العنوان ملف العدد (2): المجتمع (2082)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأربعاء 01-أبريل-2015
مشاهدات 73
نشر في العدد 2082
نشر في الصفحة 36
الأربعاء 01-أبريل-2015
أنياب الديمقراطية.. و"الربيع العربي"
غضب زعيم عربي يوماً وهو في غمرة انتخابات رئاسية تجري في بلده فقال معبراً عن قلقه على كرسيه وقد شعر أن الكفة قد مالت في غير مصلحته: الديمقراطية لها أنياب!
ملَّت الجماهير الكذب وسئمت الشعارات المخادعة ومرَّت عليها أيام عز استنشقت من خلالها عبير الكرامة وذاقت طعم الحرية ولم تكن تدري أن "أنياب الديمقراطية" لها بالمرصاد
تبقى الحرية السياسية في عالم العدل والكرامة هي المحور الأساسي الذي عليه مدار شُعب العمل والتعاطي الحياتي شريطة توافر شروطها الموضوعية
بقلم: د. عامر البو سلامة
كثير من الناس، يتغنون بالديمقراطية، ويدعمون فكرة صناديق الاقتراع، ويرون أنها حلٌّ لكثير من مشكلاتنا، في العمل السياسي، والأحكام السلطانية، وشكل إدارة الدولة، وأن أهم صورة من صورها، أنها تفرز القادة الذين يمثلون الشعب، وأهل الرأي الذين ينوبون عن الناس، في مجالس الشعب أو البرلمانات، أو البلديات، أو أي شكل من أشكال ما لا بد من تمثيله، من خلال الانتخاب المباشر، الحر النزيه.
لتمضي قافلة الحياة، على بساط من حرير، حيث الحقوق محفوظة، والواجبات معروفة، في جو من الحرية، تضاء فيها حياة البشر، من خلال قناديل حقوق الإنسان، حيث مدماكها الأصيل؛ ما يتجلى في قيم العدل.
ويعتبرون هذا من دواعي الاستقرار، ويمثل حالة ضرورة لابد من سلوكها، كوعاء عمل، وآلية توصل إلى التداول السلمي للسلطة، من خلال تعددية تعبر عن حالة إيجاب في اختلاف التنوع الاجتهادي، بمعطيات دائرة الوطن وخصوصياته، لمزيد من الرأي والرأي الآخر الذي يعمل على إثراء الحياة السياسية، ويسعى إلى ترسيخ قيم التداول السلمي، والتخلص من الاستبداد والدكتاتورية، بمزيد من الرؤى المفيدة، والإضاءات النافعة.
وحتى لو حدث اختلاف، فإنه حالة تعبير عن جملة المعاني التي تصب في النهاية في الصالح العام، كما أنها تمثل صورة وردية من صور إنعاش الحياة العامة، بمثل هذا التداول والتنوع، وفي الأول والأخير، فإن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
قميص الحاجة
غضب زعيم عربي يوماً، وهو في غمرة انتخابات رئاسية تجري في بلده – وهو من دول "الربيع العربي" – فقال معبراً عن قلقه، على كرسيه، وقد شعر أن الكفة قد مالت قليلاً، في غير مصلحته: "الديمقراطية لها أنياب"؛ فراحت هذه الكلمة وأصبحت مثلاً.
وقال أحد مشاهير الكتَّاب، من المتحمسين كثيراً للديمقراطية، بل يعشقها عشقاً، ويوصف بالمفكر: "الديمقراطية التي تأتي بالإسلاميين لا نعرفها ولا نؤمن بها".
وجاءت أحداث ما يسمى بدول "الربيع العربي"، لتؤكد هذه الحقيقة، وقد أكدتها وقائع أخرى من قبل على أن هذه "الديمقراطية" المدعاة!! إنما هي قميص يلبس عند الحاجة، ويمكن خلعه في أي وقت، فليس له صورة عمل، ولا صفة إلزام.
هذه الازدواجية في المعايير، والفوارق الرهيبة في الممارسة والسلوك، وهذا الفصام النكد، صار من سمات العصر في كل ما يتعلق بالحقوق والواجبات؛ سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وغير ذلك، فصناديق الاقتراع الصادقة لما عبرت عن إرادة شعبية، حرة ونزيهة، من خلال اختيار من يمثل الناس، ولم يرق لمدعي الحريات السياسية ذلك؛ لأن الذي جاءت به هذه الصناديق ليس على مزاج التوجه الفلاني، ولا يخدم الأفكار العلانية، ولا يلبي طموحات الأجندات الفلانية، هنا كشرت "الديمقراطية" عن أنيابها، فإذا هي تعض عضاً يتقاصر عنه أشرس الوحوش!
