العنوان الاختراق الصهيوني للسينما الفرنسية
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أبريل-1994
مشاهدات 66
نشر في العدد 1096
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 19-أبريل-1994
المجتمعات الأوروبية يهودية مسيحية، هذا هو التعريف الشائع عندما تطرح
مسألة الهوية الأوروبية ـ الغربية، ولكن الواقع يثبت أن الطابع اليهودي حديث عهد
على عكس الصفة المسيحية المتغلغلة منذ قرون في الفضاء الأوروبي.
ويتبين للمتأمل أن العنصر اليهودي قد أدخل كجزء من الهوية الأوروبية
عبر طرق ومنافذ عديدة فكرية وثقافية أساساً من أجل السيطرة على العقلية الغربية؛
ومنها إلى بقية العالم. وتعتبر السينما من أكثر وسائل التعبير تأثيراً على
العقليات إلى جانب وسائل الإعلام، الشيء الذي يفسر تغلغل اليهود في المؤسسات
الثقافية والإعلامية والفنية من مسرح وسينما.. كما هو الحال في فرنسا التي تفتخر
بكونها عاصمة ثقافية.
وجوه يهودية بارزة
والاهتمام اليهودي كبير بالصناعات السينمائية في كل أطوارها ومراحلها
وعلى مختلف مستوياتها «الأفلام القصيرة، الأفلام الوثائقية - الأفلام التاريخية..»
وبرزت وجوه في الفن السينمائي سواء في الإخراج أو التمثيل أو النقد.
ومن بين هذه الوجوه المشهورة روجيه هانان «الاسم الأصلي روجيه ليفي»
المولود بالجزائر عام 1925 والذي بدأ حياته في المسرح ثم قام بأدوار في السينما
اشتهر خلالها بأنه: صاحب القبضة القوية في الدفاع عن الضعفاء، فكان تارة «غوريلا»
وأخرى «نمر» لكن هذه الأفلام ذات الطابع الشعبي لم تجد صدى كبيراً كما تبين في
فيلم «روكو وإخوانه» «1960» فعاد من جديد إلى ميدان المسرح وتقلد إدارة مهرجان
مدينة بو، إلا أن قرابته من الرئيس الفرنسي ميتران «صهره» دفعته مرة أخرى إلى عالم
السينما خاصة مع وصول الاشتراكيين إلى السلطة، فظهر كبطل في الأفلام التالية
«العفو الكبير» «1982» و«الكرنفال الكبير» «1983» و«صيف أخير في طنجة» «1987» وفي
أدوار بارزة في كل من فيلم «البؤساء» «1983» و«أوركسترا حمراء» «1989».
كما قام بإخراج شريطين سينمائيين «قطار الجحيم» «1980» و«الرومبا»
«1987» وفي كتاب له بعنوان: «الدب الممزق» تحدث عن حياته الفنية وعرج على هويته
اليهودية وكيف أن جده غرس في نفسه عظمة اليهود وقوتهم، كما ذكر في هذا الصدد
زيارته ضمن وفد فني سينمائي فرنسي إلى إسرائيل لعرض أحد أفلامه؛ حيث قام بزيارة
إلى مستوطنة فرنسية «ويغافيم» وتقابل خلالها مع أصدقاء له قدامى في الجزائر، كما
أشار إلى أن روبار حسين هو الذي اكتشف مواهبه الفنية.
إفساد العقول والنفوس
وروبار حسين المولود بباريس عام 1927 ممثل ومخرج سينمائي يهودي مشهور
صاحب عدة أفلام منها «الصعاليك يذهبون إلى الجحيم» «1955» «دليل الجواسيس» «1959»
«طعم العنف» «1961» و«لعبة الحقيقة» «1961» «وحش دوسلدورف» «1964» «قتلت راسبوتين»
«1967» «نقطة سقوط» «1970» كما قام بدور البطل في عدة أفلام مثل «الفضيلة
والرذيلة» «1993» «دون جوان» «1973» وقام بإخراج شريط «البؤساء» «1982» بمعية لينو
فنتورا «وأطفال الفوضى» «1989» واشتهر روبار حسين بأفلامه التي تجمع بين العنف
والخلاعة أو الأفلام التاريخية من منظور خاص يركز على دور اليهود في التحولات
الحاسمة وتجد أفلامه صدى كبيراً تحت تأثير وسائل الدعاية الإعلامية، وفي إطار
مؤسسات خاصة فنية سينمائية تحتضن الإنتاج السينمائي اليهودي وتروج له وتدعمه بكل
قوة.
ولم يقتصر هذا الإنتاج على نوع فني واحد، بل اتخذ منافذ عديدة كالعنف
والجنس والفكاهة أيضاً حيث اشتهر في هذا المجال جاك تاتي من أصل روسي والذي قدم
ستة أفلام أشهرها «إجازة السيد هولو»، و«العم» كما اشتهرت وجوه نسائية في التمثيل
السينمائي مثل «رومي شنايدر»، من أصل نمساوي، «وسيمون سينيوريه»، من أصل ألماني.
وقد تعلق الفرنسيون بهاتين الممثلتين وقد كان للممثلة الثانية شهرة
أكبر باعتبارها تزوجت من الممثل اليهودي المعروف "إيف مونتان" من أصل
إيطالي وقد أحيطا بهالة من التقدير والإكبار ومن الإشهار والتضخيم الإعلامي، وبحكم
معرفتها الجيدة بالإنجليزية فقد لعبت سينيوريه أدواراً عديدة في كل من بريطانيا
وأمريكا، وبعد عودتها من أمريكا عام 1968 قامت بالتمثيل في أفلام ملتزمة مثل:
«الاعتراف» «1970» للمخرج المعروف كوستا غافراس الذي يتناول الدكتاتورية
الستالينية علماً بأن بطل الفيلم كان إيف مونتان، إلى جانب أفلام أخرى وصفتها بأنها
تعبر عن الصداقة والقناعة مثل «جوديث تيربر» واليوم الصعب للمملكة، و«الأمريكي»
و«القطة» و«الحياة أمام النفس» من إخراج موشي ميزراحي و«نجمة الشمال» و«غاي
موباسان».
أما «مونتان»، فبالإضافة إلى فيلم «الاعتراف» فقد مثَّل مع قرينته
سيمون في شريط «ساحرات سالم»، ومنذ الأربعينيات من عمره مثَّل في أفلام تدور حول
القضايا السياسية المشبعة بالأيديولوجية اليسارية التي توافق الستينيات وأحداث
مايو الشهيرة، ومن بين هذه الأفلام «انتهت الحرب» للمخرج ألان رينيه و«مساء وقطار»
و«الدائرة الحمراء» و«كل شيء على ما يرام»، للمخرج جان لوك غودار، ويعلق معجم
السينما على شخصية مونتان فيقول: «يجسد مونتان بشكل ما ذلك الرجل الشعبي الذي لا
يكره الفرنسيون معرفة أنفسهم فيه».
وهذه بعض النماذج التي كان لها دورها في تكييف الرأي العام الفرنسي
وعقلية أجياله المتعاقبة عبر السينما، والقائمة طويلة للوجوه اليهودية التي اتخذت
من الشاشة الكبرى وسيلة مهمة للتأثير.
السينما التلفزيونية
بل إن التأثير اليهودي في المجال السينمائي لم يتوقف عند هذا الحد،
وإنما تجاوزه إلى الوسيلة الأخرى الأكثر أهمية في توجيه الرأي العام ونعني بذلك
التلفزيون؛ فمن خلال متابعة برامج الشاشة «الصغرى» يتبين للمرء مدى التركيز على
هذه الوسيلة لتحقيق غايتين في نفس الوقت: هدم القيم التي تشد النسيج الاجتماعي،
وإحياء الذاكرة بخصوص اضطهاد اليهود في عهد النازية.
ويعتبر هذان المحوران القاسم المشترك للوبي الصهيوني في عملية إحكام
قبضته على المجتمعات الأوروبية - الغربية وحتى المجتمعات التي تسير في فلكها.
