العنوان ملاحظات حول ظاهرة استكتاب الأجانب
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1985
مشاهدات 87
نشر في العدد 743
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 26-نوفمبر-1985
من يتابع الصحافة العربية سواء كانت في الوطن أم في المهجر يلاحظ أن هذه الصحافة عمدت في السنوات الأخيرة إلى استكتاب بعض الأسماء اللامعة سواء في السياسة أم في الأدب من الكتاب الغربيين بشكل خاص، ولم تقتصر هذه الظاهرة على الاستكتاب بل شملت ترجمات لمقالات أو كتب في طريقها للنشر أو مقابلات.
هذه الظاهرة قد لا تثير انتباه كثير من الناس، باعتبار أن تعدد الآراء- خاصة إذا جاءت من أهل الاطلاع أو الاختصاص- من أهم ضمانات حرية الرأي التي تقوم عليها الصحافة، لكن هل يا ترى هذا هو الدافع وراء ظاهرة استكتاب الأجانب في الصحافة العربية؟
خطوط حمراء
وهنا لا أخفي أنني كقارئ عربي قد رحبت بهذه الظاهرة في أولى بداياتها لأنني كنت أتأمل فيما يكتبه الصحافيون العرب فأجده في معظم الأحيان لا يخرج عن الخطوط الحمراء لهذا النظام أو ذاك، فضلًا عن أن معلوماتهم إما قاصرة أو مشوهة.
وهنا لا بد من إعذار بعضهم؛ لأن المسؤولين العرب لا يفتحون أبوابهم ولا يكشفون أسرارهم إلا للصحفيين الأجانب، ومن يعمل في حقل الإعلام والصحافة يدرك كم هي محزنة ومؤلمة هذه الحقيقة.
وإذا أضفنا إلى ذلك جو الحرية الذي نشأ فيه الصحفيون والكتاب الأجانب، بات واضحًا كيف أني وكثير غيري استبشرنا خيرًا بتلك الظاهرة، غير أني يومًا بعد يوم أخذت تتكون لديَّ ملاحظات حول أشخاص المستكتبين وحول ما يكتبون، ومنذ أسبوعين فقط تعجبت من مقالتين متشابهتين جدًّا لكنهما لكاتبين مختلفين ونشرتا في صحيفتين مختلفتين. المقالتان كانتا حول ما يسمى بجهود إحياء عملية السلام في الشرق الأوسط، واحدة في مجلة عربية تصدر في المهجر وبقلم صحفي عربي من الطراز الأول، والثانية بقلم صحفي إنجليزي مشهور كتبه خصيصًا لصحيفة كويتية.
والمقالتان على صراحتهما إلا أنهما يلتقيان في النهاية عند امتداح خطوات المصالحة العربية وما يسمى بالتضامن العربي وتدعوان لبناء آمال عراض على جهود الزعماء العرب الأخيرة لإحلال السلام وتسوية القضية الفلسطينية وكأن الزعماء العرب تغيروا بين عشية ليلة وضحاها فأصبحت لهم استراتيجية واحدة وأن هذه الاستراتيجية خدمة الشعوب، فما على الشعوب إلا أن تستمر في التصفيق لهم والهتاف بحياتهم، هاتان المقالتان أثارتا فيَّ دافع الكتابة في هذا الموضوع، وتساءلت في نفسي ترى لماذا تعمد الصحافة العربية إلى استكتاب الأجانب؟
فريقان
تأملت في أسماء المستكتبين من الصحفيين والسياسيين الأجانب فوجدت أن المستكتبين من أحد فريقين رئيسين:
فريق من الصحفيين المعروفين بعلاقاتهم القوية مع بعض الزعماء العرب ومن أصحاب الخبرة الطويلة في المنطقة، وكثيرًا ما استدعوا في مهمات صحفية تلقوا عليها مكافآت مالية مجزية، ومن هؤلاء باتريك سيل الصحفي الإنجليزي المعروف الذي تزوج مؤخرًا من عربية وإريك رولو الصحفي الفرنسي المشهور.
وفريق من السياسيين الذين شغلوا مناصب سياسية عليا أو لا يزالون، وخاصة من الأمريكان، ومن هؤلاء هنري كيسنجر ووليم كوانت وهارولد سوندرز وغيرهم. وثمة فريق آخر لكنه ليس بحجم الفريقين السابقين وهو فريق بعض الأكاديميين الغربيين كالبروفيسور شیرمان.
والملاحظ على هذه الأسماء- سواء كانت من الصحفيين أم السياسيين- أنهم أصحاب توجهات سياسية تصب في النهاية في طاحونة المصالح الغربية، ونظرًا لعلاقاتهم الوثيقة مع الحركة الصهيونية أو المسؤولين الإسرائيليين فإنهم بلا شك يخدمون هذه القوى لكن بصورة خفية وذكية.
