العنوان ملف العدد: الشريعة الإسلامية في منظور مفكرينا ودعاتنا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 03-مايو-1992
مشاهدات 58
نشر في العدد 999
نشر في الصفحة 18
الأحد 03-مايو-1992
· الغزالي: الشريعة الإسلامية حينما تطبق ستصلح ما أفسدته البرامج
والمناهج الأخرى.
الشريعة.. التطبيق والمنهج.. ماذا تعني بالنسبة لنا؟
وماذا يعني تطبيقها في دنيا الناس؟ وما هي الفائدة التي تعود على المجتمعات من
تطبيقها؟ وما أثرها على حياة الشعوب المسلمة ومستقبلها؟ كان هذا محور هذا
الاستطلاع مع العديد من مفكرينا ودعاتنا، فماذا قالوا؟ باختصار شديد يؤكد الداعية
الإسلامي الكبير الشيخ محمد الغزالي أن الشريعة الإسلامية في حد ذاتها تعد منهجًا
واعيًا ورشيدًا وواضحًا لتطبيق الإسلام، وأنها عندما تطبق ستصلح -بإذن الله تعالى-
ما أفسدته البرامج والمناهج الأخرى. ويلفت الداعية الإسلامي الشيخ أحمد المحلاوي
النظر إلى قدرة الشريعة الإسلامية على استيعاب قضايا العصر؛ بما فيها من ذخيرة
عظيمة في الفقه الإسلامي الذي يعد بحق أساس كل القضايا المعاصرة. ومعلوم أن
الإسلام بدأ في شبه الجزيرة العربية حيث لم يكن هناك نظام الدولة بمعنى الدولة، ثم
دخل الإسلام فارس والروم وهما دولتان متحضرتان، ومع ذلك استوعبتهما الشريعة
الإسلامية، وغيرت أنظمتهما إلى النظام الإسلامي، ولم يقصر الإسلام عن استيعاب جميع
المشاكل التي تعرضت لها هاتان الدولتان، وصبغهما بالصبغة الإسلامية.
تكفل الحقوق لغير المسلمين
ويزيد الدكتور محمود إبراهيم علي رئيس قسم أصول الفقه
بكلية الشريعة والقانون بالأزهر الشريف الأمر تفصيلًا، موضحًا أن الشريعة
الإسلامية تكفل لجميع أفراد المجتمع حقوقهم من غير إفراط ولا تفريط، وفي ظلها قامت
حضارة كبرى شملت العالم كله، وقدمت الحماية للطوائف التي لجأت إليها من الظلم،
فأبو الفرج المؤرخ المسيحي القبطي اعترف بأن المسيحيين في مصر كانوا يلجئون
للمسلمين لحمايتهم من ظلم الروم، والنصوص الشرعية قاطعة في كيفية التعامل مع غير
المسلمين من أهل الكتاب في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)،
وكثيرًا ما قرأنا في التاريخ الإسلامي كيف كان القاضي المسلم يحكم لغير المسلم إذا
كان الحق معه استجابة لقول الله -تعالى-: ﴿وَإِذَا
حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58). ومن
الأمور التي تزيد من أهمية الشريعة أن فيها من الحضارة ما ليس في أي نظام آخر من
أنظمة الدنيا كلها؛ لأنها نظام من لدن حكيم خبير عليم بصير، فشملت كل جوانب الحياة
المختلفة في الاقتصاد، والجهاد، وعلم الاجتماع والأخلاق...إلخ. ففي الجهاد وهو
علاقة من العلاقات الدولية تحرم الشريعة قتل المدنيين والشيوخ والأطفال والنساء
ورجال الدين الذين في محال عباداتهم بعيدًا عن الحروب.
