العنوان ملاحظات حول «رأي البيع بالتقسيط»
الكاتب عطية السيد فياض
تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-2000
مشاهدات 61
نشر في العدد 1419
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 26-سبتمبر-2000
جاء في العدد "١٤١٤"، ۲۲- ۲۸ جمادي الأولى ١٤٢١هـ مقالًا للكاتب د. سعيد إسماعيل بعنوان: «رأي في مسالة البيع بالتقسيط»، وقد أشير للمقال على غلاف المجلة مما يوحي بأهميته.
وقد لاحظت عليه ملاحظات عدة أهمها ما يلي:
الملاحظة الأولى: صور الكاتب الكريم ربا النسيئة بأنه مثل «تسليف عين أو نقود بزيادة عند الاقتضاء والمثال المذكور هو لربا الفضل والنسيئة معًا، ويتحقق ربا النسيئة بتأخير قبض أحد البدلين المتماثلين ولو لم يكن تمت زيادة.
الملاحظة الثانية: ذكر الكاتب الكريم علة تحريم الربا بأنها منع الاستغلال بين الناس وتحقيق العدل، وحماية المحتاج، وهذا خطأ وقع فيه دون قصد، إذ ردد فيه ما يقوله أنصار إباحة ربا البنوك، فيعللون الربا بهذه العلة ثم يمنعون تحقق العلة في التعامل مع البنوك، فالمقرض هو الذي ذهب إلى البنك طواعية ولم يرغمه البنك على ذلك.
وما ذكره الأخ الكريم إنما هو حكمة تحريم "الربا" أما العلة التي لا تختلف باختلاف صور الربا إنما هي وجود زيادة في أحد البدلين المتماثلين أو تأخير قبض أحدهما، أو وجود الزيادة والتأخير معًا سواء وجد استغلال أم لم يوجد.
الملاحظة الثالثة: أفاض الأخ الكريم في ذكر طرق حساب الزيادة في ثمن السلعة المباعة بالتقسيط ويرد على ما ذكره ما يلي:
أولًا: اعتبر -حفظه الله- أن الزيادة في البيع بالتقسيط من باب تعويض البائع عن الجزء المؤجل من الثمن فيقول «فالزيادة مباحة لأنها تعويض عن الحق المنقوص مؤقتًا للبائع، وتحقق مقصود الشرع، إذ يمنع الاستغلال، ويسهم في تيسير معاش الناس، وتوفير الرَفَاهيَة لهم. وبعبارة أخرى فإن الزيادة ليست سلفًا ولكن تعويضًا ...».
ومسألة التعويض هذه واحدة من شبهات المبيحين لربا القرض؛ حيث يعتبرون أن الزيادة على القرض بمنزلة التعويض الذي لحق أصل الدين بسبب التضخم وارتفاع الأسعار، وتعطيل رأس المال وهذه حجة واهية مردود عليها، ويلزم من القول بها إباحة ما يسمى بفوائد التأخير وكان ينبغي للكاتب الكريم أن ينأى بنفسه عن تردید مبررات أنصار إباحة الربا.
ثانيًا: ما ينبغي أن يفرق فيمَا يدفعه المشتري في مسألتنا هذه بأن جزءًا مما يدفعه يعتبر ثمنًا وجزءًا آخر يعتبر تعويضًا، فمَا يلتزم به المشتري هو الثمن، ويجب أن يكون معينًا دفع الثمن تعيينًا نافيًا للجهالة بغير تردد، سواء مرة واحدة أو على أقساط شهرية أو سنوية. وجمهور الفقهاء المبيحين لزيادة الثمن مقابل تقسيطه أو تأجيله إنما قيدوا الإباحة بكون الثمن مجزومًا به، والأجل معلومًا، ولا يترتب على التأخير في دفع الأقسام المستحقة زيادة، وهي ما يسمونها بفوائد التأخير.
