; ملف العدد: هدم «الجدار» رسالة للعالم تؤكد أن: تركيع غزة فشل | مجلة المجتمع

العنوان ملف العدد: هدم «الجدار» رسالة للعالم تؤكد أن: تركيع غزة فشل

الكاتب وسام عفيفة

تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2008

مشاهدات 72

نشر في العدد 1787

نشر في الصفحة 12

السبت 02-فبراير-2008

  • مشاهد ما جرى تشير إلى أن واقعًا جديدًا يترسخ بين غزة ومصر سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
  • الاحتلال الصهيوني يشدد العقوبات الجماعية.. والمرضي ما زالوا في خطر.

مع فجر الخميس قبل الماضي قررت المجتمع خوض التجربة مثل عشرات آلاف الغزاويين بالتوجه عبر الحدود إلى العريش.. عند الوصول إلى الحدود كانت آثار الغضب الغزاوي بادية بوضوح، فالجدار الحديدي الذي يصل ارتفاعه إلى نحو عشرة أمتار كان متهاويًا على الأرض، وكأنه إعلان جديد من قبل المقاومة الفلسطينية عن عملية ضد آثار الاحتلال الصهيوني الذي رغم مغادرته قطاع غزة في عام ٢٠٠٥م فإنه ترك خلفه هذا الجدار المركب من الحديد والإسمنت والأسلاك الشائكة، وحزام أمني أنشأه على أنقاض منازل كان يدمرها يوميًا.

ومع تسلل نور الشمس كنا ننسل بسهولة أمام حرس الحدود المصري من خلال الثغرات التي شكلتها التفجيرات من الجانب الفلسطيني والجرافات في السور الإسمنتي القصير في الطرف المصري، فيما أزالت أجساد أول أفواج بشرية عبرت إلى مصر الأسلاك الشائكة.

منذ اللحظة الأولى كانت رفع المصرية تعلن أنها تحولت إلى سوق للغزاويين تباع أي سلعة فيها.. سيارات النقل المصرية كانت تصطف في طابور طويل تنقل عبوات كبيرة من السولار وهي أول سلعة كان يبحث عنها الغزاويون الذين حرموا من الوقود.. رائحة احتراق السولار المصري المنبعث من السيارات كان بمثابة وسيلة إعلان عن هذه السلعة..

عند توغلنا في شوارع رفع المصرية لم نشعر بالفرق الكبير بينها وبين رفع الفلسطينية.. كان واضحًا في تاريخ الصراع العربي الصهيوني أنها مدينة واحدة انقسمت إلى شطرين أسماء العائلات على لافتات المحال التجارية الكثير منها موجود في رفح الفلسطينية الشاعر.. برهوم.. قشطة.. إلخ، وحتى اللهجة كانت تعبر عما مرت به هذه المدينة القديمة.. كانت خليطًا بين المصري والفلسطيني والسيناوي..

 بدت المدينة مع بزوغ الشمس وكأنها منهكة من ليلة تجارية وحركة الأمواج البشرية المتدفقة على المدينة جعلها وكأنها تحتاج للتوسع لتتمكن من استيعابهم. 

عند الوصول إلى العريش بدا المشهد مزدحمًا.. عشرات الآلاف من أهالي غزة كانوا قد أمضوا ليلتهم الأولى في العريش.. ناموا في كل مكان ممكن رغم أجواء البرد القارس. وربما كانت المساجد خير مركز إيواء لهم..

في مسجد الرفاعي وسط المدينة استلقى العشرات في المسجد، وبعضهم بدأ يستعد ليوم جديد وجولة جديدة في العريش رغم أنهم كانوا يعملون كميات كبيرة من السلع من كل شيء.

المشهد في العريش يغري بالتسوق، ويدفع أي مشارك في هذه التظاهرة التجارية أن يجرب الشراء.. كانت بورصة الأسعار ترتفع وتنخفض كل ساعة تبعًا لميزان العرض والطلب، وفي كل الأحوال كانت الأسعار مرتفعة عن الوضع الطبيعي لأن الميزان التجاري كان راجعًا لصالح الطلب أكثر من العرض.

أزمة وقود في العريش:

 من المفارقات التي رصدناها أن أزمة نفاد المحروقات انتقلت إلى العريش بعدما قام التجار بتحويل هذه السلعة إلى غزة التباع بأسعار مضاعفة بسبب الفرق في السعر «للسولار والبنزين» الذي يصل إلى ٥٠٠٪، والغزاويون تندروا وقالوا للسائقين من أهل المدينة: «اذهبوا إلى غزة لتتزودوا بالوقود»!

الزائرون من غزة استحدثوا وسيلة نقل جديدة جراء الإقبال الشديد على شراء «الدراجات النارية» التي يصل سعرها إلى نحو ۸۰۰ دولار، وقد كانت تباع في غزة بألفي دولار.. الدراجات النارية ملأت شوارع العريش والطريق العام بين رفح المصرية والعريش.. محلات «بواريد الصيد» كانت مكانًا لتجمع الشبان في حين يطلب أهل العريش شراء الأجهزة المحمولة المستعملة بأسعار جيدة لأنها مرتفعة السعر في مصر.

مصطافون في الشتاء!

وعلى شاطئ العريش بدا المشهد وكأن موسم الصيف قد انبعث وسط الشتاء، أما المصطافون الجدد في هذا الشتاء فهم أهالي غزة الذين جاءوا يتسمون الحرية مع نسيم بحر العريش، ويسعون لاستئجار «الشاليهات» للمبيت، لكن حتى الإيجار أصابه من «الغلاء» فأصبح إيجار «الشاليه» كما لو كان في موسم الصيف، وبدل أن يكون إيجار الليلة بـ ٢٠ أو ٣٠ جنيهًا في مثل هذا الوقت من العام ارتفع إلى نحو ١٠٠ جنيه في الليلة الواحدة..

 المشاهد والمفارقات في الرحلة إلى العريش تشير إلى أن واقعًا جديدًا قد يترسخ بين غزة ومصر، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.. قد ينقل غزة إلى مرحلة جديدة من الصراع من أجل البقاء.

وعند عودتنا من العريش إلى رفح المصرية في منتصف الليل كانت المدينة تعج بالحركة، وقد انتقلت إليها محال تجارية متحركة من خلال سيارات النقل.. وعلى الحدود كانت شاحنات وقاطرات مصرية محملة بالإسمنت والمواد الغذائية تنقل بضائعها بطريقة «ظهر إلى ظهر» التي ابتدعها «الإسرائيليون» في معبر «كارني» لكن في اليوم التالي دخلت هذه الشاحنات إلى غزة وإلى العريش في سابقة هي الأولى منذ السبعينيات عندما كانت غزة وسيناء تخضعان للاحتلال الصهيوني.

غزة لا تزال محاصرة:

عدت إلى غزة مرة أخرى لأجد آثار الحصار الخانق ما زالت تفعل أفاعيلها، فمنع السلطات الصهيونية تزويد القطاع بالوقود جعل ٩٠٪ من المواطنين يعيشون في ظلام دامس.. تحول إلى ظلام جزئي بعد التزويد الجزئي للقطاع بالوقود، وأضحي الحطب والشمع والخبز عماد حياة جديدة بالنسبة لأولئك المواطنين الذين لم يتبق أمامهم إلا البحث عن أمل مفقود في الحياة.. فهذا «جميل» قد جلب لبيته ما يزيد على خمسين كيلو جرامًا من الحطب، حيث قال: «لا سبيل لدينا اليوم إلا التعامل مع ما هو واقع فليس هناك غاز أو وقود مما سيجعلنا نضطر إلى طهي طعامنا على الحطب، وهو الحل الوحيد إلى حين يأتي الفرج».

 وتفاديًا لأزمة الخبز المفقود من مخابر غزة قامت زوجة جميل - والتي لم تكن في السابق تخبز في بيتها وتعتمد على شراء الخبز - بإعداد رقائق «الصاج» على الحطب.

وفي القطاع المحاصر تعددت الحكايات المؤلمة، وفي جعبة كل مواطن تجد الهم، فقد توقفت حركة السير في شوارع قطاع غزة وتعطلت الكثير من سيارات الأجرة بعد أن أغلقت محطات البترول أبوابها بعد نفاد مخزونها.

وهو ما جعل المواطنة سميرة «27 عامًا» تذرف دموعها لعجزها عن توفير الدفء لطفلتها التي لم تتجاوز الشهرين، في ظل انقطاع التيار الكهربائي، وتقول: «استطاع زوجي أن يوفر القليل من الفحم لكني لا أستطيع إشعاله خوفًا على حياة طفلتي التي تحتاج إلى مدفئة كهربائية.. أشعر بأن طفلتي تزداد بردًا وليس لي حول ولا قوة».

 كما تعرض المرضى، وفي مقدمتهم ذوو الحالات الحرجة كمرضى الكلى والقلب وكذلك الأطفال الخدج، لخطر شديد، خاصة بعدما أشرف وقود المستشفيات على الانتهاء. 

مرضى الكلى حياتهم مهددة: ساعات قليلة تفصل بين انقطاع الكهرباء ونهاية حياة المئات من مرضى الكلى في قطاع غزة، في حال استمر انقطاع الكهربائي عن المستشفيات التي توشك على فقد مخزونها من الوقود الذي تعمل به المولدات.

رئيس قسم الكلي الصناعية أيمن سكيك أكد أن مريض الكلى لا يستطيع التحمل سوى ٢٤ ساعة دون غسيل، مشددًا على أن عمل الأجهزة يعتمد على الكهرباء التي فقدتها مدينة غزة، بينما المولدات التي تعتبر البديل عن الكهرباء لا تجد الوقود لتشغيلها بسبب منع قوات الاحتلال وصولها للقطاع.

وفي حال نفاد الوقود فإن ۲۰۰ مريض بالكلى سيقضون بعد ٤٨ ساعة من انقطاع الكهرباء، داخل مجمع الشفاء الطبي.

 وينطبق هذا الحــال على باقي مستشفيات غزة التي تعتبر صغيرة إذا ما قورنت بمجمع الشفاء الرئيس في القطاع لاسيما بعد التحذيرات التي أطلقتها مستشفى غزة الأوروبي في «خان يونس» من وقوع كارثة صحية جراء الحصار وانقطاع التيار ونفاد الوقود.

ومن جانبها حذرت جمعية السلامة الخيرية لرعاية الجرحى والمعاقين من توقف خدماتها الطبية للجرحى الذين يتلقون العلاج في منازلهم، وهو ما قد يؤدي إلى تدهور الحالة الصحية لهم بسبب الخلل في جدول الغيارات الطبية، وذلك بسبب نفاذ الوقود والتوقف التام للمركبات وسيارات الإسعاف التابعة للجمعية وانقطاع التيار الكهربائي عن قطاع غزة.

الرابط المختصر :