; ملاحظات نقدية في الثقافة التعليمية | مجلة المجتمع

العنوان ملاحظات نقدية في الثقافة التعليمية

الكاتب الطيب ابو عزة

تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1994

مشاهدات 91

نشر في العدد 1129

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 13-ديسمبر-1994

    ·       تطوير المنهج أدى إلى حذف ما يتفق مع العقيدة وإثبات ما يناقضها عند الحديث عن فرعون في التربية الإسلامية

تعتبر «المدرسة» أكبر الأجهزة الأيديولوجية للدولة - كما أكد ذلك «ألتوسير» «وبيير بورديو» وغيرهما من المفكرين المهتمين بقضايا التربية والتعليم، إذ من خلالها تسعى الدولة إلى جعل الفرد يستبطن ثقافتها، ليسلك في سلوكه الذهني والاجتماعي على نهجها.

صبغ التعليم بفلسفة المجتمع

ومن الملحوظ داخل المجتمعات الغربية - سواء الرأسمالية، أو الاشتراكية التي سادت سابقًا - أن التعليم كان مطبوعًا بالمنهاج الثقافي العام الذي يقود المجتمع؛ فالثقافة التي كانت قنوات التعليم ومؤسسات التربية في الأنظمة الاشتراكية السائدة تنشرها وتذيعها، كانت ثقافة ماركسية فجة تعلم الأبجديات الفلسفية المادية وتحشرها في كل موقع ومجال، حتى في قضايا الفيزياء والظواهر الحية، إذ استدخلت مفاهيم «المادية الجدلية» الماركسية في قضايا العلوم الطبيعية مثل مفاهيم «التناقض الجدلي» و«التحول الكمي والكيفي» و«نفي النفي» وغيرها رغم تضادها مع الحقيقة الواقعية للظواهر الفيزيائية والبيولوجية.

وفي الأنظمة الرأسمالية كانت - ولا تزال - المفاهيم الفلسفية الكبرى للثقافة الليبرالية كحرية الفرد وحقوق الإنسان والديمقراطية هي المحور المعرفي الأساسي الذي تدور عليه مضامين التوجيه التربوي والتعليمي.

خضوع التعليم في البلاد العربية للمنهج الغربي المحتل

وهكذا نرى مختلف الشعوب تصوغ مضامينها التعليمية وفق مذهبها الثقافي وفلسفتها في الحياة، إلا أن أقطار العالم العربي الإسلامي تكاد تكون  استثناءً  من القاعدة، إذ تستغني كثير من برامج التعليم عن دين الأمة ومفاهيمه المجتمعية، وتتخذ تصورات التغريب والعلمنة المستوردة  مضمونًا  لها، وهذا راجع إلى خضوع مناهج التعليم في أغلب الدول العربية والإسلامية إلى أهواء السلطة القائدة للمجتمع، والتي عادة ما تكون أهواء علمانية مخالفة لعقيدة الأمة وشخصيتها الدينية.

لجنة برئاسة أمريكية لتعديل مناهج الدراسة في مصر

وللتدليل على أهمية هذا الأمر أوجه انتباه القارئ إلى دراسة أبعاد التحول التربوي الخطير الذي طال النصوص والمقررات التعليمية في مصر مؤخرًا. إذ قامت الوزارة بمراجعة شاملة للبرنامج التعليمي قصد تغيير ثقافته لتخريج  نشءٍ  محرف الهوية مهزوز الشخصية الإسلامية، والغريب في الأمر أن اللجنة الخاصة بتغيير مقررات التربية الإسلامية المسماة «لجنة تطوير التربية الإسلامية» كانت تحت إشراف الدكتورة ليندا لامبرت الأمريكية الجنسية والأصل!

ولقد جاء في كتاب «تطوير أم تضليل في مناهج التربية الإسلامية» - وهو الكتاب الحادي عشر من سلسلة كتب صدرت تحت عنوان «الغزو الفكري في المناهج الدراسية» الصادرة عن دار الوفاء بالقاهرة والمعد من طرف مجموعة من المؤلفين المتخصصين - حقائق خطيرة تؤشر على وجود إرادة مبيتة لتحريف العقل المسلم وتزييف مفهومه عن الإسلام.

ففي كتاب التربية الإسلامية للصف الأول الثانوي أُلغيت الأحاديث التي تتحدث عن فرعون وطغيانه، وذلك في انسجام مقصود مع كتب التاريخ الجديدة حيث ورد في كتاب الصف الرابع الابتدائي أن فرعون كان  محبوبًا  من طرف الناس إلى درجة عبادته «وإن هذا الحب ممتد عبر التاريخ إلى يومنا هذا»، كما حذفت سورة الجاثية لأنها تتحدث عن وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 18)، وأُلغي حديث يحض على الجهاد، وأُدرجت الخمر والمخدرات تحت عنوان «الممنوعات» بدل العنوان السابق «المحرمات»، وحُذف الحكم الشرعي في لباس المرأة.

وفي كتاب التربية الإسلامية للصف الثاني الثانوي تم حذف عنوان «وجوب الحكم بما أنزل الله» ص 69، وحُذفت آيات دالة على هذا الوجوب: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50)، وأُلغي موضوع  معنون  بـ«مصادر الشريعة هي القرآن والسنة، والاجتهاد»، وفي الكتاب القديم كان موضوع الربا  كمحرمٍ  ديني، لكن تغير ليصبح في الكتاب الجديد دعوة صريحة إلى التعامل بالربا تحت عنوان «التعامل مع البنوك ضرورة قومية»! كما حُذفت فقرة تحض على الزواج المبكر، وموضوع  معنون  بـ«أضرار الزواج بالأجنبيات».

أما كتاب الصف الرابع الابتدائي فقد جاء فيه كلام بصفحة 2 يوحي لقارئه بأن لليهود  حقًّا  في المدينة المنورة، كما حُذف موضوع غدر اليهود من الصفحتين 105 و106.

حذف محور الفكر الإسلامي في تونس

وفي المغرب طال التغيير برنامج الفلسفة حيث كان المقرر التعليمي السابق الخاص بمستوى البكالوريا يضم محورين: «الفكر الإسلامي والفلسفي»، لكن البرنامج الصادر سنة 1992 حُذف منه محور الفكر الإسلامي وعُوِّض بدرس واحد تحت عنوان «البيان»! وفي الجزائر تم التراجع عن برنامج التعريب وأولوية اللغة العربية.

إن هذه التحولات التي تطال المضمون الثقافي لبرامجنا التعليمية تدفعنا إلى تسطير مجموعة من الملاحظات النقدية، تنويرًا للرأي العام وتنبيها له:

1- تركيز العلمانية وتزييف وعي الأمة

إن اتجاه التعليم في الدول العربية نحو تركيز العلمانية، ومحاولة قصر مفهوم الإسلام على الجانب التعبدي، والعمل على فصله عن الحياة واستبعاده من مواقع القرار والصياغة التشريعية والقانونية للمجتمع؛ وهذا مدخل خطير إلى تزييف وعي الشعوب وتصورها عن الإسلام، وتقليد سمج لتصورات الغرب وعقيدته الفلسفية اللائكية «العلمانية».

2- تجزئة وحدة الأمة واستبعاد الرابطة العقائدية

كما يُلاحظ على المضمون الثقافي الذي تشيعه المؤسسة التعليمية في أغلب الأقطار العربية الإسلامية أنه مضمون تجزيئي لوحدة الأمة، حيث يعمل على ربط الطفل المتعلم بروابط وطنية ترابية، أو عرقية أو قومية، مما يؤدي إلى تكوين سلبي لنفسيته، ومقاييس ولائه الشعوري والعملي؛ فبدل أن تكون للرابطة العقائدية الإسلامية الأولوية والسبق، وتستدخل غيرها من الروابط التي لا تخالف الإسلام كرابطة الوطن وحب البلاد والمحافظة على الثغور ضمن المنظور العقائدي الإسلامي، بدل ذلك تُستبعد الرابطة الدينية، وتُعطى لغيرها الأولوية والسبق في تأسيس الولاء.

إن تكوين الوجدان التربوي للطفل المسلم وذهنيته داخل المؤسسة التعليمية في أقطار العالم الإسلامي، مع تفتيح ولائه إلى الإسلام وأمة العقيدة بكل شموليتها، هو الدافع إلى بناء وحدة العالم الإسلامي وتركيز مشاعر الأخوة الحقة بين أفراده وأقطاره، واجتماع الكلمة وتكاتف الجهود؛ أما تداول النعرات القبلية، والقطرية، والعرقية، والقومية، فهو مدخل إلى الزيادة في تفتيت مشاعر الأمة وفصلها، واستنبات مشاعر الصراع والعداء فيما بين أفراده وأقطارها، وهذا خطر ماحق على الناحية التربوية، ستكون له تبعات سياسية مضرة بمستقبل الأمة وغدها.

3- صياغة التاريخ وفقًا لهوى النظام الحاكم

ومن أخطر مظاهر تزييف الوعي التي تنتجها الثقافة التعليمية السائدة في العالم الإسلامي، ما نلاحظه في مجال التاريخ حيث تتطاول المؤسسة التعليمية إلى صياغة التاريخ على النحو الذي يرضي النظام السياسي القائم، لا على النحو الذي يرضي الحقيقة العلمية وأمانة التربية والتعليم، مما يؤدي إلى إلغاء المنظور التاريخي الموضوعي، وتشكيل الوعي التاريخي وفق أهواء أيديولوجية تلتقط من التاريخ الإسلامي ما يعجبها، وتغفل سياقه العام، مع الحرص على عدم تعلق الطفل والمتعلم بالنماذج الإسلامية وإدراك قيمها.

4- نقص البعد التربوي والأخلاقي

كما نلاحظ في المضمون الثقافي المتداول في مؤسساتنا التعليمية  نقصًا  في البعد التربوي والأخلاقي، وهذا جلي على مستوى المظهر الخارجي لأعضاء هذه المؤسسة خاصة بالنسبة للمتعلمين من الجنس الأنثوي، إذ تتحول مداخل المدارس والثانويات وساحات الجامعات إلى سوق للموضة الماجنة والسلوك المائع المنحل، مما يعتبر  إدانة  مباشرة  عفوية  للمؤسسة التعليمية ومستواها التربوي داخل حرمها وعند أبوابها وبين جدرانها؛ وعندما يُنتهك الدين داخل معبده، فما أضعف حرمته، وما أهون قداسته على الأتباع!

إن التعليم في المفهوم الإسلامي ليس آلة لاستدخال الأفكار والمعلومات في الجماجم، بل هو أولًا وقبل كل شيء تربية وتقويم للمشاعر والسلوك، وسعي إلى بناء الإنسان الفاضل مصداقًا للمبدأ الإسلامي: "العلم يورث الخشية من الله" مع ما يتبع هذه الخشية من التزام خلقي وتقوى شعورية وسلوكية.

5- غياب هاجس النهوض ومحاربة التخلف

هناك غياب لهاجس كسب النهوض ومحاربة عوامل التخلف العقائدي والفكري والاقتصادي والسياسي من ثقافة التعليم السائد في مؤسساتنا، مع أنه الموضوع الشاغل للأمة، ومن الضروري ربط مشاعر ووجدان المتعلمين به ليكون لهم  حافزًا  نحو التفكير والاجتهاد وكسب السبق في نطاق العلوم التي يحتاجها وطنهم، قصد ردم الفجوة الفاصلة بيننا وبين مستوى التطور العلمي والتقني المعاصر، وهذا يتطلب أيضًا  ربطًا   وثيقًا  لبرامج التعليم بقضايا التنمية والحاجات الواقعية للمجتمع.

الرابط المختصر :