العنوان السينما الإسرائيلية.. سينما لقيطة تغزو أكثر من خمسين دولة
الكاتب ناصر ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أبريل-1994
مشاهدات 70
نشر في العدد 1096
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 19-أبريل-1994
يرد الناقد السينمائي السوري جان ألكسان صناعة السينما الإسرائيلية
إلى عام 1967، ويقول ألكسان في كتابه: «الصهيونية والسينما»، إن الإسرائيليين
استغلوا كل ظروف حرب عام 1967، فبدأ النشاط السينمائي ينمو ويتزايد في ظروف
الانتعاش العام الذي شمل «إسرائيل» نتيجة الحرب، وكل الإحصائيات عن صناعة السينما
الإسرائيلية تشير إلى أن عام 1967، كانت بداية النهضة السينمائية الإسرائيلية
والتوسع في اتفاقيات الإنتاج السينمائي المشترك مع بعض دول العالم، وتشير هذه
الإحصائيات إلى أن الإنتاج السينمائي الإسرائيلي منذ عام 1967، وحتى عام 1977م،
يفوق أضعاف ما أنتجته «إسرائيل» في تاريخها كله، ويرد ألكسان هذا الرواج السينمائي
إلى السياسة الإعلامية الإسرائيلية التي تجند كل خبراتها في مخاطبة الرأي العام
العالمي من خلال أصدقائها الذين يملكون السيطرة على وسائل الإعلام في أوروبا
وأمريكا، ومن خلال حملات التبرعات المنظمة التي تعزف على نغمة «أنقذوا إسرائيل»
و«إسرائيل هي واحة الحضارة في الشرق الأوسط»، و«إسرائيل هي الجنة المحاصرة
بالأعداء» وتقود «إسرائيل» هذه الحملات المنظمة وفي يدها كل خرائط الأرض الجديدة
التي استولت عليها بعد عدوان حزيران «يونيو» 1967م.
خطر الفيلم الإسرائيلي وانتشاره العالمي
ويشير بعض النقاد العرب إلى خطر الفيلم الإسرائيلي الذي يوزع في أكثر
من 50 دولة، إذ إن له سوقاً رائجة في أوروبا الغربية وبدأ ينتشر بعد عام 1984م في
آسيا وأفريقيا وأمريكا وكندا وأستراليا، بالإضافة إلى المهرجانات الدولية،
فالشركات السينمائية الصهيونية في أمريكا ليست منفصلة عن شركات السينما داخل
إسرائيل، وقد استطاع الفيلم الإسرائيلي في مدة وجيزة أن يصل إلى درجة متفوقة في
التقنية الفنية والصناعة معتمداً على مشاهير النجوم والمخرجين والفنيين في العالم
ممن يتعاطفون أو يلتقون أيديولوجياً مع الفكر الصهيوني، وتستند معظم الأفلام
الإسرائيلية في موضوعاتها إلى قصة الاضطهاد النازي لليهود باعتباره وسيلة التعاطف
مع اليهود «المضطهدين» ودولتهم الوحيدة إسرائيل، وهو ما عبر عنه فيلم «نجمة الحظ»،
كذلك ظاهرة «العداء للسامية» في دول أوروبا الشرقية مثل: فيلم «عبور كاسندرا» الذي
شارك في بطولته حشد هائل من النجوم مثل: صوفيا لورين وريتشارد هاريس، وهي أفلام
تعد امتداداً للأفلام الصهيونية التي عرضت في أعقاب عام 1948م والتي ركزت في
مضمونها على معاني الاستقلال و«تحضير الأرض البور» ومجتمعات «الكيبوتز».
الأفلام التسجيلية والدعائية
أما ما يعرف بالأفلام التسجيلية فقد بدأ الاهتمام بها بعد عام 1953م؛
حيث كانت «إسرائيل» قد أعلنت رسمياً كدولة وأخذت الأجهزة التي كانت تعمل قبل إعلان
دولة «إسرائيل» مواقعها الرسمية داخل الحكومة الإسرائيلية، وطالب وزير الخارجية في
ذلك الوقت موشيه شاريت بضرورة إعطاء الأفلام التسجيلية والدعائية قدراً أكبر من
الاهتمام وضرورة الاستعانة بكبار الفنانين في وضع استراتيجية محددة لهذه الأفلام،
واستحدثت وزارة الخارجية قسماً للأفلام التسجيلية عن طريق إدارة العلاقات الثقافية
بالوزارة، تكون مهمته توزيع الأفلام التي أنتجت، حاملة طابع الإنتاج الإسرائيلي،
وقامت الوكالة اليهودية والمنظمات الصهيونية في الخارج بعرض هذه الأفلام على أوسع
نطاق عالمي.
