; من الكويت إلى الجزائر مرورًا بالأردن.. ومن تركيا إلى اليمن: الإسلاميون وتجربة المشاركة في السلطة | مجلة المجتمع

العنوان من الكويت إلى الجزائر مرورًا بالأردن.. ومن تركيا إلى اليمن: الإسلاميون وتجربة المشاركة في السلطة

الكاتب مصطفى الطحان

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1997

مشاهدات 71

نشر في العدد 1258

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 15-يوليو-1997

من الكويت إلى الجزائر.. ومن تركيا إلى الأردن إلى اليمن، تمثل الحركات الإسلامية المعاصرة ظاهرة ملفتة للنظر يراها البعض إشراقة خير، فيما يراها البعض الآخر همًا لا مناصَ من تحمله، ومن الاضطهاد والمنع والحظر.. إلى العلنية والانتشار.. ومن ظلمات السجون إلى أضواء السياسة والإعلام، ومن مقاعد المعارضة إلى كراسي الوزارة، بل الكرسي الأول أحيانًا، ومن مرحلة هم الدعوة إلى مرحلة مسؤولية الدولة... هكذا تتبدل أحوال الحركات الإسلامية في بعض البلدان، فيما تظل في بلدان أخرى أسيرة قرارات الحظر والمنع والمصادرة.

 قبل أسبوعين دخلت مجموعة من حركة مجتمع السلم في الجزائر الحكومة الجديدة التي تشكلت بعد الانتخابات النيابية، وقبل ذلك بأيام ترك نجم الدين أربكان مقعد رئيس وزراء تركيا بعد جدل أستمر عامًا حول تجربته في الحكم، وقبل ذلك بأسابيع انتقل التجمع اليمني للإصلاح من مقعد المشاركة في السلطة إلى مقاعد المعارضة، وعقب أول انتخابات بعد تحرير الكويت شاركت الحركة الدستورية الإسلامية في الوزارة ومن قبل شارك الإخوان المسلمون في الأردن في الوزارة مرة واحدة لفترة قصيرة. 

كيف كانت هذه التجارب؟ وماذا أسفرت عنه من إيجابيات وسلبيات؟ وما رأي المشاركين في التجربة؟ وما رأي المراقبين لها؟ هذا ما تحاول رصده عبر ملف العدد الذي يتناول خمس تجارب تنفرد كل منها بخصوصية في جانب وتشترك في جوانب أخرى.... ويبقى أن نقول إننا هنا نتحدث عن المشاركة في الحكم مع آخرين لا عن تجارب إسلامية كاملة.

تركيا حكومة الرفاه.. ما لها وما عليها

استقال نجم الدين أربكان - زعيم حزب الرفاه - من رئاسة الحكومة الائتلافية التي تجمع حزبه مع حزب الطريق القويم برئاسة تانسو تشيللر وزيرة الخارجية ونائبة رئيس الوزراء وكلف الرئيس التركي سليمان دميريل رئيس حزب الوطن الأم مسعود يلماظ تشكيل الحكومة التي تقدمت للبرلمان يوم السبت الماضي 12/7/1997م للاقتراع على الثقة وبصرف النظر عن مصير حكومة يلماظ فإن الإنصاف يقتضي منا أن نلقي نظرة على حكومة أربكان ما لها وما عليها، فالأمر في جملته تجربة تستحق النظر والتقييم، ثم إن التجربة ليست مجرد حكومة قامت ثم استقالت، فالأمر أعمق من ذلك لأسباب كثيرة منها:

أولًا: من المعروف تاريخيًا أن الحكومة التركية الحديثة قامت على أنقاض الدولة العثمانية واتخذت من القومية والعلمانية ركنين أساسيين يقوم عليهما بنيانها، والمقصود بالقومية هو سيادة العنصر التركي واللغة التركية والمقصود بالعلمانية هو محاربة العنصر الإسلامي الذي كان الركيزة الأساسية للدولة العثمانية، ولقد حسم هذا الصراع لصالح النظام الجمهوري عام ١٩٢٣م. الذي أصدر القرارات بإلغاء الخلافة وإحلال القوانين الأوروبية محل الشريعة الإسلامية وإلغاء جميع المدارس الدينية، ولم يتم ذلك بالاقتناع والتدرج الزمني، إنما تم بالإكراه والإرهاب والقتل وسفك الدماء. 

