; ملحمة النور | مجلة المجتمع

العنوان ملحمة النور

الكاتب محمود عادل الهاشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1976

مشاهدات 77

نشر في العدد 287

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 17-فبراير-1976

للشاعر: محمد الحسناوي

عرفته منذ بضعة عشر عامًا، واستمعت إليه في أفناء الريف وأحضان الطبيعة، وهو بعد طالب، يشدو الشعر فيه العذوبة والحرارة وبواكير الإبداع.. ثم انقطعت بيننا الأوشاج بعد لقاء قصير، وتسامت إلي بعد ذلك بواكير جديدة مطربة تثري الأمل في الفتى الشادي الذي ترقرق الشعر في حنايا نفسه وانساب إلينا رخيًّا عذبًا دون ميعاد، ومتى كان النبوغ الشعري يرقب المواعيد؟

ولكن ما للشادي يسابق الزمن ويشب عن الطوق، ويقفز إلى مجالي الفحول؟ أهي وثبة وظاهرة أم تخلف من راصدي شعره عن المسايرة والمتابعة؟ فلقد قرأت منذ عامين أو ثلاثة قصيدتين من ديوانه عودة النائب هما: «بين كتابين» و«البحر الظامئ» وأنا أعتزم كتابة بحث جامعي في الأدب والنقد، فما لبثت أن تلقفت هاتين القصيدتين أضمهما إلى نظائرهما من نتاج الشعراء الكبار في جيلنا المعاصر.

أجل، هكذا يصنع الغياب وتبغت المفاجأة، إذ لم ألبث أن رأيت الأستاذ يثب به شعره إلى مستوى الأفذاذ بعيدًا عن الضجيج والدعاوي، وأنى لمثله أن يصطنع ذلك، وهو الزاهد في الشهرة، البعيد عن حديث الذات، وأصدقاؤه وزملاؤه لا يتحرك قلمهم إلا على استحياء، أليست أول كلمة أكتبها في شعره رغم قدم العهد، ولكن ما كان الشعر الواثب بحاجة إلى من يعرض له أو يعرف به. إن وثباته الفنية تحقق وجوده وتنبه الرقود. وظل هذا الكلام حديث نفس، يدور في عتمة الخواطر حتى كان ديوانه الجديد ملحمة النور، فإذا بالحديث عنه يقفز للكتابة دون إذن مني محبطًا سائر التذرعات، ولا غرو فالنور يشف حجب الظلمات.

إن ديوان «ملحمة النور» يحكي فصلًا شائقًا من رواية الشعر الإسلامي في العصر الحديث، فلقد تملى الأستاذ الحسناوي الشعر الإسلامي في عصر الرسالة والفتوح، وألم بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء، واستلهم التاريخ الإسلامي قديمه وحديثه، وشاقته روائع الشيرازي وإقبال، فملأته نغمات الشعر العبقري، وتصاعدت اهتماماته الفنية في ظلال التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، فإذا به يخط لنفسه ولوجدانه طريق الأدب الإسلامي شعرًا ونقدًا، فنراه يصدر ديوانه عودة الغائب بفصل عن الشعر والشعر الإسلامي يشرح فيه ملامح الآفاق التي تعنيه وتستهويه، والشعر الإسلامي الحديث تيار فني أخذ يشق طريقه وتتلقفه المجالس الأدبية في ميادين الشعر والنقد في عصرنا الحديث، فقد صدرت دواوين شعرية إسلامية([1])، وكتبت أبحاث ترصد هذا التيار الإسلامي في الأدب والشعر، فإنما يبغتنا الأستاذ الحسناوي بمفاجأته الفنية التي أنضجها عبر السنين واستمدها من التاريخ الإسلامي، قديمه وحديثه، باعتباره الواقع التطبيقي للفكرة والمختبر الإنساني وذاكرة الأمة -كما سماه صاحب الملحمة.

وقد تجاوز الشاعر بتسميته الملحمة الاصطلاح اليوناني الذي تحجر عند البعض، وقد سبقه إلى تجاوز هذا الاصطلاح أحمد محرم وعزيز أباظة في ملحمتهما برواية السيرة النبوية دون تقيد بتلك المصطلحات التي لا يمكنها استيعاب فكرنا وأدبنا ونظرتنا إلى الوجود، وعلى هذا فلنا ملحمتنا التي تحوي خصائصنا الفكرية والفنية.

مضى الأستاذ الحسناوي إلى التاريخ الإسلامي دون استقصاء، اصطفى بعضًا من أعلامه ومواقفه، وقد تصدرت قصيدة «الإسراء والمعراج» ملحمته، فهي من أولى تجاربه على الطريق، وحدث الإسراء راده الشعراء منذ البوصيري كل على طريقته، فماذا نجد عند شاعرنا من لفتات جديدة هي زاد المتأدب غير المكرور من القول، ولعلها مياسم الإبداع في ابتعاث الجديد الفني من التقليدي المألوف. فيطالعنا من هذه المعجزة التي كثر فيها القول أفق جميل طريف، يتجلى في حومة البراق فوق ربا الجزيرة يصطفي منها، دون دور العالمين دارًا، فما الذي بعثه على الاصطفاء والاختيار؟

حط البراق على ثرى البطحاء                  والليل يضرب خيمة الظلماء

ماذا يرى جبريل في أصنامها                   في قرية ضاعت على البيداء 

حتى أتاها ضاحكًا مستبشرًا                  واختصها عن دارة الجوزاء؟

ولا يغادرنا بعيد ذلك، في قصيدته، أفق السمو، في ارتقاء سيد الرسالة ذرا السماوات، مرتفعًا على من ساموه مر العذاب، وأفق السمو سنة الداعية في ارتقائه وارتفاعه على مواضعات الجاهلية وانحدارها.

فلترتفع قدماه فوق رءوسهم                      بعد الهوان وشدة الإيذاء

أن ينبذوه ففي السماء له مراد                      واسع من سدة العلياء 

ويمزج الشاعر الظاهرة الحضارية بالظاهرة الإيمانية في رحلة المعراج فيوفق إلى رؤى حافلة:

وأتاهما المعراج يوطئ متنه                    من علق الدرجات في الجوزاء؟

الله علقها وأمسك تحتها                           أرضًا مطوفة بكل سماء

الله علقها وأمسك حولها الدنيا                   بلا عمد ولا إرساء

صعدا أبا الزهراء فوق ظلامهم               واهنأ فدربك طافح الأضواء

هذي النجوم الزهر جئنك سمرًا               فاسحب على السمار ذيل عفاء 

ومن صميم مواقف الرسالة يغترف قصيدته عبد الله بن مكتوم، قصة تروي منعطفًا خطيرًا في حياة الدعوة الإسلامية، يسدده الوحي، وينتصر المستضعفون على ذوي الجاه والسلطان، فالرسول جالس يحاور سادة قريش يشغله الأمل في إسلامهم عن كل طارق، وإذا بابن مكتوم يطرق بابه يبغي الهداية والإشراق النبوي، ويقطع على الرسول تأمله، فيعرو وجه الرسول الإنسان تقطيب وعبوس، وينكفئ ابن مكتوم كسيرًا، ولكن سرعان ما جبر الوحي كسره وصوب الطريق، وكان موقفًا ذا أثر في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم يذكره كلما رأى ابن مكتوم، فيرحب به قائلًا: «أهلًا بمن عاتبني فيه ربي».

ويجلو الشاعر في تجربته هذه الموقف الإيماني من حياة الداعية الأول. فما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يريد بإقباله على سادة قريش والإعراض عن ابن مكتوم بعض الوقت في مجلسه إلا ابتغاء سيادة الدعوة الإسلامية، ولكنه الطريق المتميز يجلوه الوحي أبلج ناصعًا.

ثم يمضي النهار ظلًّا ثقيلًا               وتدور النجوم دورة هجس 

ويوافي «جبريل» بالنبأ الأعلى        -عتابًا لا كالعتاب- ودرس

كيف ترجو من التراب انتصارًا       أنا رب السهام والقوس قوسي

ساعة وانجلى العتاب وسالت            عبرات النبي سيلان نفس

ألف طوبى.. وألف مرحى لمن عاتبني الله فيه في غير لبس 

ولتكن عبد الله بعدي أميرًا                 ما خرجنا لغزوة أو لحس 

ويمضي على هذا النسق في استلهام التاريخ واستيحائه في قصائده «سراقة بن مالك»، و«ويوم بدر»، و«أبو خيثمة»، و«كعب بن مالك»، ويطالعنا فيها بجوار العرض التاريخي التحليل النفسي والنظرات الذاتية الشاعرة. فهذا الصراع يطيف بنفس أبي خيثمة الذي استباه خفض العيش على اعتساف الصحراء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في «تبوك»، ولكن رغم العريش والظل الناعم بات ساهمًا واجمًا يدور في نفسه عاصف شديد من تأنيب النفس المؤمنة.

أنت في خفض أبا خيثمة                        وسواك اليوم في مشأمة

ما ترى سمر منك الخطا                        ساهما لا تبرح المأكمة 

والعريشان على خطوة                      والعروسان على تمتمة؟

أم ترى ما لا يرى عابر                 في حصا مهملة مركمة؟ 

أترى جيشًا هنا زاحفًا                 وحصونًا هاهنا محكمة؟ 

وسيوفًا مشرعات الظبى              وهتافات الوغى المبهمة؟

ويبلغ الصراع ذروته في نفس الصحابي الذي خالطته الدعة، ولكن صوتًا قويًّا هزه من الأعماق، فطار به فرسه عبر لظى الصحراء إلى الرسول والركب المجاهد الذي تحرر من أسر نعيم الدنيا ولذائذها.

نفد الصبر أبا خيثمة                والحجا في الرأي أن تحسمه

نظر الناس إلى فارس               مقبل كالريح كالزمزمه

غير الأفق بإقباله                       فاشتهاه الظن واستلهمه 

فإذا وافاهمو أعلنوا                 «هو والله أبو خيثمة»

ومن التاريخ الإسلامي القديم إلــــــى رواية قصة كفاح التاريخ الإسلامي الحديث نمضي مع شاعرنا الحسناوي في الفجر الرابع عشر يحيي شهداء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث ممن أدركهم وعاش ذكراهم، فيتراءى له شهيد الإسلام ضد الطاغوت والطغيان هاشم رفاعي، الشاعر المجاهد والداعية إلى الحق، اغتالته يد الطاغية في زنزانته في الظلام، ولفقت لوفاته قصة بغية الإلهاء وتغطية الجريمة النكراء شأن الطغاة في اغتيالهم لحر أو مجاهد، ولكن قصيدته بين يدي الشهادة فضحت جريمتهم، وأطلت بالدماء الزكية تطفئ تلفيق الطغيان، ومتى ظل دم الشهيد سرًّا؟ تهز هذه الواقعة شاعرنا فتنساب قوافيه جامحة متدفقة تدفق دم الشهيد وما يبعثه في الوجود من وهج ونور، وعلى روي ووزن قصيدته المذكورة:

أمهشم الطغيان والأوثان                   أمفسر القرآن بالقربان

أمغالب الظلمات في زنزانة            مجنونة الأشباح والجدران

أمسطر التاريخ بالدم بالأناشيد         العنيدة بالهدى الرباني

هذي رسالتك الجريحة في دمي       بجوارحي، بحناجر الإخوان

بعزيمة الأجيال تقتلع الخمول             تدكه بتلاطم الطوفان 

بقميصك المخضوب ننشره لواء         ظافرًا مخضوضر الأردان 

بهتافك المبحوح نرسله رعودًا            في جنازة ذلك القرصان

ويكشف الشاعر الغطاء عن مؤامرة اغتيال الطاغية لهاشم الرفاعي، وكيف حاول تغطية الجريمة بتلفيق قصة مقتله على يد أحد حاسديه، ولكن قصيدة الرفاعي الخالدة بين يدي الشهادة عرت القتلة وكشفتهم للأجيال:

راموا لكيما يدفنوك بحفرة               موءودة في عالم النسيان 

فإذا نشيدك آية متلوة                    وقصيدة تحدو مع الركبان

وإذا أظافرهم وسحنتهم مخضبة      بحناء النجيع القاني

يأيها الجلاد لست مبرأ                ويداك في الآثام للأذقان 

ثم يتابع إنذار الجلاد الطاغية الذي لم يشبع من عب الدماء، فيرسم له المصير من شعر الشهيد طوفانًا شعبيًّا يكتسح الطغاة، وبركانًا يعصف بجبروتهم.

يكفيك ما عانيت في تشريدنا                 فاختر لنفسك ألعن الأكفان

هلا قرأت رسالة العملاق في               أغلاله تأتي على البهتان:

«إن احتدام النار في جوف الثرى          أمر يثير حفيظة البركان

وتتابع القطرات ينزل بعدها                 سيل يليه تدفق الطوفان 

فيموج يقتلع الطغاة مزمجرًا                أقوى من الجبروت والسلطان»

وهكذا سنة الحياة، يختار الطاغية بظلمه وبطشه لغة الأجيال وسبة التاريخ ويتربع الشهيد على عرش الخلود رمزًا للتضحية والفداء..

يا دافعًا مد الشموس بكفه                   يا لاطمًا سيل النهى ببنان

قد حان أن تتجرع الكأس التي            راوغت عنها أيما روغان 

صابا ستكرعها وتجري خلفها            هربًا من الطوفان للنيران

أما «الرفاعي هاشم» فلواؤه              كعبيره، سيظل في خفقان 

وبحسبه جنات عدنان مسكنًا                وتفيؤا في رحمة الرحمن 

ولشاعرنا في الداعية الإسلامي الدكتور مصطفى السباعي قصائد خمس قد أثرى فيها القول ثراء حبه وقربه، ففي الأولى يعرض في إطار رمزي بديع لنشأة السباعي وهو يفتق الهمم الغافية لإعادة سيرة المجد الكبير، وقد عصف الاستعمار بالأقطار العربية والإسلامية فليست سوى دعوة الإسلام تحيي العزائم وتنفخ الروح في القلوب الخامدة، ووجد الفتى قدره في قيادة الجماهير ضد المستعمر في سورية ومصر ولما يزل على مقعد الدرس، فذاق السجن والنفي منذ نعومة أظفاره، وكأن حياته نبتت في طاقة الأحداث..

من ربي حمص ومن داراتها                     هب عصفور فتى ذو همم

يذرع الأفق ارتيادًا والهًا                     ويغني النجم ما شاء النغم

وأجابت أدمع عن سؤله                     وسرت في «حمص» أصداء القسم 

لا انتداب في بلاد حرة                     لا انصياع لوصايات البهم

من ترى هیج أغنامًا غفت                  وإباء ثار من بين الرمم؟

فليشرد، وليمزق جمعه                      وليثب من كان في الجلي عزم

هكذا كان «السباعي مصطفى»            يصفع البغي، ويبني ما انهدم

وواصل رحمه الله الثورة على المستعمرين، ووصل جهاده ما حيي لنصرة قضية فلسطين في حملة توعية مبكرة للخطر الصهيوني، وتجنيدًا للشباب المؤمن يتحدث الشاعر بلسانه قائلًا:

أنا بلبل الشام الجهير                   ونافخ الآفاق صورا 

في المشرقين وفي القلوب            سأنشر الجلي نشورا

سأجند الشبان شباني                  وأجتاح الجسورا 

سأهز أعواد المنابر                  والعروش ولن أحيرا 

حتى يحير الفرقدان                  ويرجع الباغي كسيرا 

وحول بيت المقدس كان المجاهد السباعي يقود كتيبة من إخوانه يذودون عن المسجد الأقصى.. قد أرخصوا الأرواح في سبيل الله، ولكن ما للمسئولين قد قطعوا الذخيرة عن المجاهدين الذين لم يضنوا بأرواحهم! إنها بوادر المؤامرة التي فضحها المجاهدون الصادقون في صفحة مبكرة من تاريخ نكبة فلسطين.. 

لا بارك الله لآلى                  عقوا، وأولونا ظهورا

لما حمينا «القدس» و       «القطمون» و«البيت» الشهيرا

كذبوا وضنوا بالرصاص                        وقتروا حتى نبورا 

وتآمروا سرًّا علينا                               نحن من سد الثغورا 

قالوا: ارجعوا من حيث جئتم                  واتركوا السور الحسيرا 

أنا على درب الجهاد                          إرادة قصمت ظهورا 

من سكبنا هذا الإباء                        وإن بنوا منه القصورا 

وسيعرف التاريخ أنا                     لم نزل أسدًا هصورا 

وتذرف عاطفة الشاعر دموعًا، وفي يوم رحيل أبي حسان عن الدنيا، ويتجلى حبه له في كل جرس وحرف في القصيدة، يتراءى ذلك في إكباره وافتدائه بالأرواح، يفتتحها بمطلع ذاهل يعكس في بعثه فجيعته:

أرحلت حقًّا يا أبا حسان                  من غير ما نبأ ولا إعلان

أرحلت لو شئت فديناك يا               حب القلوب بأكبر الإخوان

أنا لا أصدق، لا أطيق ولست            أسمع رنة الناعين في الأذان 

فيك الأبوة والقيادة والتقى               والعلم والإخلاص للرحمن

فيك الجهاد شجاعة وريادة               لله كم أصفاك من إحسان 

أولست من هز المنابر والعروش       وزلزل الطاغوت بالإیمان 

فانهض فديتك لا تجاذبك الخيوط        وأنت فارس حومة وطعان 

وتؤرقه بعد الذكرى الفاجعة فتغيم في عينيه دمشق والشكل قد جلل الأصائل والأماسي، وكانت بالفقيد حية مشرقة.

أتحلو لي دمشق وقد تولى                 «أبو حسان» كالأمل الشهيد 

تولی فالأصائل والأماسي                يتميمات بأحداق الوجود

و«في المأساة» من غرر قصائد الملحمة صاغها الشاعر في فقه رائد الفكر الإسلامي «سيد قطب» الذي غرس الإيمان في أفئدة الجيل بكلمه الإيماني وذوقه القرآني، فكافأته يد الطغيان بالاغتيال القانوني.

ويجد شاعرنا في إهدار دمه نكبة جيل بأسره استنقذه «سيد» من الضياع، لذا تأتي قصيدته في بعض مقاطعها ساخرة بالضائعين الغافلين عن أبعاد المأساة، في تناول رشيق طريف، وموسيقى راعشة، وتصور بارع للمفارقات في عهد المأساة في قالب رمزي، وهي بعد رجع لتجربة الذاهل المأخوذ بصعق الكارثة، في مثل قوله:

ضجعتي في ظل دوح                      أم جدار فوق جفني؟ 

الأراجيح تهادی                           أم رقاب الناس تحنى؟ 

الندى يوقظ غصنًا                         أم دم يغني ويقني؟ 

أيكون الوهم دنيا                         والدنا أشتات عهن؟ 

آه مني

وتتجلى رسالة الشاعر في قصيدته الأخيرة «لوحة»، وكنت أتمنى لو جعلها الأولى لما فيها من الآفاق التي تحلها مكانًا مرموقًا، وهي تكشف عن قيم الشاعر الفكرية ومثله الأدبية الأبية حين يتقاضاه تحقيق الطغيان تفسير آرائه. 

قالوا: أجب، قلت: المكارم غرفتي والورد بابي 

وأنا الذي رضع السحائب واجتلى سحر الروابي 

ذي لوحتي وعقيدتي، وأنا هنا لافي ثيابي 

وحدي أنا، والله في دربي وقلبي وانصبابي 

أنا فوق آلامي ولذاتي مع النور الملاب 

أنا بعض شباك المصائر أجتلي سحر الخطاب 

ذي لوحتي وعقيدتي، فاختر لنفسك ما تحابي 

هذه نفحات من شعر «ملحمة النور» للأستاذ محمد الحسناوي، عرضت لنا في ثوب رفاف بالحنو والسمو صفحة وجدانية من التاريخ الإسلامي، عانق فيها القديم الجديد، تحدو بها إلينا تجربة صادقة فذة قد مزجت بالكلم الحار ذوب الفؤاد وكريم المعاناة، لها من دنيا الجديد فنه الشائق المتألق، ومن دنيا القديم الفكر الجليل والدعوة الخالدة، جمعت إلى الصور الجديدة المبتكرة الشكل الفني الحديث في ألوان من إهاباته وأطره، فهي نتاج حري بالتذوق والاستلهام، وهي تجربة جديرة بالمسايرة والمتابعة تتسوق بإيماءاتها أرباب الوجدان الأدبي الرفيع وعشاق الفكرة الجميلة المتألقة بالنور، وإنها للمسات لا تغني عن اجتلاء الديوان الحافل بأطايب القول الراعش بالهمسات الفنية المتصاعدة الأحاسيس، عميق الإيمان
 

(1) اتسعت ظاهرة إصدار الدواوين الشعرية الإسلامية في الأقطار العربية والإسلامية في العصر الحديث، من أبرز أمثلتها دیوان: مع الله، لعمر بهاء الأميري، ط 2 دار القلم 1971م، وملحمة النور التي أعرض لها في هذا المجال.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 30

123

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

في ذكرى الإسراء والمعراج

نشر في العدد 29

197

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

يوميات المجتمع (29)