ثالثًا: ذكر الكاتب أن الزيادة المباحة أصلها تبيح ما يتبعها ولاسيما إذا كانت تحقق مقصود الشرع، وهذه العبارة على إطلاقها مردودة، فمَا يتبع الزيادة لا يحظى بالمشروعية لكون الزيادة نفسها مشروعة، ولكن ينظر إليها لمعرفة مدى مشروعيتها أيضًا، وإلا فالزيادة المجهولة غير مشروعة، وفرض غرامة أو زيادة في الأقساط عند تعذر الأداء غير مشروع وقد ذكر د. سعيد جملة من الأمثلة في النكاح والمناسك يبرهن بها على صحة قوله لا تفيده في دعواه.
رابعًا: ذكر الكاتب الكريم طرق التقسيط عند غير المسلمين والسؤال: ما الفائدة من ذكر هذه الطرق مع أنها نتاج المؤسسات الربوية التي يسيطر عليها يهود هل هي مشروعة من وجهة نظر الكاتب الكريم ويريد أن يسترشد بها المسلمون؟
أرى أن ما ذكره غير مشروع، ويظهر ذلك فيمَا ذكره في الرقم (۳) إذ يقول يتم توزيع إجمالي القيمة المتبقي من الثمن × النسبة × عدد السنوات على عدد الأشهر، فيكون القسط الشهري، لكن يعاد حساب النسبة على المتبقي بعد حسم الجزء المسدد من المبلغ المتبقي الأصلي سواء كان التسديد في وقته أو قبل وقته، وبهذا يتغير حجم الزيادة المطلوبة بعد كل قسط مسدد وإن كانت النسبة ثابتة».
فمسألة إعادة الحساب وتغيير حجم الزيادة المطلوبة بعد كل قسط مسدد كلها طرق غير مشروعة، فإن كان الكاتب الكريم يتفق معي فيمَا فهمته من كلامه، فلماذا ذكره وإن كان لا يتفق فقد كان من الأولى أن يوضح هذه الطريقة بمثال عملي حتى تستطيع الحكم عليه.
خامسًا: ذكر الكاتب طريقتين لاحتساب الزيادة في ثمن السلعة الأولى منهما وفيها يتم احتساب الزيادة على أساس قيمة الحال وهذه لم ترضه لأنها لا تحقق العدالة بين المشترين وتؤدي إلى التهاون في تسديد ما عليهم وغير ذلك من السلبيات، والثانية يتم احتساب الزيادة على أساس المبلغ المتبقي فقط، وقد استملحها عند الحديث عنها، ودفع ما ورد عليها من شبهة، ثم جاء في نهاية الحديث وطلب إعادة النظر فيها. وقال «لماذا لا نعيد النظر في الطريقة الشائعة ولا سيما في ظل الحقائق الثابتة في البندين خامسًا وسادسًا، وبعبارة أخرى لقد بنت المؤسسات الإسلامية حسابها للزيادة على المبلغ المتبقي بدلًا من القيمة الإجمالية بصفتها تعويضًا والسؤال هنا: ما تلك الطريقة الأخرى للثمن المستحَق الذي لم يتسلمه البائع بعد، فمَا الذي يمنعها من الطريقة الأخرى، وبهذا تكون قد أبرأت ذمتها من الاستغلال وأنصفت المشتري» التي يمتدحها الكاتب الكريم والتي أسر بها إلى أحد مُديري البنوك الإسلامية وما تلك القيمة الإجمالية التي يرغب في حساب الزيادة بناء عليها وهل تختلف عن قيمة الحال التي ذكرها وعابها؟
إن هذه تساؤلات حقيقية نرجو الإجابة عنها، وتوضيحًا بالأمثلة لهذه الطريقة لبيان مدى مشروعيتها، ولا يكتفي بأنه ما دامت الزيادة مشروعة فيشرع كلّما يتبعها. والله أعلم.
[1] الأستاذ المساعد بقسم الفقه المقارن جامعتا الأزهر والملك خالد (أبها).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل