" والتي ترجمت في اللغة العربية بـ"حكم القلة"، أو "حكم الخسة"، فالثورة المضادة استثمرت في نفس مجال ثورات الربيع، وبعد أن استتب لها الأمر لجأت إلى تقويض الفضاء العام الذي شكل مجال استثمار لشباب الثورة، ومن ثم في اعتقادهم ضرب الثورات والقابلية للانتفاض مرة أخرى، بمعنى أن الهجوم على الحريات العامة وضرب مبادئ الحق والقانون والتخريب الرمزي والمادي للمؤسسات التي تشكل ضمانة ممارسة هذه الحريات خصوصاً القضاء، هو محاولة من هذه الأنظمة لقتل أي تطلع مرة أخرى للبحث عن الحرية والكرامة والديمقراطية.
وعموماً، فتجارب مقارنة لعمليات التحول الديمقراطي، تثبت أن قمع الحريات والتنكيل بالمعارضين لم ولن يشكل عائقاً أمام مطالبة الشعوب بحقها في العيش الكريم وبحرية، بل العكس هو الذي حصل؛ لأن الواقع الاقتصادي والاجتماعي والطبيعة الديمجرافية لهذه الدول تشكل عوامل كامنة ومحفزة للثورات في أي لحظة.
هل يهدد "المشروع الإسلامي" فعلاً الديمقراطية، كما يدعي البعض، بعد صعود الإسلاميين إلى الحكم في بلدان "الربيع العربي"؟
- بعيداً عن الحديث عن مسؤولية الإسلاميين عما آلت إليه الأمور، وهو ما شكل مبحثاً مستفيضاً للفاعل السياسي والبحثي والإعلامي، إن بشكل موضوعي أو متحامل، فسؤال هل المشروع الإسلامي يهدد فعلاً الديمقراطية؟ هو سؤال افتراضي يتطلب جواباً افتراضياً؛ لأنه في كل التجارب الماثلة أمامنا يطرح سؤال: هل فعلاً حكم الإسلاميون؟ في مصر لم يتجاوز حكم الإخوان العام الواحد، وفي تونس كانت الترويكا حيث كانت النهضة جزءاً من السلطة التنفيذية، وفي المغرب هناك حكومة ائتلافية يقودها حزب ذو مرجعية إسلامية لكن وفق هندسة دستورية وواقع مؤسساتي معين، وفي ليبيا البلاد على وشك حرب أهلية تهدد بناء الدولة ككل، إذن الخلاصة الأساسية أن التجربتين التونسية والمغربية جديرة بالتأمل والدراسة على مستوى تمحيص مقولات وتصورات الإسلاميين التي تراكمت طيلة عقدين، والحاصل أن الذي يهدد الديمقراطية في هذه التجارب هي النخب والهيئات السياسية والمدنية المعزولة التي تراهن على الاستبداد لإيجاد موطئ قدم في مختلف المؤسسات، ومن حسنات هذه المرحلة التاريخية المفصلية في تاريخ هذه الأمة أنها عرَّت وكشفت حقيقة العديد من "الديمقراطيين".
وعموماً هذه الفترة القصيرة لحكم الإسلاميين تجعلنا نخرج بخلاصة تبقى نسبية، وهي أن هذه الشريحة المجتمعية بينت تصوراتها ومواقفها مع النمط الديمقراطي القائم على التمثيل الشعبي والانتخاب، والفصل بين الحكومة والبرلمان واستقلال القضاء ورقابته على السلطة التنفيذية وعلى دستورية القوانين.
هل أصبح الشارع يتملك أدوات جديدة للتعبير عن رأيه مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي؟
- من حسنات الربيع الديمقراطي أن الشارع دخل إلى السياسة بعد أن كان خارجها طوعاً وكرهاً، كمحصلة لسنوات حكم أنظمة استبدادية وسلطوية، اعتمدت الأدوات الديمقراطية في التمثيل الشعبي وطرق التأطير الحديثة، لكن بمضمون تسلطي واستبدادي، وأعتقد أن الثورة التكنولوجية خصوصاً على مستوى التواصل الاجتماعي، أفرز وضعاً جديداً فيما يتعلق بتذييع المعلومة وخلق رأي عام افتراضي قد يتحول إلى تيار مجتمعي حامل للتغيير في أي لحظة، لكن الأكيد أن مصادر الثقافة السياسية لم تعد محتكرة بل أصبحنا أمام تنوع في هذه المصادر وتدفقها بشكل غير مسبوق، والأكيد أن هذه الثقافة السياسية ستأخذ بعين الاعتبار أسباب فشل هذه الثورات والبحث عن سبل إنجاح نموذج نظام سياسي يتجاوب وشعار الربيع الديمقراطي في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
كيف ترون إذن سرعة استجابة الأنظمة العربية لحاجيات شعوبها في التنمية والعيش الكريم؟
- فيما يتعلق بهذا السؤال، فالمؤكد أن النموذج التنموي السائد في المنطقة، نموذج يقوم على استئثار الأقلية بالثروة مقارنة بالأغلبية التي تبقى على هامش المجتمع اقتصادياً واجتماعياً؛ وبالتالي فضعف القدرة التوزيعية للدولة يهددها في العمق بتقويض شرعية الأنظمة القائمة، وقد شكل شعار العدالة الاجتماعية محور حركة الشباب الثائر في الشارع، بالتالي السؤال المطروح: هل أنظمة الثورة المضادة قادرة في ظل الواقع الحالي على الإجابة عن سؤال التنمية وتوزيع الثروة؟ أظن أن الأرقام والمعطيات الاقتصادية تدل على أن هذه الأنظمة غير قادرة لا على مستوى التمويل ولا التدبير على الاستجابة للحاجيات الضرورية لشعوبها، مع الأخذ بعين الاعتبار الفساد المستشري، إذن أمام هذا الواقع، تلجأ هذه الدول إلى القمع والتنكيل بأي صوت احتجاجي سياسياً كان أو نقابياً أو من داخل المجتمع المدني.
ما هي إذن آفاق المشهد السياسي في بلدان "الربيع العربي"، وما الحل للخروج من الأزمة؟
- الواقع الماثل أمامنا لا يدعو للتفاؤل، لكن من المؤكد أنه لا عودة للوراء، وأن الثورة المضادة لابد لها من انحسار، خصوصاً وأن الوضع الجيوستراتيجي للمنطقة تفرض إجراء مصالحات كبرى، تبقي على وحدة أراضي دول المنطقة، وسيكتشف الجميع أن سياسة الأرض المحروقة واتباع الأهواء الشخصية وترجمتها في موافق وسياسات الدول تؤدي إلى كوارث حقيقية.. إذن أكرر مرة أخرى؛ إن منطق التوافق والتنازل المتبادل بين فرقاء الوطن الواحد مسلك أساسي للحفاظ على الإنسان والعمران، وهذا التوافق الهدف منه قطع الطريق على كل النزوعات المتطرفة، التي تشكل ورماً خبيثاً انتشر مع الأسف في أوصال الأمة، نحتاج معه إلى علاج شمولي ومؤلم في الوقت نفسه.
ونحن نتحدث هنا عن التوافق، لابد من الإشارة إلى مسألة تشكل هاجساً مؤرقاً بالمنطقة؛ وهي القضايا المرتبطة بالهوية، الأصل أن هذه القضايا لا تحسم بمنطق صناديق الاقتراع، أغلبية وأقلية، بل هناك حاجة ماسة لصياغة تعاقد اجتماعي جديد يضمن الحريات والحقوق الأساسية والإعلاء من قيم العيش المشترك وتحييد الدولة في التعاطي مع الشأن الديني.
ملف العدد
التجربة المغربية.. الإصلاح في ظل الاستقرار
آمنة ماء العينين: تجربة الحكومة الائتلافية التي يقودها الإسلاميون منجزاتها تؤكد أنها تجربة ناجحة غيَّرت مزاعم تهديد الإسلاميين للحريات والديمقراطية
عبدالله بها: يجب أن نقيِّم هذه التجربة بمنطق الإصلاح وليس بمنطق الثورة
ككل التجارب الإصلاحية في العالم فمسار هذه التجربة المتميزة يمر في كل خطوة بمخاض عسير ومقاومة يتم تدبيرها بمنطق التشارك والتوافق في انسجام تام بين مختلف مؤسسات الدولة
الرباط: عبدالغني بلوط
شكلت التجربة الديمقراطية في المغرب حالة فريدة، لما عرفت من مآلات مخالفة لكل التجارب في الدول العربية ما بعد رياح "الربيع العربي"، وإن كان السير في تحقيق أقصى المبتغى قد بدأ فقط بخطوات وتنتظره خطوات أخرى كثيرة، وهي تجربة لا محالة استفادت من الحراك الشعبي الذي انطلق عام 2011م مع حركة 20 فبراير، بعد أن راكمت طيلة عقود وعبر نضالات الشعب المغربي العديد من المكتسبات في سبيل تحقيق مزيد من الحرية والكرامة، مع التشبث الدائم بالثوابت الدينية والوطنية.
والحديث عن "الديمقراطية" في المغرب يطول إذا ما أخذنا بعين الاعتبار إعلان أول دستور ما بعد الاستقلال، حينها اختار البلد التعددية الحزبية على خلاف العديد من الدول العربية، لكن الذي يهمنا أكثر في هذا المقال هو الحديث عن التجربة بعيد "الربيع العربي"، لما أضافت من زخم لهذه التجربة.
منطق الإصلاح
بداية لا بد أن نستحضر في الحكم على هذه التجربة المغربية كلمة لعبدالله بها - يرحمه الله - القيادي في حزب العدالة والتنمية، أحد مهندسي ملامح التجربة في المرحلة الحالية، حيث قال: "يجب أن نحاسب هذه التجربة بمنطق الإصلاح وليس بمنطق الثورة"، وهذا يحيلنا كما يقول أ.د. أحمد المتصدق، عضو البرلمان المغربي في الولاية الجارية، في تصريح لـ"المجتمع"، إلى السياق العام، وإلى كل ما راكمته الدولة المغربية، وفي العقدين الأخيرين بالخصوص من إصلاحات مهمة، بدأ بالانفتاح السياسي الذي دشن مع حكومة التناوب ثم انخراط المغرب، في حزمة جديدة من الإصلاحات في المجال الديمقراطي والحقوقي، أهمها هيئة الإنصاف والمصالحة، ومروراً بانتخابات تتحسن شفافيتها جولة بعد جولة، ويؤكد المتصدق أنه بالرغم أن هذا المسار الإيجابي عرف بعض النكوص بعد انتخابات عام 2009م (بسبب ظهور حزب الأغلبية) فإن رياح التغيير القادم من المنطقة العربية عام 2011م أعاد التوهج لمسار الإصلاح، فقد كان للخطاب الملكي يوم 9 مارس 2011م الدور الحاسم في المضي فيه بدستور جديد، وبانتخابات أفرزت حكومة تقودها العدالة والتنمية كمؤشر لانفتاح الدولة على تيار إسلامي منفتح ومعتدل.
إن كل المؤشرات الموضوعية تفيد بأن المغرب يراكم إصلاحات كبيرة ومهمة، أبرزها على المستوى الاقتصادي؛ حيث لم تتم القطيعة مع البرامج المهيكلة للاقتصاد الوطني التي انطلق أغلبها في الحكومة ما قبل الأخيرة من مشاريع كبرى، والتي تعززت مع الحكومة الحالية بموارد مالية مهمة، وبإجراءات أعطت زخماً قوياً لها ومردودية أكبر.
إصلاح الاجتماع والمعاش
وبالإضافة إلى كل هذا، أطلقت مجموعة من الإصلاحات والإجراءات على المستوى الاقتصادي؛ رفعت بشكل ملموس ثقة الفاعل الاقتصادي في مناخ الأعمال، وفي استقطاب الرأسمال الأجنبي، وقد أجمعت مختلف التقارير الدولية بعودة العافية والتحسن المستمر للاقتصاد الوطني، أما على المستوى الاجتماعي، وهو جانب مهم رفعته أصوات المتظاهرين في 20 فبراير، والذي يشكل أحد الركائز المهمة للاستقرار الدولة المغربية؛ فقد أعطت الحكومة الحالية أولوية كبيرة له تحت مسمى إعادة التوازن للمجتمع، فأطلقت مجموعة من البرامج الاجتماعية؛ كالمساعدة الطبية للفقراء، وتوسيع التغطية الصحية، وتخفيض أسعار الأدوية، وإطلاق صندوق التماسك الاجتماعي، والرفع من المنح الجامعية، وإطلاق صندوق فقدان الشغل وصندوق دعم العالم القروي.. إلى غيرها من المبادرات الاجتماعية المهمة والتي ضخت بها موارد مالية مهمة استردت خاصة من إصلاح لصندوق المقاصة، والذي كان يعرف اختلالات جوهرية وإهداراً كبيراً لمقدرات مداخيل الدولة.
أما على المستوى السياسي والحقوقي، وهذا هو مربط الفرس، فقد فتح دستور 2011م حسب المتصدق آفاقاً كبيرة في ترصين هيكلة الدولة المغربية وتحصين انتقالها الديمقراطي.
وإذا كانت آثار زخم الإصلاحات التي فتحها الدستور الجديد بادية على عمل الحكومة، فقد تجلت كذلك في البرلمان كمؤسسة دستورية تشريعية ورقابية بامتياز، حيث عرفت في ولايتها الحالية إنتاجاً تشريعياً يضاهي ما أنتجت هذه المؤسسة منذ الاستقلال، وكماً رقابياً ضخماً للحكومة عبر الأسئلة الشفوية والكتابية لم تعرفه الحكومات السابقة، كما أن الجلسات الشهرية لمساءلة رئيس الحكومة كرَّست جواً صحياً شفافاً من التواصل بين الحكومة والبرلمان وبين الشعب؛ مما زاد من طمأنته وحسن التواصل معه.
تجربة استثنائية
تحدثت البرلمانية آمنة ماء العينين فتقول: إن التجربة المغربية تجربة استثنائية؛ حيث استطاعت أن تحافظ على قواعد اللعبة دون خلخلة المشهد السياسي، وأضافت أن السماح للإسلاميين باقتسام جزء من السلطة هذا لا يعني غياب عوامل الإرباك ومحاولات قلب التجربة، غير أن خصوصية النظام السياسي المغربي المتمثل في الملكية شكل عامل استقرار وتجميع، أما بخصوص تجربة الحكومة الائتلافية التي يقودها الإسلاميون، فمنجزاتها تؤكد أنها تجربة ناجحة غيرت تمثُّلاً وهمياً عن تجربة الإسلاميين التي تصوّر كتهديد للحريات والديمقراطية.
فيما أكد أستاذ العلوم السياسية بالجامعة المغربية عبدالعالي جامي الدين أن المغرب يشق طريقه في مسيرة التحول الديمقراطي بطريقة هادئة، وهناك أطروحة سياسية تحاول أن تثبت مصداقيتها؛ وهي أطروحة "الإصلاح في ظل الاستقرار"، وقد نجحت في توفير أجواء سياسية مستقرة على عكس دول أخرى قادرة على بناء مسار ديمقراطي مختلف.. وأضاف أن ما حصل من تحولات سياسية بدءاً بالدستور الجديد، ومروراً بنتائج الانتخابات، وانتهاء بوصول حزب العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة؛ يرمز إلى مظاهر التغيير في المرحلة الجديدة، لكن في ظل استمرارية النظام السياسي الذي يقوده الملك، وما يمنحه من صلاحيات، وما يرمز إليه من استمرارية، وهي عوامل تمثل بدون شك عامل توازن واستقرار للمسار الديمقراطي بالمغرب.
أما على مستوى النظر من الخارج للتجربة المغربية، فحديثنا مع عدد من المختصين أكدوا ما سردناه سابقاً على لسان فاعلين محليين، ومنهم أ.د. رفيق عبدالسلام، السياسي التونسي الذي شغل منصباً وزارياً في حكومة التوافق بتونس ما بعد الثورة، حيث أكد أن تجربة المغرب تجربة رائدة في الانتقال الديمقراطي، بدأت بالاعتراف بأخطاء الماضي من المؤسسة الملكية، وتواصلت مع أحزاب مغربية وطنية واعية انتقلت سلمياً إلى المرحلة الديمقراطية بسلاسة حقيقية.
مخاض ومستقبل
وبطبيعة الحال، وككل التجارب الإصلاحية في العالم وعبر التاريخ، فمسار هذه التجربة المتميزة يمر في كل خطوة بمخاض عسير ومقاومة يتم تدبيرها بمنطق التشارك والتوافق إن أمكن في انسجام تام بين مختلف مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة الملكية، والتي يعود لها الفضل في التحكيم لتجاوز الصعوبات، وتقديم الدعم اللازم؛ كي تتحمل كل الأطراف مسؤوليتها السياسية في هذا المسار، ويبقى استكمال تنزيل الدستور وتقوية المؤسسات واستكمال البرامج الإصلاحية المفتوحة في القضاء، وفي محاربة الرشوة، وإصلاح الإدارة، والمضي في إصلاح القطاعات الاجتماعية؛ كالصحة والتعليم، وإيجاد حلول هيكلية في الاقتصاد لامتصاص البطالة، والتسريع في حل مشكل التقاعد، حسب السياسي المتصدق، من أهم الملفات التي تنكب عليها الحكومة، وستكون أي إنجازات في هذه الملفات كقوة أخرى داعمة لنجاح التجربة المغربية.
من جهة أخرى، ولتثمين الانتقال الديمقراطي، ستكون الانتخابات المحلية والجهوية المقبلة نقطة ارتكاز مهم في التحول الديمقراطي الذي يشهده المغرب، فأعطاب المشهد السياسي بعدد من الأحزاب التي تقتات من الريع السياسي للاستمرار وقياداتها السياسية المهلهلة وبنياتها الحزبية الضعيفة؛ تنذر أن تنزيل هذا الزخم من الإصلاحات على مستوى المجالس المحلية والجهوية لن يكون في المستوى الذي يتمناه المغاربة، يؤكد المتصدق، إن لم تقم الدولة بالضرب بيد من حديد على مفسدي العمليات الانتخابية وتطبيق القانون والضغط على الأحزاب لتقديم نخب مؤهلة لتدبير المرحلة المقبلة.
ملف العدد
"الربيع العربي".. من منظور غربي
لندن: د. أحمد عيسى
ثورات "الربيع العربي" حولت عقوداً من الدبلوماسية الغربية إلى هباء منثور
كشف "الربيع العربي" مدى تخبط السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي
النفط أدى لاستهداف العالم العربي ومحاصرته بالقواعد الأمريكية والأنظمة الاستبدادية
انطلاقة الثورات العربية ضد الدكتاتوريات تهديد فعلي للنظام الإستراتيجي
مشكلات مصر الأعمق ناتجة عن النظام القديم ورجاله الأقوياء
"الربيع العربي" يعتبر صحوة.. والثورة الحقيقية ليست في الشوارع كما في العقول
الشبكات الاجتماعية والفضائيات والتعطش للتعليم.. لا يمكنها التعايش مع دكتاتوريات متعفنة
"شايماس ميلن": لا يكلّ الغرب ولا يمل من السيطرة على الشرق الأوسط أياً كانت العقبات
منذ يوم سقوط "حسني مبارك" في مصر، ظهر اتجاه مضاد متعنت بقيادة القوى الغربية وبعض حلفائها في الخليج لرشوة أو تحطيم أو السيطرة على الثورات العربية، ولديهم معين من الخبرة المتأصلة يمكّنهم من استنتاج أنَّ كل مركز للثورات العربية، من مصر إلى اليمن، عاش عقوداً تحت الهيمنة الاستعمارية.
"إيكونوميست": هل فشل "الربيع العربي"؟
هذه النظرة متسرعة أو خاطئة، فالتحول الديمقراطي عادة ما يكون عنيفاً وطويلاً، وأولئك الذين يقولون: إن "الربيع العربي" فشل يتجاهلون الشتاء الطويل الذي مر قبله، وتأثيره على حياة الشعوب.. في عام 1960م كانت مصر وكوريا الجنوبية تتشاركان في نفس معدلات الحياة المتوقعة والناتج المحلي الإجمالي للفرد، ولكنهما تعيشان اليوم في عوالم مختلفة تماماً.
كانت فرحتنا في الغرب لا توصف مع اندلاع شرارة أول ثورة شعبية من الثورات العربية التي أطاحت برؤوس أربعة أنظمة دكتاتورية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، وقوَّضت أركان نظام خامس في سورية لا يزال يصارع معارضيه من أجل البقاء، كنا نحن المسلمين وكل محب للحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في نشوة حلم وردي جميل، يبني قصوراً لعدالة الحكم واقتصاد الرفاهية، شارَكنا في رؤية الحلم مفكرون وساسة وصحفيون وناشطون في قضايا حقوق الإنسان.. فهل كانت قصور أحلامنا من الرمال سرعان ما انهارت بأمواج الحقيقة، أم أن الغرب لا يسمح بديمقراطية العرب؟
في رد فعل أولي، كتبت الصحف البريطانية أن هذه الثورات حررت الشعوب وأذهلت العالم، تلك الثورات أيضاً فاجأت الغرب وأربكته وجعلته يفكر في مواقفه من المنطقة وأنظمتها، وفي النهاية حولت عقوداً من الدبلوماسية الغربية إلى هباء منثور، كما كتب "دونالد ماكنتاير" في صحيفة "الإندبندنت"(1): لم يصنع الغرب الثورات في العالم العربي كما لا يستطيع إيقافها، وبإمكانه أن يتجاهل ما تجلبه أو يقرر التعامل معها بإيجابية، ولكن بعيون مفتوحة، لا خيار آخر أمامه، وستشكل مرحلة ما بعد الثورات في العالم العربي تحدياً من نوع جديد للغرب، وتساءل: كيف سيتعامل مع ديمقراطية جلبت الإسلاميين؟
"نيك كليج" رفع سماعة الهاتف وهنَّأ حزب "النهضة" التونسي بالفوز، والتقى السفير البريطاني في القاهرة بهدوء مسؤولين رفيعي المستوى في حزب "الحرية والعدالة" عقب الجولة الأولى للانتخابات، في بادرة أشارت حينها إلى أن بريطانيا على استعداد للتعامل مع من تجلبه الانتخابات، كائناً من كان، وكتب محرر صحيفة "لوس أنجلوس": إن الأحزاب الإسلامية هي قوة مشروعة سواء رضينا أم أبينا(2).
وتعاطف الناس في الغرب مع الثوار، كما قال "بيتر هالوارد"، وبغض النظر عن النتائج السياسية المباشرة للثورة، فيمكن أن نرى أن الجميع تعاطف مع الحماس الكبير للثوار، فمشهد الثورة في حد ذاته كان مؤشراً قوياً على أهميتها في نهاية المطاف، وأياً كان ما سيحدث تالياً؛ فإن الحشد المصري سوف يظل ثورة بارزة في تاريخ العالم؛ لأن ممثليها أثبتوا مراراً وتكراراً قدرة خارقة على تحدي حدود الإمكانية السياسية، والقيام بالثورة انطلاقاً من حماسهم والتزامهم، وقد نجحوا في تنظيم احتجاجات ضخمة في ظل غياب أي تنظيم رسمي، والحفاظ على هذه الاحتجاجات في مواجهة عمليات الترهيب والقتل(3).
ولم يكن خافياً حينها أن هناك تحديات ستواجه الثورات، فنشرت صحيفة "الفايناشيال تايمز" تحليلاً مطولاً عن التحديات التي تواجه هذه القوى لدى تسلمها السلطة، والمتغيرات في مواقف هذه الأحزاب من العديد من القضايا عند استلامها دفة الحكم في بلدان مثل تونس ومصر وليبيا والمغرب(4)، ولكن التحدي هو كيف سيديرون الاقتصاد المصري المنهك ودولة ضعيفة بفعل عقود من سوء الإدارة؟ وتضيف الصحيفة أن التحدي الذي يواجه الإسلاميين في مصر هو التوفيق بين طموحاتهم الإسلامية من جانب، وسياساتهم البرجماتية في مجالي الاقتصاد والسياسة من جانب آخر، فهم لا يمكنهم المخاطرة بإبعاد ذوي الكفاءات القادرين على قيادة الاقتصاد المصري والعديد منهم رجال أعمال ذوو توجهات ليبرالية كما يقول "جون الترمان"، المسؤول في مركز الأبحاث الإستراتيجية والدولية الأمريكي.
للبعض رأي آخر!
وفي دراسة لمعهد الأمن القومي "الإسرائيلي" عن الاتحاد الأوروبي و"الربيع العربي"، أكدت أن الدول الأوروبية شاركت من قبل في دعم الحكام العرب من أجل المحافظة على إمدادات النفط من جهة، واحتواء انتشار الإسلام الراديكالي من جهة ثانية، ومنع الهجرة غير الشرعية من جهة ثالثة، إلا أن الثورات اضطرت الاتحاد الأوروبي لتقييم الوضع والتوصل إلى إستراتيجية جديدة تقوم على تعزيز الديمقراطية ومساعدة منظمات المجتمع المدني، وزيادة المساعدات من أجل التنمية الاقتصادية، على أن تكون مساعدات مشروطة بالممارسة الديمقراطية وإلا سيتم منعها، ومع ذلك فإن الأزمات المالية المتكررة التي يتعرض لها الاتحاد الأوروبي ستحد من إمكانية تقديم الدعم لدول الشرق الأوسط، كما أن "الربيع العربي" أظهر مدى التخبط في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، والذي ظهر حين أعلن "ساركوزي" اعترافه بالمجلس الانتقالي الليبي من دون التنسيق مع باقي الزعماء الأوروبيين، كما تعثر حدوث اتفاق بين دول الاتحاد بشأن التدخل العسكري وفرض العقوبات على النظام الليبي(5)، والكل يعلم أن مفوضة الشؤون الخارجية في الاتحاد "كاثرين آشتون"، كانت تزور القاهرة مراراً بعد الانقلاب تأييداً لـ"السيسي"، وأكدت أنها لن تطالب مصر بالإفراج عن الرئيس المنتخب "محمد مرسي".
