; ملف العدد: نفوذ وثروة رموز "الدولة العميقة" أجهضا "الربيع العربي" | مجلة المجتمع

العنوان ملف العدد: نفوذ وثروة رموز "الدولة العميقة" أجهضا "الربيع العربي"

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر الأربعاء 01-أبريل-2015

مشاهدات 55

نشر في العدد 2082

نشر في الصفحة 32

الأربعاء 01-أبريل-2015

مستقبل الديمقراطية المتوقع بعد الثورات المضادة يبدو مظلماً والثورات القادمة قد تكون دموية لا ربيعية

الأمر بدا كأن هناك "غرفة عمليات إعلامية عربية مشتركة" تدير معركة لا أخلاقية ضد الثورات وتسفّه الديمقراطية

رموز "الدولة العميقة" سعوا لإظهار أن الديمقراطية فشلت في توفير الأمن والاستقرار والحياة الكريمة

القاهرة: 

بعد أربعة أعوام على "الربيع العربي" الذي عصف بأربعة من عتاة القادة العرب في تونس "بن علي"، ومصر "مبارك"، واليمن "علي صالح"، وليبيا "القذافي"، عاد الصف الثاني من مساعدي نفس الحكام المقالين إلى مقاعدهم، وخرج وزراؤهم من السجون، وحل محلهم الثوار الشباب الذين قادوا هذه الثورة.. فما الذي جرى؟! بعد شعارات الحرية، والعدالة الاجتماعية، والقضاء على الفساد، التي رفعها شباب الثورة في الأقطار العربية المختلفة.

القصة لها علاقة كبيرة بنظرية "الدولة العميقة" التي تعني تغلغل رموز الأنظمة الفاسدة السابقة في أجهزة الدولة المختلفة (أمن، جيش، قضاء، بيروقراطية، إعلام.. إلخ)، بحكم بقاء أغلب هؤلاء الحكام سنوات طويلة امتدت إلى 42 عاماً مثل حكم "القذافي"، أو 30 عاماً مثل "مبارك"، وتشعب نفوذ أنصارهم السياسي في الأجهزة المختلفة، وتكوينهم ثروات من الفساد أصبح من الصعب التخلي عنها بسهولة.

وبسبب خلافات الثوار في أغلب الدول العربية أيديولوجياً وتصارعهم (الإسلاميون، الليبراليون، اليساريون، المستقلون)، وعدم وجود قيادة موحدة لهم، واتباع أغلب الثورات العربية نموذج "الثورة البيضاء"، أو المنهج السلمي في التعامل مع رموز الأنظمة السابقة عبر محاكمتهم أمام نفس القضاة السابقين وبموجب نفس القوانين القديمة، فقد عادت "فلول" هذه الأنظمة ورموزها في كافة أجهزة "الدولة العميقة" للتوحد تلقائياً – ربما بدون ترتيب محدد – لحماية هذه "الثروة" وهذا "النفوذ".

ولأن هناك مستفيدين من هذه الأنظمة في أجهزة القضاء ووسائل الإعلام الحكومية أو التي يملكها رجال أعمال كانوا ضمن المنظومة الفاسدة التي قامت عليها الثورة، فضلاً عن قادة أمنيين وعسكريين، فقد بدأت "ثورة مضادة" تدريجية، عبر إحراق الأرض تحت أقدام الأنظمة الهشة التي جاءت بها أول انتخابات ديمقراطية، ونشر الفوضى والعنف المرتبطين بالخراب الاقتصادي.

كما أن الأمن والطعام هما أولى حاجات الشعوب التي دعمت هذه الثورات الشعبية العربية وخرجت لتنالهما؛ لم يتحققا بفعل هذه "الديمقراطية" التي سعى لها الثوار الشباب، لتكون هي القاطرة التي تنقلها للأمن والطعام، فقد لعب رموز الدولة العميقة على هذا المحور، وسعوا لإظهار أن الديمقراطية فشلت في توفير الأمن والاستقرار أو الحياة الاقتصادية الكريمة، عبر أحداث عنف مفتعلة، وجماعات عنف اختفت عقب نجاح الثورات (الانقلابات) المضادة ("بلاك بلوك"، و"تمرد" في مصر)؛ ما جعل مراقبين يقولون: إنها صنيعة أجهزة أمنية. 

ومارس إعلام الثورة المضادة وأصحاب النفوذ من الرموز الإعلامية المرتبطة بباقي رموز الانقلابات العربية خصوصاً الأجهزة الأمنية والعسكرية التي تملك القوة النارية، دوره في تمهيد نيران الساحة الشعبية؛ عبر تصوير الثورات على أنها "شر"، وأنه لم يكن هناك استقرار أفضل مما كان قبل الثورة.

ففي عشية "الربيع العربي"، كانت برامج التلفزيون العربية الرسمية والمحسوبة على الرسمية تُخون الشعوب وتسفه وتشمت بتلك الأحلام التي خُطت نحو الميادين لتقول كلمة "ارحل"، وكانت ترسم أول ملامحها نحو صناعة الوجه الأول فيما يسمى اليوم بـ"الثورة المضادة"، وبعدما كانت تمجد الحكام المخلوعين باتت تقول: "ارحموا عزيز قوم ذل"، ثم انتقلت لتقول: "إن الثورات هي سبب كل المشكلات"، وتسبِّح بحمد الدكتاتوريات الجديدة القمعية، طالما تتوافق مع مصالحها ونفوذها.

وبدا الأمر كما لو أن هناك "غرفة عمليات إعلامية عربية مشتركة" تدير معركة لا أخلاقية ضد الثورات وتسفه الديمقراطية بواسطة محطات التلفزيون والصحافة؛ لأجل هدم وتشويه صورة "الربيع العربي"، وإلصاق كل نقيصة به.

إمبراطوريات الجيوش الاقتصادية

الجيش المصري هو الوحيد الأكثر تنظيماً وقوة في المنطقة العربية، وله نفوذ سياسي منذ سيطرة ضباط الجيش على السلطة عقب ثورة يوليو 1952م، ولهذا مارس دوراً مختلفاً عن الجيوش العربية الأخرى في دول "الربيع العربي"، ففي ليبيا لم يكن هناك جيش حقيقي برغبة "القذافي"؛ كي لا ينقلب عليه، وإنما "مليشيات"، وفي تونس لم تكن المؤسسة العسكرية – بحسب الشيخ راشد الغنوشي – لها مطامح سياسية، أما في اليمن فقد جرى تحييده بحكم القبائل، وفي سورية انقسم الجيش طائفياً بسبب سيطرة الطائفة العلوية على السلطة.

لهذا شهدت محاولات الثورة المضادة للانقلاب على المسار الديمقراطي في بلدان "الربيع العربي"، في ليبيا وسورية واليمن، حالة من الصراع المسلح بين من قاموا بالانقلابات، بينما قادت المؤسسة العسكرية القوية في مصر عملية الانقلاب على الرئيس "محمد مرسي" بيسر؛ بسبب سيطرتها التاريخية، ورعايتها ومشاركتها في التغييرات التي وقعت عقب ثورة 25 يناير 2011م.

فبعد الإطاحة بـ"مبارك" في 11 فبراير 2011م، كان للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر ثلاثة خطوط حمراء ظهرت في تصريحات قادته في مناسبات مختلفة، وهي: حق الاعتراض (الفيتو) على السياسات العليا، واستقلال ميزانية الجيش وإمبراطوريته الاقتصادية، والحصانة القانونية من المحاكمات في مواجهة أي اتهامات بالفساد أو القمع.

كما أراد المجلس العسكري استحداث صلاحيات دستورية وقانونية لضمان تلك الترتيبات، وكان له ما أراد في بعض التشريعات، ولكن في عام 2012م وعقب انتخاب أول برلمان بعد الثورة غلب عليه النواب الإسلاميين، صدرت تصريحات من بعض النواب حول ضرورة إخضاع مشروعات الجيش للدولة وألا تكون مستقلة؛ وهو ما أغضب المجلس العسكري، حيث صدر في مارس 2012م تصريح غاضب وتحذير علني من اللواء محمود نصر، عضو المجلس العسكري والمسؤول عن الشؤون المالية، جاء فيه: "هذه (مشروعات الجيش) عرق الجيش وسنقاتل من أجلها، ولن نسمح لكائن من كان أن يقترب من مشروعات القوات المسلحة"!

ويرى مراقبون أن هذه المشروعات الاقتصادية، التي كشفت "تسريبات مكتب السيسي" حصولها أيضاً على أغلب الدعم المالي الخليجي لمصر، بمثابة خط أحمر يرفض قادة الجيش التنازل عنها، وأن الخشية من تحجيم إمبراطورية الجيش الاقتصادية، وكذا تحجيم دور الجيش في الحياة السياسية، هما السبب الحقيقي وراء الانقلاب.

ويدير الجيش المصري مشروعات اقتصادية كبرى، ويرفض تدخل الدولة فيها، تشمل مصانع للمكرونة والمياه والزيوت والثروة الحيوانية، ومحطات وقود، وغيرها، كما بدأ يدير الطرق السريعة، ويتولى تنفيذ المشروعات المختلفة بالأمر المباشر، وقدرت مصادر اقتصادية وأخرى أجنبية حجم اقتصاد الجيش مقارنة بالدولة المصرية بنحو 40 - 60% من اقتصاد مصر، بيد أن "السيسي" أعلن أن اقتصاد الجيش لا يعادل 5% من اقتصاد مصر.

وفي أبريل 2014م، قال الكاتب البريطاني الشهير "روبرت فيسك": إن الجيش المصري بقيادة "عبدالفتاح السيسي" انقلب على الرئيس المنتَخَب "د. محمد مرسي"؛ بزعم أن الرجل كان يسعى لإقامة دولة وخلافة إسلامية، لكن الحقيقة هي أن الجيش انقلب ليعيد تأسيس إمبراطوريته المالية الضخمة البعيدة عن الرقابة المدنية وفقاً للدستور الجديد ويحافظ عليها.

وأشار "فيسك" في مقال نشره يوم 20 أبريل 2014م بجريدة الإندبندنت" البريطانية تحت عنوان "الشرق الأوسط في المستقبل.. دول المافيا التي يحكمها المال" إلى الثروة الهائلة التي تتحكم بها المؤسسة العسكرية.

وفي مايو الماضي 2014م، قالت صحيفة "دويتش فيله" الألمانية: إن النسبة المئوية التي يسيطر الجيش عليها من الاقتصاد المصري تراوح بين 5 و60%، وإن ميزانية الدفاع والأرقام الخاصة بالجيش تتم عادة بشكل سري، لكن الواضح هو أن الجيش يشارك في كافة القطاعات المهمة بداية من تصنيع المكرونة وإنتاج الأثاث والتلفزيونات وحتى مجال النفط ومشروعات البنية التحتية، وللجيش العديد من المستشفيات والمنشآت السياحية على البحر الأحمر، كما يؤدي دوراً مهماً في الزراعة، ويترأس هذه المشروعات غالباً قيادات متقاعدة من الجيش تحقق دخلاً كبيراً من هذا العمل الذي يحد من الطموحات السياسية لهذه الشخصيات العسكرية.

وكانت إمبراطوريات الجيش الاقتصادية مصدراً لزيادة نفوذ الجيش؛ وبالتالي قضية شائكة بالنسبة لأي مدني منتَخَب، وكانت مؤشراً على رفض التدخل في مصالحها الاقتصادية.

مستقبل الديمقراطية العربية

كان إجهاض الديمقراطية الوليدة في العديد من دول "الربيع العربي" وعودة الأنظمة القمعية مرتبط بصورة كبيرة بمصالح دول إقليمية ودولية تضررت مصالحها أيضاً من هذه الثورات العربية، فهناك عواصم عربية خشيت من تصدير ثورات الديمقراطية العربية لها إذا استتب لها الحال في بلدان "الربيع العربي" ما يهدد عروش وحكام هذه الدول.

وهناك أيضاً عوامل أجنبية اعتبرت ما جرى ضاراً بمصالحها الحيوية في المنطقة ونفوذها؛ لأن الحكام الديمقراطيين لا ينصاعون للإملاءات الأمريكية مثلاً، وفي مصر كانت المصالح الأمريكية المحددة في المرور عبر قناة السويس وضمان أمن "إسرائيل" محاطة بمخاوف، خصوصاً أن صناديق الانتخابات جاءت بالإسلاميين بكثافة.

لهذا، فإن مستقبل السياسة العربية وموقفها من الديمقراطية بعد "الربيع العربي"، يشير للعودة إلى نقطة الصفر وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه.

فبعد الثورات والثورات المضادة سيكون أبرز ما يلحق بالنظام الإقليمي العربي هو غياب التغيير الديمقراطي بسبب سطوة الأيديولوجيا، والدولة العميقة، والمسارات العنيفة، والسياسات والتحالفات بين دول الإقليم التي تدفع باتجاه إجهاض أي ديمقراطية حقيقية، وتبقي على مظاهر شكلية للديمقراطية مثل الانتخابات، بينما تفرغها – كأدوات – من دورها في إنتاج ديمقراطية حقيقية.

وخطورة هذا المستقبل تتصل بظهور جماعات العنف، سواء الجماعات الأكثر تطرفاً الرافضة للديمقراطية أصلاً مثل "داعش"، أو التي قبلت بالديمقراطية ثم كفرت بها (تيارات الجهاد وجماعات سلفية) بعدما شاهدوا الانقلاب عليها عقب فوز الإسلاميين، لهذا فالمستقبل ربما يكون مزيداً من الدكتاتورية والعنف طالما لم تتحقق الديمقراطية، وطالما يصر أصحاب الثروة والنفوذ على عدم التخلي عنها؛ ما يؤشر لثورات عربية أخرى قد لا تكون "ربيعية" هذه المرة، وإنما "دموية" لاستئصال رموز الثورات المضادة، التي تتحصن بقوى عسكرية وشرطية قوية. 

الرابط المختصر :