وجاء في مجلة «إسرائيل» في عدد كانون الأول «ديسمبر» عام 1967م، بأنه
مع بداية العام الجديد تكون إسرائيل قد انتهت من إنتاج 30 فيلماً تسجيلياً منذ
تأسيسها عام 1948م، وأكدت المجلة نجاح هذه الأفلام في التأثير على الرأي العام
العالمي وجعله تأكيداً وتدعيماً لقضيتنا، وعلى النقيض من ذلك اتخاذ الموقف الذي
نطلبه منهم إزاء «العرب» وأضافت أنه حينما يعرض فيلم «هذه هي إسرائيل» اتجهت
الجماهير إلى صناديق التبرع لمصلحة إسرائيل، وبلغت حصيلة التبرع في دار العرض
بلندن فقط مبلغاً لا يقل عن عشرات الآلاف من الجنيهات الإسترلينية..
وفي أعقاب عام 1967م اتجهت الأفلام التسجيلية الإسرائيلية إلى التركيز
على قيادة إسرائيل للتقدم والديمقراطية في الشرق الأوسط وأن الحروب الإسرائيلية
كانت من أجل تحقيق الأمن الإسرائيلي، وطبعاً لجأت السلطات الإسرائيلية إلى وسائل
التزييف والتضليل في هذه الأفلام، دون التعبير عن الواقع الذي تعيش فيه القوات
الإسرائيلية، أو الإشارة إلى وجود الشعب الفلسطيني ومعاناته.
المهرجانات الدولية والدعاية الصهيونية
وقد اشتركت إسرائيل -لأول مرة- في عام 1965 في مسابقة الأوسكار
الأمريكية وأصبحت منذ عام 1967م تشترك بانتظام في معظم مهرجانات السينما مثل
مهرجان برلين وكان، وكانت حرب حزيران مادة لعدد كبير من هذه الأفلام مثل «هل تحترق
تل أبيب؟» و«خمسة أيام في سيناء».
ويقول ألكسان: إن السينما التسجيلية في إسرائيل ما تزال اليوم أخطر
الأسلحة الإعلامية الموجهة؛ حيث تستطيع المؤسسات الصهيونية عرضه في أنحاء وعواصم
القارات الرئيسية، بالإضافة إلى بلدان أفريقية وآسيوية عبر مكاتب صهيونية سرية
وعلنية، ويرى ألكسان أن بناء سينما لقيطة ومستعارة من كل بلاد وخبرات وأموال
العالم، ليس مجرد خلق صناعة محلية جديدة، تدر ربحاً مادياً وتخلق أساساً بشرياً
وتكنيكياً لتجارة إسرائيلية جديدة، وإنما يهدف إلى توظيف السينما كأداة للدعاية
الصهيونية وغسل دماغ العالم بأسطورة الدولة الصغيرة المتقدمة المسالمة في بحر من
العداء العربي المتخلف لذا؛ تدور معظم الأفلام الإسرائيلية في محاورها حول دعاوى
المجتمع الإسرائيلي المتقدم رغم العداء العربي، ويبدو ذلك واضحاً في أفلام «الجمل
ينمي الصراع» و«أسطورة المخرج زوهار» و«ملف أورشليم» «وأحبك يا روزا» و«ضوء من لا
مكان» و«المتلصصون».
التمويل والدعم الحكومي للإنتاج
ومن المعروف أن في إسرائيل عدة استوديوهات ومخابز للأفلام بالأسود
والأبيض والملون. وتقدم الجهات الحكومية سلف إنتاج لكل شركة تعلن عن عزمها إنتاج
فيلم، وهذه السلف مجزية للغاية؛ بحيث تغطي نسبة عالية من نفقات الفيلم، وفي بعض
الحالات التي يؤدي فيها الفيلم خدمة للفكر الصهيوني والإعلام الصهيوني بنحو متميز،
تعتبر السلفة التي قدمت لإنتاجه منحة لا سلفة، ويعفى أصحاب الفيلم من سداد دينهم
تجاه الدولة، وينتظم الكتاب المشتغلون في صناعة السينما فيما يسمى بـ: «اتحاد
الفنانين الإسرائيليين»؛ الذي يعتبر بمكانة مكتب سياسي يخضع لتوجيهات المؤسسة
العسكرية الحاكمة، وتعتمد أكثرية الأفلام على الموارد الخارجية التي تؤمنها لها
التنظيمات الصهيونية في العواصم الغربية، وتلك التنظيمات هي التي توظف بعض كبار
المخرجين والممثلين والممثلات للعمل في الأفلام الإسرائيلية أو في أفلام تخدم
الصهيونية ويتم إنتاجها خارج إسرائيل.
مرحلة "وخز الضمير" والهم الفلسطيني
يشار هنا إلى أنه في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982م،
بدأت مرحلة من وخز الضمير لدى بعض السينمائيين الإسرائيليين، تمثلت في أفلام عالجت
جانباً فردياً من الهم الفلسطيني مثل «من وراء القضبان» و«ناديا» و«رياح الخماسين»
غير أن هذه النظرة الإنسانية كانت لحالات فردية لشيء اسمه «فلسطيني» مجرد من أي حق
تاريخي أو كيان مستقل، وحملت في أكثرها تعاطفاً إدانة للتوسع الإسرائيلي والاضطهاد
العنصري لأبناء الأراضي المحتلة وأساليب الحكم العسكري هناك، وهي تتوقف عند هذا
الحد ولا تخوض -بتاتاً- في قضية اغتصاب الأرض، وتشريد السكان الأصليين، أما الحلول
فتتمثل في إمكانية التعايش دون الخوض في استقلال، أو دولة فلسطين.
السينما الفلسطينية والواقع الجديد
أما الجانب الفلسطيني فيمكن اعتبار حركته السينمائية بأنها لا تزال
«ناشئة»، فهي حتى نهاية السبعينيات يغلب عليها الجانب الوثائقي والسرد التاريخي
بتمويل من المؤسسة الفلسطينية الرسمية، وفي بداية الثمانينيات بدأت محاولة
فلسطينية جادة على يد الفنان الشاب ميشيل خليفي من مدينة الناصرة، الذي يمكن
اعتباره بأنه أول من بدأ أعمالاً سينمائية مستقلة داخل فلسطين، وتنوعت أفلامه ما
بين الوثائقي والتصويري والروائي، وفاز بعدة جوائز دولية بما فيها إحدى جوائز
مهرجان كان الدولي عام 1987م عن فيلمه «عرس الجليل». وشهدت مرحلة الثمانينيات
وبداية التسعينيات بروز مخرجين آخرين تركزت أعمالهم على الجانب الوثائقي ـ
التصويري، والتجربة الشخصية مثل أفلام مي المصري «أطفال النار» الذي يعالج موضوع
الأطفال والانتفاضة من واقع مشاهدتها الشخصية في مدينة نابلس بالضفة الغربية
المحتلة، وفيلم «زهرة القندول» بالاشتراك مع زوجها الفنان جان شمعون حول المقاومة
في جنوب لبنان.
وتعاني السينما الفلسطينية من مشاكل عديدة أهمها الجانب المادي، ونقص
المعدات الفنية والتقنية، بالإضافة إلى صعوبة العمل والحركة داخل الأراضي المحتلة،
والعوائق التي تفرضها سلطة الاحتلال وهي غالباً ما تعتمد في إنتاجها على الدعم
الأوروبي من خلال العلاقة مع مؤسسات إعلامية واجتماعية غربية، أو بحكم إقامة
مخرجين فلسطينيين في تلك الدول، والسينما الفلسطينية وإن غابت عن بعض الدول
العربية بسبب تعقيداتها السياسية، إلا أنها وجدت لها حضوراً، وإن كان قليلاً في
دول أوروبا والولايات المتحدة وكندا، واستطاعت بجهد متواضع تعديل ما رسخته السينما
«الصهيونية» عن العربي في عقلية المشاهد الغربي و«إعادة تحضير الصحراء في أرض
الميعاد».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل