العنوان ملفان مهمان أمام بوتفليقة
الكاتب عدنان بو مطيع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1999
مشاهدات 68
نشر في العدد 1372
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 19-أكتوبر-1999
أمام الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة- بعد النجاح في استفتاء الوئام المدني- التعامل بجدية مع ملفين مهمين لتحقيق أهداف الوئام الحقيقي والمنشود في الجزائر.
فالنتيجة الجماهيرية المؤيدة لاستعادة السلم بلغت ٩٨,٦٣% وهي مجموع أصوات ١٤.٥ مليون جزائري، وهي نتيجة تتطلب استحقاقات ملحة «لتطبيع» الحياة للجزائريين، مما يعني ضرورة استثمار هذا النجاح لتحقيق أهداف الاستقرار والأمن والسلام.
ولا شك أن متطلبات المرحلة القادمة تستوجب من بوتفليقة والشعب الواقف وراءه الكثير من الجرأة والموازنة، والحذر، لتفكيك عقدة الفوضى التي ضربت الجزائر طيلة عقد كامل.
وبالنظر إلى أسباب استمرار المأساة الجزائرية، فإنه يتحتم الآن- أي بعد نتيجة الوئام المدني- أن يتم التعامل مع المؤسسة العسكرية وتحييد دورها.. إضافة إلى مواجهة انفلات الجماعات الإسلامية بمحاولة إيجاد مرجعية دينية محايدة وقوية ومقبولة لدى الشعب.
التعامل مع ملف المؤسسة العسكرية ينبغي أن يكون حذرًا، فالاستئصاليون الذين يقابلهم منتهجو العنف في الجماعات الإسلامية، سببوا بتطرفهم العسكري الكثير من المآسي عن طريق تعاملهم الفظ مع الأزمة، فهؤلاء يجب تحييد دورهم في إطار مشروع تحييد عام لدور الجيش، و تأكيد دوره كمؤسسة دستورية هدفها حماية البلاد من الأخطار الخارجية.
إن المساس بالمكتسبات التي نالها العسكريون منذ نجاح الثورة وحتى الآن سيسبب لبوتفليقة المزيد من المصاعب، باعتبار أن هذه المكتسبات أصبحت حقوقًا بالتقادم، لكنها خطوة ضرورية.
الملف الثاني هو إيجاد المرجعية الإسلامية المعتبرة والمهيبة، التي تحكم حياة الناس الدينية، وتنظم أمور معاشهم الاجتماعي والتشريعي، لأن خلو الساحة من هذه المرجعيات سيولد ردة فعل عكسية، تتمثل في سعي الجهلة وأنصاف العلماء لتسنم مقاليد الإفتاء ومصادرها العامة، وهنا يكمن الخطر.
عندما زارنا الأستاذ محفوظ نحناح في البحرين قبل نحو سنتين، وردًا على سؤال وجهته له عن دور علماء الجزائر في الأزمة، أجاب: «إن الدور غائب لسبب بسيط، هو غياب المرجعية الدينية المؤثرة التي يحتكم إليها المختلفون، لذلك ظهر من بين الجماعات الإسلامية من يفتي لنفسه وعن نفسه، ويقدم التبريرات التي تخدم توجهه، ولهذا غرقت الجزائر بالجماعات الإسلامية التي انحرفت عن أساس الدين لمجرد فهم خاطئ لفتاوى قديمة، أو استصدار فتاوى جديدة قياسًا بأحوال غير متكافئة.. لذا وجدنا- والكلام ما زال للشيخ نحناح- جماعات تكفر الناس، وأخرى تكفر جماعات أخرى، واستتبع التكفير إهدار دم الناس، واستباحة ممتلكاتهم وأعراضهم، إلى درجة أن قوات الأمن كانت تجد نساء وفتيات في الكهوف اتخذن سبايا، بحجة أن الناس قد أصبحوا عونًا للدولة فتجب محاربتهم».
ويرجع نحناح سبب انفجار بركان فتاوی القتل والتدمير والتكفير إلى دور الدولة الجزائرية منذ قيام الثورة في تغييب دور العلماء.. وإلا فإن الثورة الجزائرية المجيدة لم يكن لها وقود سوى العلماء ممثلين بجمعية علماء المسلمين الجزائريين وغيرهم.
من هنا يأتي دور بوتفليقة لاستكمال نجاحاته ومساعيه إن أراد لها الاستمرار والنجاح لإنقاذ بلاده، وهي ضرورة باتت تاريخية، وإلا فلن يتكرر مثل هذا الإجماع الشعبي الكبير على الوئام المدني.
إنه بسبب وجود المتطرفين من كلا الجانبين- العسكر والإسلاميين- دفعت الجزائر من حياة شعبها الكثير.. مائة ألف قتيل راحوا ضحية عناد الطرفين، بخلاف نصف مليون جريح ومشوه نفسيًا وجسديًا.
في هذا السياق ينبغي ألا ننسى دور التيار المعتدل في الجيش الجزائري الذي وقف منافحًا عن هيبة الدولة طيلة أيام الأزمة المرعبة، لا لشيء سوى إبقاء الكيان الجزائري مرفوع الرأس، ودفاعًا عن حياة الجزائر الوطن والشعب والتاريخ.
كما تجب الإشادة أيضًا بدور الجماعات الإسلامية السياسية المعتدلة التي كان لوجودها دور مهم في حقن دماء الجزائريين باعتزال الفتنة، وتنوير الناس، وشرح أبعاد الأزمة بعيدًا عن استخدام السيوف والسواطير.
هذه الجماعات التي وقفت مع كل حل سياسي يوقف النزيف، وينهي الأزمة، تأتي على رأسها حركة مجتمع السلم، وحركة النهضة، حيث قدم هذان الفصيلان العديد من الشهداء من كوادرهما بسبب مواقفهما من نبذ العنف.
وللأسف كان أغلب الضحايا علماء وأئمة وخطباء، ذهبوا على يد مجموعات أرادت جر الاعتدال الإسلامي إلى حلبة الصراع الدموي.