كرامة الإنسان وحريته
وشريعة الإسلام تحفظ كرامة الإنسان، وتغذي حريته؛ حيث
حددت سهمًا معينًا من الزكاة لتحرير الأرقاء قال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ
عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (التوبة: 60)،
كما جعلت الشريعة كفارة القتل الخطأ عتق رقبة؛ بمعنى الإشارة إلى أن الرق يعتبر
موتًا، والتحرير يعد إحياء، فإنه إن كان الإنسان قد تسبب في قتل نفس، فإن عليه أن
يحرر رقبة من الرق، وكذلك أيضًا في «الظهار» أي قول الرجل لزوجته أنت عليَّ كظهر
أمي جعل الإسلام من كفارة هذا القسم تحرير رقبة. بل إن الشريعة جعلت تحرير الرقاب
من الرق في قمة العبادات، فالحديث الشريف يقول: من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل
جزء منها جزءًا منه من النار، صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فالشريعة إذن
دعوة للحرية العظمى التي لا نظير لها، ولكنها الحرية المسؤولة، حرية العدل والحق،
وليس حرية الظلم والإباحية. ومن أهمية وفوائد تطبيقها أنها تسوي بين الحاكم
والمحكوم، بل تأتي بالحاكم الذي يكون قدوة طيبة للناس، فلا يجوز له أن يشبع وشعبه
جائع، ولا أن يكتسي وشعبه عار، وقد ورد أن سيدنا عمر بن عبد العزيز دخلت عليه
زوجته وهو يبكي بكاء مرًا، فسألته عن السبب فقال لها: تفكرت في المظلوم المقهور
والأرملة الوحيدة والفقير المجهد والعاري، وعلمت أن الله -سبحانه وتعالى- سائلي
عنهم يوم القيامة، فرحمت نفسي وبكيت.
العبادات والاقتصاد
ويضيف الدكتور محمود أن الشريعة الإسلامية قد نظمت
الاقتصاد تنظيمًا عظيمًا لدرجة أن العبادات نفسها تعد من صميم هذا الاقتصاد،
فمثلًا الصلاة لا تجوز إلا بالطهارة المطلقة (طهارة الجسد، الثوب، المكان، القلب)
وهذا يؤدي إلى تحسين الصحة، وإبعاد الميكروبات بما يقوي من صحة الفرد، ويجعله
منتجًا مثمرًا، وأيضًا عندما يقف أمام الله في صلاته فإنه يتذكر أن الله قد حرم
السرقة والغصب والاختلاس...إلخ، ولا شك أن شخصًا كهذا يكون ركنًا كبيرًا من
الاقتصاد الإسلامي. ويكفي في الجانب الاجتماعي أن الشريعة ترسي من المبادئ ما يقوي
هذا الجانب، فنجد أنها مثلًا توصي الجار بجاره، وأحاديث الرسول -صلى الله عليه
وسلم- في هذا الجانب كثيرة، ومنها: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه
سيورثه)، (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل من يا رسول الله، قال من لا يأمن
جاره بوائقه). إن تطبيق الشريعة سيحفظ الحريات، ويصون الأعراض، وسيحل البيع، ويحرم
الربا، وسيدفع المسلم إلى العمل الصحيح المنتج، بدلًا من التسول والسرقة
والاحتيال.
