العنوان ملحمة كفاح الحركة الإسلامية في فلسطين عام ١٩٤٨"
الكاتب الشيخ حسن البنا
تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1977
مشاهدات 19
نشر في العدد 376
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 29-نوفمبر-1977
صور من: ملحمة كفاح الحركة الإسلامية في فلسطين
عام 1948
"إن كل أرض
يُذكر فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله هي جزء من وطننا، له حرمته
وقداسته، والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره".
"حسن البنا"
في هذه الأيام الحالكة السواد التي تجاوز "الضباب" فيها
مراحله ليكشف عن قناع السحب التي تظلل مشرقنا العربي... باستحالة العصابات
اليهودية إلى دولة إسرائيلية... تشمخ بغرور انتصاراتها وتوسعاتها خلال ثلاثة
وعشرين عامًا!! حتى لكأن أرض النبوات قد عقمت أن تنجب الأبطال من أصحاب العقيدة
الإسلامية طوال هذه الحقبة من الزمن، وعجز المائة مليون ومن خلفهم $600$ ستمائة مليون
أن يخرجوا ولو من تحت سراديب الأرض كتيبة واحدة تخلص العمل لله وتطهر الأرض في
طريقها... لا تلوي على شيء... مستهدية بـ "بدر" و"الأحزاب"
و"حطين".
وفي هذه الفترة التي علا فيها ضجيج الإعلام عن الحلول للمعضلة أو
المشكلة كما يحلو لهم أن يسموها... التقينا بالذين مارسوا الحل الوحيد في صمت،
واستعانوا على تنفيذ رسالتهم بالكتمان، وآثروا ما عند الله على ما عند الناس...
وأخذت منهم بعض اللوحات الرائعة... أعرضها على الذين يبدو أنهم أفاقوا بعد طول
السنين ليقولوا: لا مفر من القتال، ولا بد أن نستعين بالله...
مع إمام مسجد التقيت به في مبنى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
بالكويت... قصير القامة، مطلق اللحية، تغمرها الشعرات البيض التي شابت في
الإسلام... يؤم المصلين الصلوات الخمس في إحدى الضواحي النائية، يعيش مغمورًا، لا
تصل إليه الأضواء ولا يرضى بأن يعرض نفسه لها... مكتفيًا بالرجاء أن يحسن الله له
الخاتمة!!
وانتحيت به جانبًا، ورجوته لوحة واحدة من اللوحات التي رسمها أبطال
الحركة الإسلامية، والتي كان له دور فيها... ووعدته ألا أذكر اسمه، وأقنعته بأنها
ليست ملكًا له وإن كانت جزءًا من حياته... فإنها ملك المسلمين جميعًا...
معركة جبل المكبر
وجلست أستمع للشيخ وهو يقول: في أغسطس سنة 1948م وفي فترة الهدنة التي
فرضت على العرب لصالح اليهود، استطاع العدو أن يتقدم لاحتلال مرتفعات "جبل
المكبر" الذي يقع في الجنوب الشرقي من القدس القديمة، وهو مرتفع منيع يستطيع
من يحتله أن يهيمن على القدس كلها، ويقطع الطريق الرئيسي الذي يصلها بـ
"عمان" فوق أن يتحكم في قوات الحركة الإسلامية التي ترابط في جنوب القدس...
في الساعة الثامنة مساء تحركت جموع العدو اليهودي من أحياء القدس
(اليهودية) ومن المستعمرات الواقعة في جنوبها وبدأوا يزحفون في سكون وهدوء...
بمدافع الهاون، وراجمات الألغام، ومدافع $25$ رطلًا والرشاشات الألمانية... في قوات كثيفة العدد والعدة، لا هيبة
للموقع والخشية من أسوده... الذين احتلوا قبل المعركة هذه بيومين بيتًا كان يقطع
به اليهود الطريق إلى القدس... فوصله الجيش اللجب واستطاع أن ينسف البيت على من
فيه من رجالنا... إلا أن إرادة الله شاءت أن يدمر البيت وينجو من فيه!! وذلك في
العاشرة مساء... وأُبلغت القيادة الإسلامية بأنباء التحرك اليهودي، فأعادت نفسها
سريعًا لتلقنهم درسًا لن ينسوه لكنها فوجئت بأن الطليعة الأمامية حول الجبل والتي
كان عددها لا يزيد عن ستين مجاهدًا... ثلاثون من أبناء فلسطين، وثلاثون من إخوانهم
المسلمين المتطوعين... يشتبكون مع هذا الجيش الزاحف تحت وابل من الحمم تتساقط على
رؤوسهم لتبتلعها أرض المعركة... فلا تزيدهم إلا اندفاعًا في القتال، وسباقًا إلى
إرضاء الله، وسطورًا يخطونها في سجل تاريخ الجهاد... وما إن وصل القائد "محمود
عبده" حتى كانت المعركة في أعنف مراحلها... والعدو يستميت في احتلال الموقع
ويقذف بكتلة هائلة لتحقيق الفرص في أقصر وقت ممكن... وكلما تكسرت موجة تحت أقدامنا
تدفقت إثرها موجة أخرى... فأصدر أوامره لنا معشر الستين أن ننسحب إلى الوراء، فظن
العدو أن المقاومة قد انتهت، فتقدم بسرعة لينتهز الفرصة واحتل مواقعنا... في نفس
الوقت كانت إحدى فصائلنا تدور إلى اليمين حتى اقتربت من الطريق الذي يستخدمه العدو
في تحركاته، وأخذت تطلق النار على القوافل اليهودية التي تتوجه صوب المعركة...
بينما تقدمنا مرة أخرى تجاه مواقعنا المحتلة لنصلي العدو فيها نارًا على قمة الجبل...!!
فلم يكن لليهود حينئذ ما يحتملون به... فقتل منهم عدد كبير... وصعدنا
الجبل وضيقنا على العدو الأجل، وكبدناه خسائر في الأرواح والعتاد لم يكن
يتصورها... حتى لجأت بقاياه متسللة إلى المنطقة الحرام ودار الحكومة حيث يوجد
مراقبو الهدنة... لقد قدر عدد القتلى من الأعداء في هذه المعركة بـ $500$ خمسمائة يهودي
حتى قال قائدهم أمام مراقبي الهدنة: لم نخسر في معركة خضناها منذ بداية الحرب
مثلما خسرنا في هذه المعركة...!!!
ـ هل تدري يا أخانا كم كانت عدة الستين مجاهدًا في هذه المعركة؟! $2$ مدفع هاون صغير
$50$ ملليمتراً، $3$ مدفع رشاش
إنجليزي، والبنادق الانفيلد الإنجليزية، والقنابل اليدوية ش.ف.
ـ هل تدري كم كان شهداؤنا في مواجهة قتالهم للخمسمائة؟! واحد من أبناء
فلسطين أصيب بجروح ولم يستشهد!! وقائدنا "محمود عبده" أطال الله عمره
الذي انسحب وجرحه ينزف دون أن يفطن لإصابته أحد سوى مرافقيه؟
ـ هل تدري ما هي مهنته في ذلك الوقت؟!
ـ كان مدرسًا برأس التين الثانوية بالإسكندرية!!
ـ وصدق الله العظيم: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ
يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ
الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: 65].
معركة المصفحات بدير البلح عام 1948
استطاع الفدائيون من شباب الدعوة أن يأسِروا جاسوسًا يعمل لحساب
اليهود عقب معركة مكشوفة بين الفدائيين واليهود على مشارف مستعمرة "كفار
ديروم" التي كانت تعتبر من أهم مستعمرات الجنوب لأنها تسيطر تمامًا على
الطريق الواصل من خان يونس وغزة. قُبض على الجاسوس وأجرينا معه الكثير من التحريات
والتحقيقات التي انتهت بأن هذا الجاسوس يستطيع مخاطبة المستعمرة "الأم"
التي تمد مستعمرات الجنوب بالعتاد والتموين والسلاح، وفعلاً أُرسلت رسالة لاسلكية
بالعربية تفيد بأن... (رجال الحركة الإسلامية) يحاصرون مستعمرة "كفار
ديروم" وأوشكت المستعمرة على السقوط في أيديهم ونرجو إرسال نجدة سريعة
للمستعمرة!! فكان رد مدير العمليات الحربية في المستعمرة "الأم" أن
تتحرك النجدة المكونة من $12$
مصفحة
وعربة ومعهم ونش كبير لمساعدة النجدة في تحركها... وهذه العربات عليها السلاح
والذخيرة والتموين اللازم للمستعمرة. وحدد المسئول الإسرائيلي طريق سير النجدة
وساعة قيامها...
ـ فما كان منا إلا الخروج بفصيلة من الجنود المسلحين بالأسلحة السريعة
الطلقات والمضادة للمصفحات، والانتظار في طريق قدوم النجدة في الوقت والمكان
المحددين... وما إن بدأت طلائع النجدة تظهر في الأفق البعيد، تنهب الأرض مسرعة حتى
وجدت نفسها في الفخ الذي نصبناه لها ـ وقد كان هؤلاء اليهود وما اشتهروا به من خسة
ونذالة ينهبون بيوت العرب الذين يمرون بهم، مستولين على الطيور والبط واللوز
والدجاج من المنزل ـ
ـ فبدأت طلقاتنا توجه إلى العربة الأولى فتوقفت، وتوقف الركب بأسره من
شدة المفاجأة... فتوالت طلقاتنا في اتجاه هذه الفريسة الثمينة... حتى انفرط عقدهم،
وراحوا يتخبطون في الطريق لا يلوون على شيء... فمنهم من ترك سيارته فارّاً عبر
الصحراء لترديه رصاصاتنا قبل أن يجد له طريقًا... الرمال دماءهم... وبدا لنا بعد ذلك أن بقايا الصيد بلا حارس... فتقدمت
فصيلتنا تجاه جنودهم لتأتي عليهم عن آخرهم...
وكان قد بلغ الجوع بنا مبلغه، فوجدنا رزق الله في الغنائم من علب
اللبن، والشوكولاتة، والخبز... فأكلنا... ثم سقنا هذه المصفحات والعربات بعد أن
اخترنا لها السائقين إلى معسكرنا محملة بالذخيرة والسلاح... ووقفنا عند وصية
قائدنا الشهيد "حسن البنا" وهو يقول لنا "إنكم سوف تستولون على
سلاح أعدائكم، وتسددونه إلى نحورهم"... فكانت هذه الغنيمة مدداً من الله ساقه
لنا على يد أعدائنا فاستعملناه في كثير من العمليات التالية وكأنه كان يعرف
رائحتهم فينطلق باحثًا عنهم... ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].
الليبيون يموتون بدون قتال
وإنه قد صادفت ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم احتفالات
الشيوعيين بـميلاد "لينين" فتنادوا باحتفالهم في فلسطين... لكنهم ذهبوا
ولم يعودوا إذ أبيدوا بدون قتال...!! بينما قرر فتية من شباب الحركة الإسلامية أن
يرضوا الله ورسوله بالشهادة في سبيله في هذه الليلة... فأدوا صلاة العتمة، وتوجهوا
للمعركة التي تم لهم فيها النصر دون أن يفقدوا واحدًا منهم!!..
شهيد لم يركع لله إلا ركعتين !
وإنه كان في إحدى القواعد بالمنطقة السورية في السنوات القليلة
الماضية بعد "النكسة"، وإذا برجال من الحركة الإسلامية يحضرون ليستأذنوا
من قيادته أن تعطيهم مرافقين لهم في دوريتهم... فاختارت قيادة القاعدة لهم اثنين
ليرافقوا الإخوة المؤمنين...
وعند الحدود قاموا لأداء ركعتين لله كعادتهم طهارة وتوبة، ورجاء من
الله وطلبًا لمعونته، وطمعًا في قبول موتاهم شهداء... إلا أنهم وجدوا أحد
المرافقين لهم لا يصلي مثلهم... فقال قائدهم له: لماذا لا تصلي يا أخانا؟ ألست
مسلمًا؟!
قال: نعم... ولا أعتز بشيء أكثر من إسلامي...!! لكني للأسف تعلمت
تعليمًا مدنيًا في بلدي العربي حيث لا يُدرس لنا شيء عن الدين الإسلامي!! ومن ثَم
لا أعرف كيفية الوضوء ولا الصلاة...!! فانتظروا معه حتى علموه كيفية الوضوء وتوضأ،
وكيفية الصلاة وصلى... ثم واصلوا سيرهم حيث تخطوا الحدود إلى الأرض المحتلة...
وأداروا معركة مع العدو كبدوه خسائر جسيمة ثم عادوا إلى قواعدهم إلا مرافقهم الذي
استشهد على أرض المعركة... وبقي جثمانه الطاهر على ثراها في الصيف القائظ مدة
يومين حتى تم إحضاره ليُشيّع في موطنه... ولم يكن غريبًا علينا ألا نشم من جثته
الطاهرة إلا الرائحة الطيبة فقد صدق الله فصدقه!!
وصدق الله العظيم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ
اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:
169].
إنه ليحق لليهود أن يصرحوا بأنهم لا يخافون إلا من جيش إسلامي يتحرك
بعقيدته ويتسلح بإيمانه... ويحق لهم أن يكونوا خلف كل مؤامرة تحاك للقضاء عليهم...
وأن يتم إنهاك قواهم خلف أسوار المعتقلات والسجون...!!
﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ
يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: 4 - 5].