فبالنسبة للمحور الأول؛ يتم التركيز على عنصر المرأة وتوظيفه
إلى أقصى حد في عملية إفساد العقول والنفوس وإلهاء الشباب بالخصوص في متاهات
الغريزة التي لا تعترف بالضوابط والقيود، وتندرج في هذا الإطار الأفلام الخليعة أو
شبه الخليعة التي لا يكاد يخلو منها أسبوع.
وأما المحور الثاني؛ فيتجلى من خلال الأفلام الوثائقية التي
تبثها القنوات التلفزيونية العديدة بتقاسم الأدوار بينها ضمن خطة مدروسة، وتصب كل
هذه العروض السينمائية في إطار ما يسمى بإحياء «الذاكرة»؛ أي جعل ذاكرة الرأي
العام الفرنسي حية باستمرار فيما يتعلق بالمآسي التي تعرض لها اليهود على يد
النازية، ويعكس هذا الإصرار تذمراً وضجراً كبيرين لدى نسبة من الرأي العام من خلال
الهيمنة اليهودية بكل أصنافها وفي كل مستوياتها: «اقتصاد ـ سياسة - ثقافة - إعلام»
على عصب المجتمعات الغربية فتأتي مثل هذه الأفلام لتشعر الفرنسيين وغيرهم بعقدة
الذنب تجاه اليهود الذين اضطهدوا في عقر الديار الأوروبية.
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف يتخذ اللوبي الصهيوني كل الأسباب من الطاقم
البشري إلى السياسات والمخططات، ومن تعيين عناصر لها وزنها على رأس المؤسسات
الإعلامية، كما هو الحال في إدارة القناة الثانية والثالثة للتلفزة الفرنسية إلى
اعتماد أساليب تجمع بين الجد والهزل والمثابرة وطول النفس، فهذا الفكاهي «ميشال
بوجناح» «يهودي من أصل تونسي» دخل إلى عالم السينما وشارك في بعض الأفلام التي
لقيت رواجاً كبيراً، بل إنه قام بتقديم بعض عروضه في تونس!!
تأثير واسع
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن التأثير الفكري والثقافي اليهودي
يسهل عليه اختراق المجتمعات الإسلامية من خلال تطور البث عن طريق الأقمار
الصناعية؛ بحيث لا تقوم الأفلام السينمائية المعروضة في التلفزيون الفرنسي بإفساد
العقليات والنفوس في حدود الدائرة الغربية فحسب، وإنما تتعداها إلى منطقة شمال
أفريقيا، وحتى القنوات التي لا تصل بصفة طبيعية إلى بلدان المغرب العربي يتم
التحايل هناك من أجل التقاطها خاصة من طرف الذين تشربوا القيم الغربية، ومعروف أن
مثل هذه القنوات تقوم ببث أفلام خليعة في ساعات متأخرة من الليل، وتستهوي هذه
الأفلام طبقات عديدة من الشعوب المغاربية بما في ذلك المتقدمين في السن في غياب
تربية إسلامية عميقة ومؤسسات دينية يقوم عليها مربون أتقياء، وفي ظل تشجيع ثقافة
الميوعة واعتماد الخيار الأمني مع الإسلاميين.
تحصين الجالية
أما بالنسبة للجاليات المسلمة المقيمة في الغرب عموماً وفرنسا خصوصاً
فهي معرضة بدورها إلى فتنة هذه الثقافة التغريبية تحت تأثير السينما والإعلام،
ولكنها تستطيع إلى حد ما التصدي لهذا التأثير بحكم هامش الحرية الذي يسمح بنمو
الدعوة الإسلامية لدى الشباب بالخصوص، وتوفر شريط الفيديو الإسلامي الذي بإمكانه
تعويض الأفلام المدمرة للعقيدة والسلوك.
ومن هذا المنطلق يتبين مدى أهمية الجالية الإسلامية عبر مؤسسات قادرة
على تقديم بديل يحفظ القيم ويستحث على الاهتمام بقضايا المسلمين وعدم الانسياق
وراء المؤسسات الإعلامية والفنية والمسرح والسينما ذات التوجهات الصهيونية، وتكوين
إطارات كفؤة في هذه المجالات لتوجه الأجيال الإسلامية الصاعدة المتعطشة لمعرفة
دينها والحريصة على الحفاظ على هويتها.