وعبر أكثر من سبعين سنة تغيرت فيها الحال غير الحال، وارتفعت خلالها شعارات الديمقراطية والتعددية الحزبية والليبرالية الغربية، حتى إن شريحة لا بأس بها من الشعب أقنعت نفسها أن الإنسان في تركيا يملك كامل حريته في خياراته، أو على حد تعبير أحدهم فإن إسرائيل وتركيا هما الدولتان الديمقراطيتان الوحيدتان في الشرق الأوسط.

 وكانت حكومة أربكان هي التي كشفت القناع وجعلت جميع الشرائح تعي الحقيقة، وهي أن شيئًا لم يتغير خلال هذه السنين، فمازالت قبضة الجيش الذي أسس الجمهورية تحكم اللعبة وتحرك الخيوط، وإذا كانت انقلابات ١٩٦٠م و۱۹۷۰م و۱۹۸۰م، قد سمحت بعد سنة أحيانًا أو سنتين بالعودة إلى النظام الديمقراطي الشكلي، فلان الأحزاب المتصارعة كانت على شاكلتها فيها قدر ضئيل من الروح الإسلامية، أما اليوم فالأمر مختلف، ولهذا فإننا نعتقد أن مرحلة جديدة بكل معنى الكلمة تعيشها تركيا اليوم لا يتوقع لها أن تستقر قبل مضي وقت طويل قد يمتد لسنوات.

 ثانيًا: الأمر الثاني الذي ظهر على حقيقته هذه الأحزاب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار من وصل منها إلى الحكم ومن هو في المعارضة التي طالما تشدقت بكلمات الحرية والديمقراطية وحاكمية الشعب، ظهرت على أنها مجرد رديف مدني للقوة الغشوم التي تحكم، فهي تستنجد بالجيش ليقوم. بانقلاب لإنقاذ البلاد من حزب الرفاه المتمسك بالديمقراطية.

ومن الغريب حقًا أن أحزابًا تعيش تحت قبة البرلمان باسم حاكمية الشعب، تتوسل بالعسكر لتخليصهم من حكم الشعب. 

ثالثًا: الأمر الآخر الذي ظهر على حقيقته هو هذا الإعلام الرهيب الذي قاد معركة التحريض ضد حكومة الرفاه، والإعلام في الحقيقة ليس مجرد «كلام جرايد»، إنما هو «كارتلات» اقتصادية وتجارية وإعلامية تقود عملية التوجيه في البلاد. وإذا كان اليهود يسيطرون على أهم وسائل الإعلام في الغرب، فأزلامهم يسيطرون على البقية الباقية في البلاد التابعة لهم.

وإذا كانت بعض القوى المتحكمة قد هادنت حزب الرفاه بضعة أشهر فإن الإعلام لم يهادنها دقيقة واحدة سلاحه الكذب والتحريض وتسويق الرذيلة، ومنذ أعلنت تانسو تشيللر عن ملايين الدولارات التي قدمتها الحكومات السابقة إلى التكتلات الإعلامية كرشوة لتحسين صورة تلك الحكومات، منذ ذلك اليوم، ومدافع الإعلام لم تتوقف للحظة واحدة ضد الحكومة ومؤيديها وأفكارها ومشاريعها.

لا فرق بين التطرف والاعتدال

رابعًا: لقد ظهر جليًا تشوق حزب الرفاه. ومعه جميع الإسلاميين العقلاء في العالم الذين شدوا على يده - للحرية والديمقراطية وحتى للعلمانية المنصفة التي لا تتدخل في حريات الناس من أي نوع كان.

كانوا يحلمون بتركيا مستقرة متمسكة بهويتها الإسلامية الجسر الممتد من أوروبا إلى أطراف العالم الإسلامي والعالم التركي.

كانوا يعتقدون أنهم يقدمون النموذج الرائع التعايش بين الإسلام والآخرين، تقتدي بهم الدول القلقة في الرقعة الإسلامية.

لقد كشف موقف الغرب والقوى الغربية أنهم - إذا كانوا يخافون من «التطرف الإسلامي»، كما يسمونه فإن خوفهم من الاعتدال الإسلامي أشد.