تطهير المجتمعات ورفع راية
التوحيد
ويقول الدكتور جمال عبد الهادي أستاذ التاريخ
الإسلامي إن تطبيق الشريعة سيطهر البلاد من رجس الخمور والميسر، وكل الصور
المخالفة للإسلام، كما أن الشريعة ستطارد المجرمين واللصوص والقتلة والمخمورين بما
فيها من حدود رادعة، كما سيكون تطبيقها تطهيرًا لمناهج التعليم من كل ما يضل
العقول، ويشوش فكرها، وتطهيرًا للإعلام من كل ما يحض على الرذيلة، وأهم من ذلك أن
تطبيقها سيكون بمثابة تنكيس لكل الرايات، ورفع لراية التوحيد، فيعيد الناس إلى
الاعتزاز بإسلامهم، ويجعل ولاء الدولة لكل من يوالون الله ورسوله، وبراءها من كل
من يحادون الله ورسوله. أما الدكتور أحمد عبد الرحمن أستاذ الفلسفة الإسلامية (علم
الأخلاق) فيلفت النظر إلى أن المسلم لا يكون مسلمًا بالمعنى الحقيقي إلا بتطبيق
الشريعة الإسلامية عقيدة وعبادة، واجتماعًا وسياسة، واقتصادًا ومعاملات، وتلك قضية
محورية أن نطبق الإسلام بعيدًا عن الاجتزاء كما هو حادث، وفيه مخالفة كبرى لصريح
القرآن الكريم؛ لأنه يعد إيمانًا ببعض الكتاب وكفرا بالبعض الآخر. يضيف أن تطبيق
الشريعة سيوقف الحرب الفكرية المشتعلة في شتى البلاد الإسلامية بين الحكام
العلمانيين والشعوب المطالبة بالحكم بشريعة الله، ويصبح الجميع فريقًا واحدًا
متوجهًا إلى الله -سبحانه-، وبالتالي سيتم توفير مليارات الدولارات التي تنفق لغسيل
عقول الشعوب حتى تبتعد عن الإسلام، ومليارات الدولارات التي تنفق على رجال الأمن
لإرهاب الشعوب وإبعادها عن التعلق بالإسلام، ويمكن التوصل لتطبيق الشريعة
الإسلامية عبر نظم انتخابية تضمن الحيدة والنزاهة، وتمكن لمن تختارهم لكي يمثلوها.
تحقق خمسة أشياء محورية
ويختتم المفكر الإسلامي الدكتور سيد دسوقي الكلام في
هذه القضية مؤكدًا أن الشريعة هي عبارة عن استنباط الأحكام لتحقيق المصلحة الشرعية
التي تحفظ النفس والمال والعقل والعرض والدين، ولننتبه جيدًا إلى أن المصلحة كانت
دائمًا وراء كل تشريع، وهي دائمًا الأصل والجوهر، فكل نص جاء كان يحقق مصلحة
شرعية؛ ولذلك فإن المصلحة (المصلحة الشرعية التي تحقق الحوافظ الخمسة) تلعب دورًا
خطيرًا في التشريع، وإنك من الممكن أن تصطحب أي مصلحة، وتدور بها في الشرع ستجد ما
يناسبها، ومن هنا فإن المصلحة لا تعطل النص كما يدعي البعض، ولكن المصلحة
(الشرعية) لا بد أن لها سندًا من النص. وينبه الدكتور سيد إلى أن علينا أن نفقه
جيدًا أن الشريعة روح وقانون، وتعتمد في تطبيقها على المناخ الاجتماعي من قبل
الشعب، وقدرة على التطبيق من الذين يطبقونها، والمناخ الملائم يحتاج إلى تربية
وإعداد، كما يحتاج إلى العدة العلمية بتخريج كوادر من القضاة والتنفيذيين الفاهمين
لقوانين الشريعة، وأعتقد أن لدينا الآن درجة من التمكين الإسلامي في قطاع كبير بما
يؤهلنا للبدء في التطبيق، فالمناخ مهيأ إلى حد ما، وهناك قطاع كبير من القانونيين
يؤمنون بها، ولا نمضي في تطبيقها بين يوم وليلة، بل نمضي فيها رويدًا رويدًا.
ولنعلم جيدًا أن الأصل في الأشياء أن الشريعة لا تطبق؛ لأن الأصل في الناس
الاستقامة، وبالتالي فلا يحتاجون إلى ما يوجههم من الشريعة في الاقتصاد والتعليم
والمعاملات، وهو ما يسمى الشريعة البنائية أو الداخلية، ومعظم الشريعة من هذا
النوع، أما الشريعة الحدودية التي تردع المنحرفين فهي أقل؛ ولذلك فنحن إذا أصلحنا
الناس فسوف نجد أن الشريعة مطبقة في شقها البنائي، ولا يكون أمام السلطة التنفيذية
إلا الشق الحدودي. وبعد، فنحن من أهل الشريعة؛ لأنها أمر الله -سبحانه وتعالى-
نطبقها في حياتنا، وتبقى هي الهدف الكبير لتسود المجتمع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل