; ملامح سلبية لخطاب مؤيدي الاختلاط (2-2) | مجلة المجتمع

العنوان ملامح سلبية لخطاب مؤيدي الاختلاط (2-2)

الكاتب محمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1996

مشاهدات 88

نشر في العدد 1207

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 09-يوليو-1996

بعد أن سجلت بعض الدلالات الخاطئة لخطاب مؤيدي الاختلاط في العدد الماضي فإن لدي بعض النصائح لهم:

أولا : أهمية الثقة بالنفس والحوار

من الأهمية بمكان أن يتمالك مؤيدو الاختلاط أنفسهم، وأن يعتبروا القضية- وكما يصفونها دائما - قضية محدودة وهامشية وليست ذات أولوية، ولا تستاهل أن تجهدهم هذا العناء، وأن تتسع صدورهم للآخرين، وأن يتحملوا الرأي الآخر، دون ضيق النفس الذي بدا واضحاً وجلياً في خطابهم، حيث نادى بعضهم بالاستقالة من أعمالهم في الجامعة، والبعض دعا لاستقالة وزير التربية، حيث لا نرى أي مبرر لهذا الانفعال والتطرف، بل عليهم أن يحاوروا غيرهم بعقلانية.

فالتيار الليبرالي العلماني إلى الآن لا يملك الشجاعة والثقة بالنفس للحوار مع الإسلاميين، ومع الشعب الكويتي في قضايا اجتماعية، هذا الحوار الذي تسوده روح التفاهم والرجوع إلى المبادئ الأساسية التي يحتكم إليها الشعب الكويتي، فدين الدولة الإسلام، والشريعة المصدر الرئيسي للتشريع، والمحافظة هي سمة من سمات المجتمع الكويتي، وأحد أركانه.

ثانيا : الالتزام بالقيم الحضارية والديمقراطية

ومن الأهمية بمكان أيضاً أن تتحكم القيم الحضارية في خطاب التيار الليبرالي العلماني، هذه القيم التي اتهم خصومه بأنهم لا يملكونها، فلا يعقل أن ينادي هذا التيار بالديمقراطية، ثم ينقلب عليها إذا ما كانت النتيجة ليست في صالحه، وليس من المعقول أن يحتكم هذا التيار إلى مؤسسات المجتمع المدني، ثم إذا كانت هناك قضية واضح أن الخصومة فيها ربحاً ومكسباً شرعياً ودستورياً وقانونياً، يكون الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر، إن هذا التيار وفي أكثر من خلاف مع التيار الإسلامي قد فقد مصداقيته في التزامه بهذه القيم الحضارية، وبات سلوكه اليومي وهو يتعامل مع مخالفيه أكثر تخلفاً دونما اعتبار للحق أو العدالة أو الغاية الصادقة في هذا التعامل.

ثالثا : احترام رأي الأغلبية

وقف أغلب المجتمع الكويتي مع مشروع القانون الذي أجازه مجلس الأمة الخاص بالاختلاط في الجامعة والمؤسسات التعليمية، ويفترض أن ترضى الأقلية المعارضة بـ الأغلبية، وألا تتحكم الأقلية بالأغلبية بسبب نفوذها في مواقع عديدة في الدولة، فلسنا في رواندا، حيث عانت الأقلية من فساد الأغلبية مما أدى إلى تفكك ذلك البلد، وإنه من الصالح للمجتمع الكويتي أن ترضى الأقلية مهما علا موقعها الاجتماعي والتعليمي بقرار الأغلبية، وأن يفسح مؤيدو الاختلاط لشعبهم الكويتي لتلبية رغبته بتنفيذ هذا القانون، عدا أنها قضية ليست استراتيجية وتخل بثوابت المجتمع الكويتي، كل هذا وفق معطيات الخطاب الذي رسمه مؤيدو الاختلاط.. إذن فلماذا هذه المعارضة الشديدة للقانون؟ إذ إن الأغلبية لن ترضى بأية حال من الأحوال أن يصادر حقها، وستعود القضية مرات ومرات للتفاعل من جديد.

إن رضوخ الأقلية للأغلبية يجسد وبشكل حضاري معالم العمل السياسي المدني في المجتمعات الحديثة، والتي طالما نادى بها الليبراليون والعلمانيون، ويتطلب ذلك أن يكونوا قدوة ونبراسا لغيرهم.

رابعا : موقع الأخلاق والقيم

ينزع دائما خطاب هذا التيار العلماني والليبرالي من إبعاد الاعتبار الموضوعي والأخلاقي والقيمي في كثير من القضايا، ويهمش عن عمد أثر الأخلاق والقيم في بناء أي مجتمع أو أية حضارة، والمتمعن في الدراسات التاريخية لزوال الحضارات كان سببها الرئيسي هو تحطم القيم والأخلاق في تلك المجتمعات... فالأخلاق جزء لا يتجزأ من تشكيل الجانب القيمي والحضاري للإنسان، والإنسان منذ صغره وهو طفل يعمل والداه على تهذيب أخلاقه بشتى الطرق إلى أن يصبح رجلاً يافعا.

أضف إلى ذلك أن الأخلاق العامة والتي تنظم العلاقة بين الجنسين الرجل والمرأة، تتحكم كثيراً في نمو المستوى الحضاري لآية أمة، ومن ثم كان يجب احترام النصوص الشرعية والإيمانية التي تحفظ حياء المرأة وغيرة الرجل كقضية تكوينية في كليهما، ومن نصوص الشريعة حفظ العرض والعرض في مجتمعاتنا الإسلامية له قيمة تساوي حق الحياة، ومن ثم أي انتهاك أو خدش لكل ما يهيئ الحفاظ على العفاف والحياء عند المرأة والغيرة عند الرجل راعته الكثير من النصوص الشرعية.

وما يحصل اليوم في جامعة الكويت من اختلاط بين الشباب والفتيات يفضي إلى كسر الحواجز، وعدم احترام القيم التي تعين على المحافظة الشرعية للعلاقة بين الجنسين، ولا يستطيع الليبراليون والعلمانيون أن يدافعوا بشكل عملي وواقعي عما يحدث من تجاوز في هذا الجانب، ولا مانع من أن يكونوا أكثر واقعية ويراجعوا بدقة تقارير أقسام الأمن والسلامة والخدمة الاجتماعية في الجامعة ليتأكدوا من ذلك.

فالمسألة الأخلاقية والقيم التي تحافظ على العفاف والحياء يجدر بكل رجل أياً كان اتجاهه احترامها وتقديرها، لأنها سياج شرعي يحافظ فيه كل منهم على أخته أو ابنته أو زوجته أو إحدى قريباته، وما عهد المجتمع الكويتي في أي وقت كان أن يرضى الرجل فيه أن تجالس ابنته أو أخته شاباً ولو في قاعات الدرس، دونما اعتبار للقيم الاجتماعية الشرعية السائدة.

ولذلك فإنه من الواجب على إتباع التيار العلماني أن يضعوا للأخلاق والقيم موقعاً مناسباً في معالجاتهم للقضايا والأمور الاجتماعية، ومن أهمها قضية الاختلاط بين الجنسين.

خامسا : أهمية النظر الشرعي في المسائل الاجتماعية السياسية

يستبعد الليبراليون والعلمانيون دائما النظر الشرعي للمسائل المدنية والحياتية والسياسية والاجتماعية، ولهذا ينسجمون تماماً مع أفكارهم وتصوراتهم عن الدين الإسلامي في فصل الدين عن الدولة وشؤون الحياة، إلا أن هذا الأمر سبب - وما زال - لهم معارضة شديدة في المجتمع الكويتي القائم على الشريعة الإسلامية، والقانون المبني على أحكام الشريعة، ولهذا فإنه بالرغم من أن جزءا لا يستهان به من هذا التيار يحمل شهادات علمية إلا أن الجهل بأحكام الشريعة يطغى على غالبية هذا التيار، ولا يحاول هذا التيار صادقاً وجاهداً البحث الحقيقي في أحكام الشريعة والدين الإسلامي لمختلف قضاياه، ويتلاعب كثيراً بألفاظ لا يدرك معانيها مما يؤدي إلى وقوعه في أخطاء شرعية، اضف إلى ذلك أنه يتكبر ويستنكف عن اللجوء إلى أهل الاختصاص في الشريعة لإعطائه الرأي الشرعي في المسائل المختلف عليها.

عموما لا توجد محاولات جادة من التيار الليبرالي العلماني ومؤيدي الاختلاط من الاقتراب مع النظر في المسائل الشرعية والبحث بعلمية وموضوعية عن حقيقة الحكم فيها.

سادسا : أهمية الاستفادة من دراسات الواقع الاجتماعي والتربوي في المجتمعات الغربية

من المفترض أن تسود العلمية والموضوعية الخطاب الليبرالي والعلماني، وفي قضية الاختلاط في التعليم، والتي سادت المجتمعات الغربية تجارب فاشلة، وأعتقد أن أقرب الناس والذين يستطيعون أن يطلعوا عليها ويكونوا على علم بها هم المنتمون لهذا التيار، وأريد أن أضع بين يدي العقلاء من هذا التيار بعض المعلومات.

بفرلي شو Beverley Shaw وهو أحد التربويين المرموقين في بريطانيا أصدر بحثا تربويا بعنوان The Education of grirls) (Reconsidered الغرب يتراجع عن التعليم المختلط، ترجمة الدكتور وجيه حمد عبد الرحمن، من جامعة الملك عبد العزيز، وهو ينادي بوقف الاختلاط في التعليم.

ومما ورد أيضا التقارير الصادرة من المجلس التعليمي لبريطانيا كتاب الاقتراحات الصادر عن مجلس التعليم البريطاني الذي أعده بلم (Pelham) وتقرير أحد المختصين التربويين كرواتر (Crowther) ، وتقرير نيوسم (Newsom) المعنون نصف مستقبلنا كل هذه التقارير تؤكد على أية حالة أن الفصل بين الجنسين في المدارس وتقسيمهما إلى مجموعات تعتمد علي الفروقات الجنسية يستند إلى المصلحة العامة، وكل ذلك اعتماداً على الدراسات الخاصة بالقدرات بمقررات الصناعة والعلوم والرياضيات، وكذلك القدرات القيادية والقدرات العقلية وغيرها.. خصوصا ما يتعلق بمرحلة المراهقة.

الدكتورة مارغرت سنرلاند Margaret Sutherland) أستاذة التربية بجامعة ليدز أبدت تشككا في أن الاختلاط بالضرورة يحد من عدد فرص التعليم أمام البنات، وعبرت عن تلك المخاوف في كتابها التحيز الجنسي في التعليم ۱۹۸۱م.

أيضاً من الجدير أن ينظر في دراسة كارول بزول Carol Bus) well ۱۹۸۱م، والتي قامت بدراسة عملية لسمات التدريس الفصلي للبنين والبنات.

أما باربرا كاول (Barbara Cowell) فترى أن البنين والبنات يحتاجون نظراً للاختلاف في تطورهم الجسمي والذهني إلى معادلة مختلفة ، إذا لم تكن بالضرورة في فصول دراسية مستقلة على الأقل، كما أنها ترى بأن النساء قلما يصلن إلى مراتب عليا في المدارس المختلطة.

أما إيلين بايرون (Elyn Byron) وهي عالمة مشهورة في مجال التعليم لم تذكر في كتابها النساء والتعليم، عام ١٩٧٨م كافة الفروقات الجنسية بين الطرفين، حيث إنها واضحة في الوقت الراهن، وأكدت بايرون أنها لا تتمنى أن ترى عالما لا يفرق فيه بين الجنسين، وتقام فيه علاقات بينهما لا معنى لها.

وفي بريطانيا - على سبيل المثال - لم يسن قانون بإلزامية التعليم المختلط إلى الآن.

مجلة نيويورك تايمز، نشرت دراسة بعنوان التفريق أفضل، حيث ذكرت الدراسة أن التفريق بين الجنسين في الدراسة أفضل لهذه الأسباب:

1- خريجات كليات البنات يتفوقن على خريجات الكليات المختلطة في الدرجات ودخول الجامعات، وفي عدد درجات الدكتوراه، وفي المرتبات والرضا عن العمل.

2- ثلث النساء من أعضاء مجالس الإدارات في أكبر ألف شركة أمريكية خريجات كليات نسائية.

3- ٤٣٪ من شهادات الدكتوراه في الرياضيات و ٥٠% من شهادات الدكتوراه في الهندسة كانت من نصيب خريجات من خمس كليات للإناث فقط.

4- خريجات كليات الإناث يتفوقن عددا على جميع النساء الأخريات في دليل المشاهير الأمريكي.

عموما لا يسعني في هذا المقال نقل جميع الدراسات والبحوث النفسية والتربوية في هذه القضية، إلا أنه من المهم بمكان أن يتعامل الخطاب العلماني والليبرالي مع القضايا بروح علمية وموضوعية وبحثية دونما إثارة وضجة وانفعال.

يقول البروفيسور الألماني يودفو ليفيلتز كبير علماء الجنس في جامعة برلين في إحدى دراساته الجنسية بأنه درس علوم الجنس وأدوار الجنس وأدوية الجنس فلم يجد علاجاً أنجح ولا أنجع من قول الكتاب الذي نزل على محمد : ﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة النور: ۳۰-۳۱).

الرابط المختصر :