استقلال ناقص
كتب "شايماس ميلن" مقالة مطولة في صحيفة "الجارديان"(6) عن سبب تدخل الغرب لإفشال الثورات العربية جاء فيها: هناك شعور حقيقي في الشرق الأوسط أكثر من أي بقعة أخرى من العالم الاستعماري سابقاً؛ بأنَّ الشرق الأوسط لم يحصل على استقلاله بالكامل، وبسبب تربعه على عرش مخزون البترول الأكبر في العالم، تم استهداف العالم العربي بتدخلات وغزو مستمرين، حتى بعد حصوله رسمياً على الاستقلال، وبعد تقسيمه إلى دول صورية بعد الحرب العالمية الأولى، جرى قصف واحتلال أجزاء منه بواسطة الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" وبريطانيا وفرنسا، كما تم محاصرته بالقواعد الأمريكية وأنظمة استبدادية مدعومة من الغرب.
وقد ركزت الثورات العربية على الفساد والفقر وانعدام الحريات، وليس الهيمنة الغربية أو الاحتلال "الإسرائيلي"، ولكن حقيقة انطلاقهم ضد الدكتاتوريات المدعومة من الغرب تعني أنَّهم شكلوا تهديداً فعلياً للنظام الإستراتيجي، ومنذ يوم سقوط "حسني مبارك" في مصر، ظهر اتجاه مضاد متعنت بقيادة القوى الغربية وحلفائها في الخليج لرشوة أو تحطيم أو السيطرة على الثورات العربية، ولديهم معين من الخبرة المتأصلة يمكّنهم من استنتاج أنَّ كل مركز للثورات العربية، من مصر إلى اليمن، عاش عقوداً تحت الهيمنة الاستعمارية، وإذا أرادت الثورات العربية أن تتحكم في مستقبلها، فهي في حاجة إلى مراقبة ماضيها القريب، ثم سرد "ميلن" سبعة دروس من تاريخ التدخل الغربي في الشرق الأوسط:
1- لا يكلّ الغرب ولا يمل أبداً في سعيه للسيطرة على الشرق الأوسط، مهما كانت العقبات.
2- عادةً ما تخدع القوى الاستعمارية أنفسها بشأن حقيقة ما يفكر به العرب.
3- القوى العظمى هي أيادٍ خبيرة في تجميل الأنظمة العميلة لإبقاء تدفق البترول.
4- لا تنسى شعوب الشرق الأوسط تاريخها، حتى لو نسيت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ذلك.
5- يقدم الغرب دائماً العرب الذين يصرون على إدارة شؤونهم الخاصة كمتعصبين.
6- التدخل العسكري الأجنبي في الشرق الأوسط يأتي بالموت والدمار والتقسيم والحكم.
7- الرعاية الغربية للاستعمار في فلسطين هي عقبة دائمة في وجه العلاقات الطبيعية مع العالم العربي.
هل فشل الربيع العربي؟
ما نراه اليوم، من فوضى في هذه البلاد له أسباب، يعتقد البعض أن شعوبها ليست مستعدة للتغيير، وأن الأحزاب والقوى السياسية التي وصلت إلى السلطة لم تكن جاهزة لتقبل لعبة الديمقراطية ونتائجها، ويعتقد البعض أن هذه الشعوب منقسمة إلى حد كبير حسب القبيلة، كما هي الحال في اليمن وليبيا، أو حسب الطائفة كما في سورية، أو بين إسلاميين وليبراليين، مثلما هو الوضع في مصر وتونس.
غير أن بعض الباحثين أوضحوا، في تقرير خاص لمجلة "الإيكونوميست" البريطانية عن "الربيع العربي"(7)، أن التحولات الديمقراطية لم تكن أبداً سهلة في مناطق أخرى مثل شرق أوروبا، وأن الطريق لكي تصبح المجتمعات أكثر ديمقراطية وحرية هو طريق شاق وصعب، وردوا على الجدال القائم:
1- من غير المستغرب أن يعتقد البعض أن "الربيع العربي" انتهى، فالشرق الأوسط، كما يدعون، ليس مستعداً بعد للتغيير، أحد هذه الأسباب هو أنه لا يملك مؤسسات ديمقراطية، ولهذا فإن سلطة الشعب سوف تستحيل إلى فوضى أو أنها سوف تعيد الدكتاتورية.