أمام هذه المعطيات نستعرض تجربة الرفاه في الحكم وتنطلق منها لتلمس بعض معالم المستقبل.

من خلال النقاط التالية:

  1.  لقد انهارت النظم الشمولية في العالم، وكان آخرها الشيوعية التي انهارت وأنهار معها الاتحاد السوفييتي، ولا بد من انهيار الأنظمة الشمولية الأخرى في بقية أنحاء العالم. 

والتجربة التركية الكمالية، ما هي في الحقيقة إلا حركة شمولية تتعبد للفرد، وتتمسك بنظام تجاوزه الزمن تدعي لنفسها العصمة والكمال وتؤمن أنها قوة فوق البشر، وتطلق شعارات مثل الديمقراطية والعلمانية ولا تؤمن بها، في ظل هذه الأوضاع ومهما تجبرت أو عنت فهي إلى زوال هذا هو منطق التاريخ.

٢ - في سنوات الاضطهاد الديني لجأ المسلمون في تركيا إلى الأحزاب اليمينية يستظلون بمظلتها، ومازالت العناصر المتدينة الملتزمة تمثل قاعدة أكثر هذه الأحزاب وخاصة حزبي الطريق القويم والوطن الأم، وما كان لهذا الحضور الإسلامي أن يتحول إلى كتلة متماسكة، لولا الخطأ المميت الذي ارتكبته المؤسسة العسكرية وبعض القوى العلمانية الأخرى عندما واجهوا حزب الرفاه بحملة طالت قضايا ورموزًا تمس مختلف الفئات الإسلامية في المجتمع وليس فقط محاربي حزب الرفاه، ومن ذلك الدعوة إلى إغلاق المدارس الدينية وفرض قانون الزي وما إلى ذلك، مما أعتبر حربًا مكشوفة وشاملة ضد الإسلام في تركيا. 

ويوم خرجت الجماهير إلى ميدان سلطان أحمد لتندد بمطالب الجيش بإغلاق مدارس الأئمة والخطباء، لم يخرج الرفاهيون وحدهم، إنما زحف الناس جميعًا لأنهم شعروا أن إسلامهم في خطر.

وعليه قرب ضارة نافعة، فموقف العسكر والأحزاب ضد الرفاه من حيث أرادوا إجهاضه فقد دفعوا المسلمين إلى التكتل حوله.

٣- قد تجرى انتخابات مبكرة أو لا تجرى وقد يقوم الجيش بانقلاب عسكري أو لا يقوم، وقد يعود أربكان وقد لا يعود، ومع ذلك فإن الشعب لن ينسى بصماته، وستطارد هذه البصمات كل أحزاب السوء وكل قوى الشر وكل الإعلام الكاذب والقوى المتحكمة لن ينسى الشعب أن أربكان لم يسرق المال العام، وأنه رفع الرواتب بعد يوم من تسلمه السلطة ورفع الحد الأدنى للأجور، ومنع الإسراف، وشكل مؤسسة اقتصادية عالمية من الدول الإسلامية الكبرى مركزها اسطنبول، وحقق ميزانية متوازنة، ولم يقترض من الخارج أو الداخل ولم يقر ضرائب جديدة، وأن بلدياته فعلت ما كان مستحيلًا في نظر الأحزاب الأخرى، ويوم ذهب مع فريق من حزبه إلى الحج أعلن أنه يحج من ماله الخاص وليس على حساب الدولة.

هذه الشفافية في الحكم والترفع عن المال العام عملة نادرة سيذكرها الشعب في الأوقات العصيبة، خاصة وأن الهمس بدا بأن ٥٠٠ شخص فقط هم الذين يتحكمون ويستفيدون من ثروة تركيا وما يثار عن عالم التسليح وصفقاته وعمولاته، بعضه لا يكاد يصدقه العقل، والدارسون لهذه المسألة يذهبون إلى حد القول بأن استمرار الحرب ضد الأكراد، وتوسيع نطاقها أو تصعيدها بين الحين والآخر يستفيد منه تجار السلاح وسماسرته بالدرجة الأولى، والجنرالات الحاليون والسابقون أطراف مباشرون في الصفقات التي تعقد لهذا الغرض، التي تعد العمولات فيها بالمليارات.