وهنا تبرز ثنائيات العار والشنار، فإذا الجلاد ضحية، والضحية جلاداً، والظالم مظلوماً، والمظلوم ظالماً، ويقتل البريء، ويكرم القاتل، وهرج ومرج، واختلاط مشوب بالحيرة والذهول، مما يشيب لهوله الولدان، حتى أصبح الحليم حيراناً، وهذه الانعكاسات والانتكاسات والانقلابات، لها ما بعدها في عالم النواتج والمآلات.
والذي لا يعرفه كثير من الناس، أن هذه الأنياب لا تعض فحسب، بل هي سامة، سمية قاتلة، فلا تعرف رحمة، ولا تنتظر إسعافاً؛ لأنها تعمل على تجلط دماء العمل السياسي، وتقضي على حركته في عروق دروب حياة الحرية، التي طالما عشقتها الجماهير وأحبتها، وتغنت بأمجادها، وحلمت باليوم الذي ستراه واقعاً عملياً يبلور صورة تجلياتها، ومن ذلك الاختيار الحر النزيه لمن يمثلها.
لقد ملَّت الجماهير الكذب، وسئمت الشعارات المخادعة، ومرَّت عليها أيام عز استنشقت من خلالها عبير الكرامة، وذاقت طعم الحرية، وعرفت لذيذ استقلال الرأي، واستمتعت بحقها الإنساني، وتبلوره في صورة عمل، ولم تكن تدري أن أنياب "الديمقراطية" لها بالمرصاد، بل هي صدقت "ثعلب التسييس"، وظنت أنه على طريق مستقيم.
فخ أم وسيلة خير؟
وبقي السؤال الملح كثيراً، في عالم العمل السياسي؛ هل صناديق الاقتراع فخ علينا أن نحذره؛ لأن في وسطه وحوشاً كاسرة، تعض من يحقق نتائج صحيحة، فيما وضع له، وفي داخله ثعابين ذات سمية عالية، تلدغ من يحاول الاقتراب من أسوارها، من خلال كثرة المصوتين في مصلحة ذاك المعارض، أو هذا الذي لا يوافق هوى هذه الفئة أو تلك، أم أنه وسيلة خير يمكن أن نفيد منها؛ لنصل إلى نظرية حكم رائدة، تكون أنموذجاً معبراً عن صناعة من يحكم نفسه؟
ويبدو لي أن المشهد التمثيلي، له صورة، وفي بطنه حقيقة.. أما الصورة؛ فهي الاحتيال ظاهراً على الجماهير وامتصاص ثورتها، واستيعاب حماستها، من خلال صناديق استنزفت طاقتها، واستهلكت حيويتها، ولم تحقق الهدف الكامل منها، وأما الحقيقة؛ فهي ما يعرف بـ"الدولة العميقة"، أو "النظام العميق" الذي عاد من جديد، في كثير من دول "الربيع العربي"، لكن بلون آخر، ونموذج مختلف، وصورة غير مطابقة، من بعض الوجوه، وكأنك كما يقول المثل الشعبي: "يا أبا زيد ما غزيت"، فتكون الانتكاسة، ويحل الألم.
انتكاسة
هذه الانتكاسة، ستولد ضمن ما تولد، رد فعل لدى بعض الناس، وخصوصاً من شريحة الشباب، خلاصتها: إن طريق الحرية والتعاطي السلمي في العمل السياسي لا يجدي نفعاً، ولا يأتي بخير، ولا يحقق أمناً ولا استقراراً ولا تنمية، وإن صناديق الاقتراع عبارة عن ضحكة على الدقون، وكذبة كبيرة صدقناها، والحل هو القوة والعنف، ولا سواها، فلتكن ثورة لكن بطابع الشراسة، ففي عالم اليوم لا يُحترم إلا القوي، ولا تثمر إلا القوة الخشنة، وفي المثل الشعبي اليمني "ادكمه يعرفك"، أما استخدام القوة الناعمة في عالم كله خشن هذه من مكافأة الأمر بعكسه، والأصل أن نوازي الأمر بمثيله، وسيلة واستعداداً، ثم يضربون لك الأمثلة الداعمة لتوجههم هذا، ليضربوا لك مثلاً: برئيس منتخب وشرعي، أوصلته الصناديق في نهاية المطاف إلى زنزانة منفردة، وعذاب مرير! وهذه الموازنة المتعجلة، والقراءة المستعجلة، التي أدت إلى هذه النتيجة، كان من ثمارها تعزيز تيار العنف لدى أصحابه، وصار أصحاب النظر الوسطي محل سخرية هذا التيار وتهكمه.
وفي الحقيقة، أوصلته الصناديق إلى سدة الحكم، وأوصله المنقلبون على الصندوق إلى زنزانة منفردة.
وفي الواقع، هذا خطأ كبير، والحقيقة الحلوة لا يصح أن تعود على أصلها بالإبطال من خلال بديل مر، وتبقى الحرية السياسية في عالم العدل والكرامة هي المحور الأساس الذي عليه مدار شعب العمل والتعاطي الحياتي، شريطة توافر شروطها الموضوعية.
وقد يسأل سائل: وأين أنتم من هذا الكلام في سورية؟ نجيبه: في سورية، شعب يقاوم مجرمين وطائفيين محتلين للبلد وغلاظاً يرتكبون أبشع الجرائم، وأفظع انتهاكات حقوق الإنسان، في حق أبناء سورية، وتحل بهم كارثة قلّ مثالها في التاريخ، وبعد زوال هذا النظام المجرم، وسقوطه ومن معه من الطائفيين، على أيدي أبناء شعبنا الأخيار، سيحقق هذا الشعب ما نصبو إليه من تقرير الحرية، وإقامة العدل، وترسيخ مناصرة الكرامة وحقوق الإنسان، وشعارنا قول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: "متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!".
ملف العدد
السياسة العربية والديمقراطية.. الحاكم الرشيد يودّع منصبه!
مشكلة الدول العربية في النخبة المستعدة لفعل أي شيء ضد الدين والوطن
الغرب الصليبي صنع النخب العربية منذ مائتي عام تقريباً ووضعها في مرتبة تفوق بقية مواطني الشعوب
ـولاء النخب للجانب السلبي للثقافة الغربية من عنصرية وكراهية للإسلام والاستسلام لإرادة الأجنبي
ثورات "الربيع العربي" تعثرت بسبب تجذّر النخبة الموالية للغرب في السياسة العربية والإدارة الحكومية
النخبة استباحت الدماء بغزارة غير مسبوقة ولم تخجل من الكذب وهي تزعم أنها تعبر عن إرادتهم
مشكلة المستبدين الاعتماد على الإعلام الكذاب ومثقفي الزور ومفكري العنصرية لتجميل صورهم
السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية عناصر ضرورية لبناء أوطان مستقرة
مناخ الشورى الحقيقي يمنح الشعوب حرية الحركة ويحفزهم على النشاط والعمل
زهد رئيس الأوراجوي "موخيكا" دفع البعض لتشبيهه بعمر بن عبدالعزيز!
بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
نقلت إلينا الأنباء يوم الإثنين 2 مارس 2015م خبر فوز رئيس ناميبيا المنتهية ولايته "هيفيكبوني بوهامبا" بجائزة "أفريقيا للحكم الرشيد" المقدمة من مؤسسة "محمد إبراهيم"، وقيمتها 5 ملايين دولار تقدم له على مدى عشر سنوات، وبعد ذلك يتلقى 200 ألف دولار سنوياً مدى الحياة، وفاز بالجائزة من قبل "بيدرو دي فيرونا روجريجيس بيرس"، رئيس الرأس الأخضر السابق، و"يواكيم شيسانو" رئيس موزمبيق السابق، و"فيستوس موجاي"، رئيس بتسوانا السابق.
ويشترط للفوز بالجائزة أن يكون المرشح لها قد انتخب ديمقراطياً، وترك منصبه في الأعوام الثلاثة السابقة، ولم يستمر في المنصب أكثر من مدته القانونية المحددة، ويجب أن يتوافر في المرشح "الحكم الرشيد".
ولم تنطبق معايير الجائزة علي أي شخص في عديد من السنوات الماضية، وبالطبع لم يفز بالجائزة حاكم عربي حتى الآن ولو فوزاً شرفياً مثل الرئيس الراحل "نيلسون مانديلا"!
أمثلة للحكم الرشيد
أشادت مؤسسة "محمد إبراهيم" وهي تعلن فوز "بوهامبا" بالتزامه بحكم القانون واحترامه للدستور، ورأى مراقبو الانتخابات التي أجريت في عهده أنها حرة ونزيهة.
في الوقت نفسه، أشارت الأنباء إلى انسحاب "خوسيه موخيكا" من رئاسة الأوروجواي بعد ما جعل بلاده كالدول الإسكندنافية، وترك منصبه للرئيس الجديد "تاباري باسكيث"، ووصفت الأنباء "موخيكا" أنه تحول بزهده إلى ما يشبه الخليفة العربي المسلم عمر بن عبدالعزيز، ولقي الحدث اهتماماً دولياً – وليس عربياً - بطبيعة الرئيس المنتهية ولايته "موخيكا" لدوره في تحقيق قفزة نوعية لهذا البلد النموذجي في أمريكا اللاتينية، حيث انتقل إلى مصاف الدول الإسكندنافية.
لا يسمح دستور الأوروجواي بولايتين رئاسيتين متتاليتين، ولهذا لم يترشح "خوسيه موخيكا" للرئاسة مع ارتفاع دعوات سياسية بتعديل الدستور في البلاد لكي يتقدم للمرة الثانية على شاكلة ما أقدمت عليه دول في المنطقة قامت بتعديل دستورها مثل الإكوادور وفنزويلا.
"خوسيه موخيكا" أفقر رئيس في العالم، تخلى عن القصر الرئاسي، وعاش في منزله المتواضع في ضواحي العاصمة، وبميزانية لا تتعدى ألف دولار شهرياً، كان راتبه طيلة السنوات التي عمل فيها رئيساً للبلاد 440 ألف دولار، تبرع بـ400 ألف لصالح أعمال خيرية، ومنها الإسهام في بناء منازل للشبان، وعاش بما تبقى وهو أقل من ألف دولار دون اعتماد على ميزانية القصر الرئاسي.
أرسى "موخيكا" روح الإنصاف والعدالة سياسياً واجتماعياً إلى مستويات جعلت المراقبين يعدون الأوروجواي بمثابة دولة إسكندنافية وسط أمريكا اللاتينية، وكتبت عنه جريدة «إكسلسيور» المكسيكية: «موخيكا من الرؤساء النادرين، يختلف عن "باراك أوباما"، و"فلاديمير بوتين"، والكاريزما التي يتمتع بها لا تضاهى».
وفي حوار خاص بـ"إذاعة فرنسا الدولية"، تحدث رئيس الأورجواي عن أهم الإنجازات التي تحققت في فترته الرئاسية، فقال: إن عدد الفقراء والمحتاجين انخفض في البلاد، واستطرد قائلاً: لكن - للأسف - لا يزال هناك فقراء ومحتاجون في هذا البلد الغني بالموارد".
ومن مقولاته التي شاعت في العالم: "من يعشق المال لا مكان له في السياسة"، ولذا عاش لا يملك حسابات مصرفية وليس عليه ديون، ويسكن منذ توليه الرئاسة في شهر مارس 2010م، في بيت ريفي بمزرعته، مفضلاً البيت المتواضع عن القصر الرئاسي، دون حراسة مشددة مثل بقية رؤساء العالم، وتمنى عند انقضاء فترة حكمه أن يعيش بسلام في مزرعته، برفقة زوجته.
وأفاد مؤشر منظمة الشفافية العالمية أن معدل الفساد في الأوروجواي انخفض بشكل كبير في عهد "موخيكا"، حيث احتلت المرتبة الثانية في قائمة الدول الأقل فساداً في أميركا اللاتينية.
يقول "موخيكا": إن أهم أمر في القيادة المثالية هو أن تبادر بالقيام بالفعل حتى يسهل على الآخرين تطبيقه.. ورأى أن أغلبية الشعب الذي صوّت له من الفقراء، لذلك وجب عليه - كما قال - أن يعيش مثلهم ولا يحق له عيش حياة الترف.
الحاكم الصالح
أردت أن أقدم مثالين للحاكم الصالح من غير المسلمين؛ شبه أحدهما بعمر بن عبدالعزيز، رضي الله عنه، لزهده وتقشفه وعدله، ونقله بلاده من قائمة جمهوريات الموز إلى مستوى الدول الإسكندنافية الأكثر رخاء في العالم.