الرد: هذه النظرة متسرعة أو خاطئة، فالتحول الديمقراطي عادة ما يكون عنيفاً وطويلاً، وأولئك الذين يقولون: إن "الربيع العربي" فشل يتجاهلون الشتاء الطويل الذي مر قبله، وتأثيره على حياة الشعوب.
في عام 1960م كانت مصر وكوريا الجنوبية تتشاركان في نفس معدلات الحياة المتوقعة والناتج المحلي الإجمالي للفرد، ولكنهما تعيشان اليوم في عوالم مختلفة تماماً، في حين يسكن الكثير من المصريين في المدن وثلاثة أرباع السكان يعرفون القراءة والكتابة، فإن معدل الناتج المحلي الإجمالي للفرد في مصر يساوي خمس معدل الفرد في كوريا الجنوبية، وأصبح الفقر وحالات التقزم نتيجة لسوء التغذية أموراً شائعة جداً في مصر، وحكومة الإخوان المسلمين التي أمسكت زمام السلطة لفترة وجيزة كانت خلالها عاجزة عن الحركة لم تفعل شيئاً لتعديل الأمور، ولكن مشكلات مصر الأعمق ناتجة عن النظام القديم ورجاله الأقوياء.
2- السبب الآخر؛ هو أن إحدى قوى التماسك في المنطقة هو الإسلام، والذي – كما يجادلون - لا يمكن له أن يستوعب الديمقراطية، ولهذا فإن الشرق الأوسط - وفقاً لهم - من الممكن أن يكون أفضل حالاً لو أن "الربيع العربي" لم يحدث أصلاً؛ لأن الديمقراطيات العربية سوف تخضع لقيادة الإسلاميين، الذين ليسوا أكثر قدرة على الإصلاح من الأنظمة القديمة، والعديد من العلمانيين العرب وزملائهم في الغرب يجادلون الآن أنه وبسبب أن الإسلاميين يميلون لتصوير حكمهم على أنه حكم إلهي، فإنهم لن يقبلوا أن الديمقراطية الحقيقية التي يجب أن تخضع للرقابة والتصحيح، من خلال وجود المحاكم المستقلة والإعلام الحر وتخويل الصلاحيات ودستور تعددي لحماية الأقليات.
الرد: هذه النظرة خاطئة أيضاً، فإن الإسلاميين خارج العالم العربي - في ماليزيا وإندونيسيا - أظهروا أن بإمكانهم تعلم ممارسة الديمقراطية، وتركيا - مع جميع عيوبها - أكثر ديمقراطية اليوم مما كانت عليه عندما كان الجيش موجوداً في الخلفية، ولو بقي الإخوان المسلمون في الحكم، لربما كان بوسعهم تعلم التسامح والبرجماتية وهي أمور لازمة لإدارة شؤون البلاد.
إن أفضل وصف لـ"الربيع العربي" هو أنه كان بمثابة صحوة؛ الثورة الحقيقية ليست في الشوارع كما هي في العقول، إن الإنترنت والشبكات الاجتماعية والمحطات الفضائية والتعطش للتعليم – بين النساء العرب كما هي الحال بين الرجال - لا يمكن أن تتعايش مع دكتاتوريات قديمة متعفنة، المصريون والآخرون يتعلمون الآن أن الديمقراطية ليست مجرد مسألة انتخابات ولا القدرة على حشد ملايين المحتجين في الشوارع، وهو تصرف عادة ما يكون فوضوياً، وحتى دموياً أحياناً، الرحلة قد تستغرق عقوداً، ولكنها لا تزال موضع ترحيب(3).
الهوامش
1. How the West was caught out by the Arab Spring
The Independent, 26 December 2011.
2. McManus: Mosque and state
Islamist parties are a legitimate political force, whether we like it or not.
Los Angeles Times- 23 October 2011.
3. Egypt's popular revolution will change the world
The Guardian- 9 February 2011.
4. Egypt: A religious revival
Financial Times, 29 December 2011.
5. دراسة: عام بعد الربيع العربي
http://islamonline.net/selected/212
6. الربيع العربي والغرب: سبعة دروس من التاريخ
http://www.theguardian.com/commentisfree/2011/dec/22/arab-spring-seven-lessons-from-history
22 December 2011.
7. The Arab spring- Has it failed?
The Economist, 13 July 2013.