٤ - يوم تفتح بقية ملفات حادثة سوسرلك سيدرك الشعب أن هذه الشلل على اختلاف أسمائها واختلاف أشكالها ومواقعها إنما هي أجزاء من المافيا التي تحمي مراكز القمار والدعارة والمخدرات والسرقات وسيدرك الشعب ولو متأخرًا لماذا أمتنع دميريل عن توقيع القانون الخاص بإغلاق مراكز القمار؟ ولماذا استقال وزير الداخلية بعد حادث سوسرلك؟ ولماذا كان دميريل في مقدمة مشيعي أنجي بابا أحد زعماء المافيا؟

 ٥- في يوم قريب سيدرك الشعب أن أربكان هو الرجل الوحيد خلال السبعين سنة الذي قال للعسكر: إن أوامركم مجرد توصيات، وأن الشعب هو الحاكم والبرلمان هو أداة الحكم، ورئيس الوزراء هو الذي يصدر الأوامر، وأن وظيفة الجيش هي إقرار النظام وليس التعالي عليه، وسيدرك الجيش أيضًا أنه خسر أكثر مما ربح، وأن حزب الرفاه كان ناصحًا له، أما تلك الأحزاب فلم تكن أكثر من نفعيين متزلفين.

 البعض كان يشفق على الرفاه من هذه التجربة لأن شعبيته ستتناقص، وهو كلام نظري لا يمس الواقع في شيء، والصحيح أن حزب الرفاه سيضيف إلى مسيرته الطويلة أغنى حلقة من حلقات تجاربه: حلقة مجابهة الواقع التركي المحلي والدولي، ولو بقي الرفاه في المعارضة لخمس سنوات أو عشر سنوات قادمة، وضاعف شعبيته وحقق أغلبية برلمانية تؤهله من تشكيل حكومة منفردًا، وبقيت أمور السياسة الدولية كما هي الآن. فإن ذلك لن يقلل كثيراً من صعوبة المواجهة، ولن يفكك الإطار الدولي المحيط بتركيا والمحدد لخياراتها بشكل كبير، بل ربما تقود الثقة التي سيشعر بها الحزب حينذاك إلى تهور وتهوين غير واقعيين إزاء تحديات تحتاج إلى ترياق الحكمة احتياجها لأصوات الناخبين، لا بأس أن يخسر الحزب وأي حركة سياسية معارضة بعض الشعبية لقاء تلقي الدرس الكبير في الواقعية السياسية. 

وهنا ربما أمكن القول بأن مفتاح التقدم لأي حركة معارضة، وعلى وجه التحديد إن كانت إسلامية، هو المشاركة وليس الاستئثار المشاركة في الانتخابات، المشاركة في الحكم، المشاركة مع الشركاء الآخرين في الوطن وفي الهم العام لاكتشاف مسارات التغيير ومعالم مستقبل أفضل.

 والبعض كان يتهم الرفاه بأنه تنازل عن مبادئه من أجل التمسك بالحكم، ويضربون على ذلك بعض الأمثلة مثل خضوعه لإسرائيل، وموافقته على الحرب ضد الأكراد، والموافقة على تسريح بعض الضباط الإسلاميين من الجيش وغيرها.

مثل هذه الاتهامات فيها من الظلم بقدر ما فيها من الجهل، ولا أظن أن بعض من كتب في هذه القضايا لم يقرأ قول أربكان: «عندما تمر هذه الاتفاقات من خلال البرلمان نقول رأينا فيها». 

ولا نظن أن أحدًا لم يقرأ تصريحات الجيش أن أربكان لم يعلم بالحملة الأخيرة ضد الأكراد القضية ليست تنازلًا عن المبادئ، ولكنها ازدواجية السلطة والحكومة السوبر فوق الحكومة.

وأخيرًا فالبعض يكتب أن الرفاه سيتحول إلى العنف في حالة إلغاء حزب الرفاه من قبل المحكمة الدستورية، ونحب أن نطمئن المشفقين أن حزب الرفاه ليس من هذه النوعية، وأن للأمل أبواباً كثيرة أضيقها واسفهها استخدام العنف، وأن الرفاه أو أي حزب مواز اخر الذي كان الحزب الأول، بنسبة (۲۱,۷%) في انتخابات عام ١٩٩٥م سيكون الأول في الانتخابات القادمة ولكن بنسبة أكبر .

الرابط المختصر :