وجمهوريات الموز أو دول أمريكا اللاتينية عانت في نصف القرن الماضي عناء شديداً من الحكام الطغاة الذين كانوا يشبهون العصابات، وكانوا لا يتوقفون عن الانقلاب العسكري على بعضهم بتدبير خارجي أو بمبادرات ذاتية للاستمتاع بخيرات البلاد، أو إشباع رغباتهم النرجسية المجنونة بالتسلط وسفك الدماء، لم تكن هناك حرية أو كرامة إنسانية أو وجود لدساتير أو قوانين بشكل حقيقي، ازدهر الفساد، وساد النهب والمحسوبية والرشوة، وغصت السجون بالمظلومين والضعفاء، وهرب الأحرار إلى المنافي، وكان جل الهاربين من الأدباء والكتَّاب والمثقفين الذين أخذوا على عاتقهم كشف المظالم والاستبداد والطغيان، والمطالبة بالحرية، ولم يهادنوا الحكومات المستبدة، أو يقبلوا إغراءاتها، وامتلأت كتاباتهم بتصوير ما يجري في بلادهم من فظائع ومآسٍ، للفت أنظار العالم إلى محنة شعوب أمريكا اللاتينية، وكسبت تعاطف الأحرار في كل مكان.
لقد استطاع مثقفو أمريكا اللاتينية أن يحركوا شعوبهم لانتزاع الحرية، وبناء أنظمة ديمقراطية يحكمها صندوق الانتخابات وليس صندوق الذخيرة، وتعالج مشكلات الفساد والتخلف من خلال قوانين عادلة تحقق التوازن الاجتماعي، وترفض العنصرية والاستثناءات والامتيازات والتمييز بين المواطنين، ثم ينسحب المسؤول بعد أن تنتهي مدته بهدوء.
مشكلة الدول العربية
ولكن المشكلة في بلادنا العربية هو وجود النخبة العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية العميقة التي تحرص على مصالحها بالدرجة الأولى، ولديها استعداد بعدئذ لفعل أي شيء ضد الدين والوطن، بدءاً من محاربة الإسلام وشيطنته ومحاصرته في المساجد والزوايا، حتى موالاة العدو الصهيوني وسادته الصليبيين، والترويج لمقولاتهم المعادية للعرب والمسلمين.
هذه النخبة صنعها الغرب الصليبي على عينه منذ مائتي عام تقريباً، ووضعها في مرتبة تفوق بقية مواطني الشعوب العربية، فكان ولاؤها الكامل للثقافة الغربية، أو بالأحرى للجانب السلبي في هذه الثقافة: العنصرية، وكراهية الإسلام أو فهمه فهماً مغلوطاً، والاستسلام لإرادة الأجنبي في القضايا القومية والوطنية، والتغاضي عن الفكرة الديمقراطية بوصفها آلية من آليات اختيار المسؤولين والنواب عن الأمة ونواب المحليات، ثم إن هذه النخبة كانت وما زالت تحبّذ الاحتكام إلى القوة أو السلاح المادي أو المعنوي الذي تملكه لفرض الرأي أو حسم الخلاف حول القضايا العامة المطروحة.
ويعزى تعثر ثورات "الربيع العربي" إلى تجذّر هذه النخبة في السياسة العربية، والإدارة الحكومية؛ مما جعلها تملك قوة ذاتية قادرة على مواجهة أي مدّ ثوري أو إصلاحي، وتعويقه عن تحقيق غايات التغيير وإقامة العدل وبسط راية الحرية والأمل، وهو ما رأيناه في الدول التي شهدت ربيعاً عربياً يبشر بتحقيق الكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
استباحة الدماء
لقد استباحت هذه النخبة الدماء بغزارة غير مسبوقة، ولم تخجل من الكذب والتدليس وهي تقمع الملايين، وفي الوقت نفسه تتحدث باسمهم وتزعم أنها تعبر عن إرادتهم في مصادرة الحريات وتكميم الأفواه، وإغلاق وسائط التعبير، وأسْر عشرات الألوف في أقبية السجون، ومطاردة المتظاهرين في الشوارع والميادين بالرصاص الحي والخرطوش والغاز المسيل للدموع، ودفع البلطجية والشبيحة ليقوموا بالعمليات القذرة ضد الثوار والأحرار.
ويلاحظ أن الفترة التي أعقبت هزيمة العرب في فلسطين عام 1948م شهدت انقلابات عسكرية في أهم العواصم العربية، كان من أهم ملامحها محاربة الحركات الإسلامية وخاصة التي أبلت بلاء حسناً في هذه الحرب، مع إلغاء الصورة المتاحة للديمقراطية في تلك الفترة، وصار القرار الحاسم بيد الحاكم الذي كان عسكرياً في الغالب، أو يحركه العسكر، وفي الوقت نفسه كانت النخبة تؤيد الاستبداد العسكري أو الاستبداد العسكري الذي تغطيه المسحة المدنية، وعلى امتداد أكثر من ستين عاماً، انهزم العرب عسكرياً وسياسياً في معظم معاركهم التي خاضوها، مما مكن العدوّ الصهيوني من الوجود رسمياً مع الاعتراف العربي الصريح والضمني بهذا الوجود، في ظل تخلف مهين أعاد العرب إلى ما وراء مستوى جمهوريات الموز!
الفكر الاستبدادي
ومن المعلوم أن الفكر العسكري أو الاستبدادي بصفة عامة لا يفقه معنى السياسة بمعناها الحضاري؛ وهي فن الممكن الذي يحقق مصلحة الشعوب على ضوء المعادلات القائمة، أو علم تدبير المنزل وفقاً لتعريف علماء المسلمين قديماً.. عدم فقه معنى السياسة أدى إلى قرارات عشوائية أو انفعالية أو بمعنى أخف غير مدروسة؛ وهو ما أوقع العرب بعامة ودول القيادة العربية – إذا صح التعبير – بصفة خاصة في مآزق إستراتيجية عانت منها عناء شديداً ولما تزل، وتتفاقم المعاناة كلما ضاقت حلقات الاستبداد واشتدت.
صاحب الاستبداد عمليات بطش وقمع وإهدار لكرامة المواطن العربي، وهي عمليات لا تتوقف بحال، والغرض منها تحويل الإنسان العربي إلى مجرد عبد يأكل ويسبّح بحمد السلطان، ويهتف له: بالروح والدم نفدي عظمتك!
من حاولوا صناعة نوع من الديمقراطية الصورية المزيفة لم يسمحوا للنواب شبه المعينين أن يتخذوا القرارات التي تعبر عن رؤاهم وأفكارهم، بل تأتيهم القرارات بغتة من الجهات العليا ليوافقوا عليها، والأمر نفسه ينطبق على الأحزاب الكرتونية المصنوعة أمنياً، فإنها لا تستطيع أن تتحرك إلا وفق خط مرسوم، إذا تجاوزته يتم تأديبها بطرق متعددة، أشهرها تحريك بعض المنتمين إليها لعمل انشقاق وجمعية عمومية وإعلان رئيس جديد للحزب، ثم يلجأ الطرفان للجنة الأحزاب أو المحاكم، ويتم تجميد الحزب وإنهاء وجوده بطريقة غير مباشرة.
الديمقراطية الإسلامية
الديمقراطية أو الشورى بالمصطلح الإسلامي ضرورة لتدبير المنزل، واتخاذ القرار الملائم في القضية المطروحة، فضلاً عن الرقابة على ما يجري في الوطن، ومتابعته وحمايته من الفساد والخلل، ودراسة أي قانون أو موضوع سياسي دراسة حقيقية، وصياغة دستور تراعى فيه العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، والفصل بين السلطات الثلاث؛ التشريعية، والقضائية، والتنفيذية، وكلها عناصر ضرورية لبناء أوطان مستقرة تعمل وتنتج وتشارك في الحضارة الإنسانية، وتملك القوة التي تحميها وتصنع هيبتها.
لقد ظلت أوروبا تتطاحن وتتقاتل وتسفك الدماء فيما بين دولها وشعوبها عدة قرون، ولم يتوقف سيل الدم والعنف والاضطراب إلا بعد التوافق على الديمقراطية والانتخابات الحرة النزيهة، وتحديد مدة الرئاسة، وتداول السلطة وفقاً لإرادة الناس، فاستطاعت أن تستقر أمنياً، وتتقدم بدون انقلابات أو قلاقل، وتمكنت من إقامة اتحاد شمل معظم دول القارة يتكامل سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ويستطيع أي مواطن في دولة أوروبية أن يعبر إلى بقية الدول ببطاقته الشخصية؛ أي أقام الأوروبيون خلافة تشبه الخلافة الإسلامية الراشدة في عهدها البعيد.
المستبدون.. والإعلام
مشكلة المستبدين في عالمنا العربي أنهم يعتمدون على الإعلام الكذاب ومثقفي الزور ومفكري العنصرية؛ لتجميل صورهم الاستبدادية القبيحة، وصرف الناس إلى قضايا هامشية أو وهمية، دون مواجهة المواقف الخطيرة التي تحتاج إلى جهد وجهاد وعمل يقوم على العلم والتخطيط.
هل تواجه الأمة هجوماً عسكرياً غشوماً مسلحاً بالعلم والتدريب وأقوى الأسلحة بأغانٍ وأناشيد من نوع: "ولا يهمّك يا ريّس.. ولا يهمك يا ريس.. م الأمريكان يا ريس.. حواليك أشجع رجال.. دا الصبر قاد حرايق.. جوّه صدور الخلايق.. ما يصنع الحقايق.. إلا عبور المحال"؟! هل يمكن أن تُغْني هذه الكلمات عن عمل جاد، وقوات مدربة وسلاح فعال أمام عدو لا يحارب بالأناشيد؟! على كلٍّ، لم تُغْنِ هذه الكلمات ولا غيرها شيئاً أمام احتلال مساحات شاسعة من بلاد العرب والمسلمين على رأسها القدس، كما لم تُغْنِ عنها خطب الاستبداد والغطرسة التي كانت تتيه وتتفاخر بأن صاحبها "مش خرع زي مستر إيدن"!
الاستبداد يحُول بين الناس وبين الحرية، ويحوّلهم إلى عبيد، ويعرّض البلاد لخراب عاجل، فالعبيد لا يستطيعون الدفاع عن أوطانهم، ولا يقدرون على حمايتها أو صيانتها، فضلاً عن بنائها!
وعادة، فإن النخبة المثقفة المؤيدة للمستبد المهزوم الفاشل لا تناقش القضايا الجوهرية أو القضايا التي تعني الناس وتفتح لهم مخرجاً من الأزمات، بل تنحرف إلى قضايا هامشية بل مفتعلة ولا مسوغ لها، مثلما نسمع أو نقرأ عن التبشير بما يسمى الثورة الدينية في بلاد المسلمين، وكأن الإسلام كهنوت وكرادلة وحرمان أو غفران يوزع صكوكه رجال دين يتحكمون في البلاد والعباد، ومثلما نسمع أو نقرأ من صعاليك الثقافة عن رفض مصطلح الأمة الإسلامية، وإنكار أن تكون هناك راية تجمع المسلمين في إطار واحد يعترف بالشعوب والقبائل والخصوصية البشرية في البيئات المختلفة.
الشورى والحرية
من المؤكد أن مناخ الشورى الحقيقي يمنح الشعوب حرية الحركة، ويحفزهم على النشاط والعمل، ويدفعهم إلى الإنتاج والإبداع، ويُظهر أفضل ما لديهم من طاقات وأفكار وقدرة على المشاركة.. أما مناخ الاستبداد فهو أساس الفشل والإخفاق وأس الفساد والظلم، والحاضنة الطبيعية للاضطرابات والعنف وعدم الاستقرار.
السياسة العربية تتخبط؛ لأنها لم تصل حتى اليوم إلى التوافق والتعايش من خلال الديمقراطية أو الشورى، وتسقط في دركات التخلف والانحطاط الحضاري والإنساني، وإذا كانت النخب الحاكمة تظن أنها تمكنت من رقاب الشعوب بالثورة المضادة لـ"الربيع العربي"، فمن المؤكد أن هذه الشعوب التي تهتف بالحرية في مظاهرات مستمرة منذ عشرين شهراً وتواجه الرصاص الحي لن تتراجع، فقد ذاقت طعم الحرية، وعرفت معنى الكرامة ولن يطفئ لهيب الثورة إعلام كذوب، ولا قوة غشوم!
ومهما قيل عن سلبيات للديمقراطية؛ فهي في كل الأحوال أقل من خطايا الدكتاتورية والاستبداد، والحاكم الصالح هو الذي يودع شعبه بعد انتهاء مدته مبتسماً، ويودعه شعبه بالورود والزهور، مثلما حدث مع "خوسيه موخيكا"، الرئيس الفقير الذي قال لشعبه وهو يسلم خلفه الحكم أنه سيبقى معهم بمشاعره وجهده: "لن أرحل.. سأرحل عندما ألفظ أنفاسي الأخيرة.. فأينما كنت سأكون معكم.. شكراً أيها الشعب العزيز".