قد يكون الكاتب- أي كاتب- يطمع في الشهرة من خلال الصحافة العربية، لكن هؤلاء الأجانب يستبعد أن يكونوا كذلك، لأنهم أجانب أولًا أي لأنهم لو أرادوا الشهرة لطلبوها في أوطانهم وليس في أوطان العرب، ولأنهم لا تنقصهم الشهرة على أية حال.
ولذلك فإن مشاركتهم في الصحافة العربية لا بد وأن تهدف لغير ذلك، ولو تأملنا فيما يكتب هؤلاء لرأينا أنهم يهدفون فيما يهدفون إليه، إلى عدة أمور.
ترويض وضبابية
إنهم بحكم خلفيتهم العلمانية وارتباطاتهم بمصالح المعسكر الغربي يهدفون إلى ترويض الفكر العربي الشعبي، ونقله من حالة الرفض للسياسة الغربية إلى حالة القبول بها عن طريق تكريس المنهج الغربي «البراغماتي» في التفكير، كما يهدفون إلى الإبقاء على حالة «الضبابية» وعدم وضوح الرؤية عند الشعوب العربية إزاء الأوضاع السياسية والقوى الدولية.
ومن جانب آخر يشكك هؤلاء الأجانب بحقيقة ظاهرة الانبعاث الديني ويشوهون صورة الحركة الإسلامية، ويؤلبون الحكام عليها بصورة غير مباشرة حيث يصفونها بالتطرف والتعصب وغير ذلك مما أصبح معروفًا في الإعلام الغربي عن الصحوة الإسلامية المباركة.
وقد وجدت أن الصحفيين الأجانب بشكل خاص يستغلون فكرة أنهم معروفون باطلاعهم وصلاتهم بصناع القرارات السياسية، فيوجهون مقالاتهم لخدمة توجهات سياسية معينة في وقت معين، وقد وجدت أن بعض آرائهم إنما تكون بمثابة بالون اختبار لمعرفة ردود الفعل تجاه مشروع أمريكي أو توجه عربي رسمي، وعلى سبيل المثال فإن المقالات التي كرست للحديث عن توجه أردني لحل منفرد مع إسرائيل والاستغناء عن منظمة التحرير الفلسطينية كانت تهدف لدفع الأردن بهذا الاتجاه، في نفس الوقت الذي تهدف فيه للضغط على ياسر عرفات ومعرفة ردود الفعل على ذلك، وهذا ينطبق على ما يكتبه المستكتبون وما تترجمه الصحافة العربية من مقالات في الصحافة الغربية، غير أن الموضوعية تتطلب منا التنبيه إلى أن المقالات التي تنشر في الصحافة الغربية والتي قد يترجم بعضها في الصحافة العربية ليس فيها «خبث المقصد» كما في ما يكتبه المستكتبون، لكنها بدورها- على دقة ما فيها من معلومات أحيانًا- لا تخلو من روح التعصب أو الدعاية لوجهة نظر سياسية محددة، وفي معظم الأحيان تكون الأصابع الصهيونية وراء معظم ما يكتب حول الشرق الأوسط.
تبعية
بقيت مسألة أخيرة وهي إذا كان معروفًا أن الصحفيين والكتاب الأجانب لا يتجردون من دوافعهم الخاصة، فلماذا تتسابق الصحافة العربية إلى اجتذابهم؟
وهذا لا يسعنا إلا أن نقول إن الصحافة العربية خاصة التي تستكتب الصحفيين والكتاب الأجانب مهما كان لديها من مسوغات تندرج تحت باب التطوير والرقي الصحفي، فإنها إذ تفعل ذلك تربط نفسها بخدمة التوجهات السياسية الغربية سواء كانت تريد ذلك أم لا تريده.
وانتشار هذه الظاهرة في الوقت الذي ما زال الإعلام العربي متطفلًا فيه على وسائل الإعلام الغربية خاصة وكالات الأنباء، فإن ظاهرة التبعية للغرب سياسيًّا وإعلاميًّا تتكرس إلى جانب التبعية الاقتصادية.
وإذا كانت هذه المسائل من الصعب على الفرد علاجها، فلا أقل من أن ينتبه القارئ إلى ظاهرة استكتاب الصحفيين والكتاب الأجانب، وليكن واضحًا أن من وراءها المصالح الأمريكية- الصهيونية، بغض النظر عن بعض المسوغات الصحيحة والمعقولة التي تتذرع بها الصحافة العربية، ولو أردت أن أقف عند كل ملاحظة من الملاحظات التي أبديتها لاحتجت إلى تسطير المزيد من القول، لكنها ملاحظات أحببت أن أبينها للقارئ الكريم لعل فيها فائدة، ويكفيني منها أنها قد تنبه إلى ضرورة التأمل في ما يقدم لنا من نتاج غربي أصحابه مشهورون، لكنهم بكل تأكيد أصحاب خلفيات ومصالح سياسية أقل ما يقال فيها أنها لا تخدم مصلحة أمتنا الإسلامية، وما أحلى أن نتلو قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف: 64).