العنوان مكيافيلية أمريكية تبارك سحق الشيشان
الكاتب محمود الكسواني
تاريخ النشر الثلاثاء 29-فبراير-2000
مشاهدات 92
نشر في العدد 1390
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 29-فبراير-2000
هناك قرائن عديدة تشير بوضوح إلى أن الحكومات الغربية بزعامة الولايات المتحدة، راضية تمامًا عما يقترفه الروس من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في الشيشان، وعلى أقل تقدير فإن الغرب ينأى بنفسه هذه المرة عن إبداء أي امتعاض مما يتعرض له شعب الشيشان من إبادة وأعمال وحشية.
واللافت للانتباه أن موقف الدول الغربية من حرب روسيا ضد الشيشان ما بين عامي ١٩٩٤م ١٩٩٦م يناقض موقفها من حرب روسيا الحالية التي بدأت في النصف الثاني من العام الماضي حتى الآن.
مواقف دولية متطابقة
وتكاد مواقف الدول الغربية من حرب الروس ضد الشيشان في الآونة الأخيرة، تتطابق تماماً في موقفي كل من الصين والهند وكذلك تركيا والعراق مع أن هذه الدول متناقضة السياسات والتوجهات، فجميع هذه الدول على ألسنة ساستها ووزراء خارجيتها أعلنت ومازالت تعلن أن ما يجري في الشيشان شأن داخلي فالصين والهند وتركيا دول متعددة الإثنيات والأعراق والمعتقدات بمعنى أنها دول حاملة للإفرازات الثورية والنزعات الاستقلالية التي تهدد وحدة أراضي كل منها، أما العراق فقد ألقى بمأساة شعب الشيشان وراء ظهره على لسان وزير خارجيته طارق عزيز أثناء زيارته لموسكو في سبيل الحصول على موقف روسي مساند له في مجلس الأمن، وهذا ما حصل بالفعل حين امتنعت روسيا عن التصويت على مشروع قرار يطالب العراق بتسهيل عودة مفتشي أسلحة الدمار الشامل في العراق وهذا لعمري انتهازية ما بعدها انتهازية، حين تكون السياسات الخارجية بين دولتين على حساب شعب بسيط أصيل مسلم مثل شعب الشيشان.
مكيافيلية أمريكية وصمت غربي
إحدى هذه القرائن التي توضح أن أمريكا غير مكترثة لحقوق الإنسان في الشيشان هي الأنباء التي تنقل مجريات الأحداث في الشيشان فهي أنباء روسية أو نقل حرفي للإعلام الروسي وهو إعلام مسموم مسيّس لا يحمل إلا حقائق مشوهة، مع أن الأقمار الصناعية الأمريكية قادرة على نقل الصورة الحقيقية لمجربات الحرب وقرينة أخرى ظهرت في مؤتمر منظمة الأمن والتعاون الأوروبي المنعقد في اسطنبول في ١٨-۱۹۹۹/۱۱/۱۹م، فقد رفض الرئيس الروسي السابق يلتسين أن يصرح بأي كلام يشير إلى مسألة الشيشان على اعتبار أنها مسألة داخلية روسية، وهذا ما حدث بالفعل، بل إن يلتسين من خلال كلمته أمام المجتمعين انتقد وتوعد وتحدى المجتمعين من التعرض لسياسته بأي انتقاد وقرينة ثالثة تتمثل في استمرار صندوق النقد الدولي الذي تهيمن عليه أمريكا بتقديم الدعم المادي لحكومة يلتسين، رغم انتهاكاته لحقوق الإنسان في الشيشان نحن هنا أمام مكيافيلية أمريكية نفعية أفرزها المبدأ الرأسمالي الذي لا يكترث بحقوق الإنسان، إلا بمقدار ما يحقق له هذا الشعار الزائف من مصالح ومنافع، وما يؤكد هذه النظرة المكيافيلية لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية هو المقارنة بين موقف أمريكا وحلف الناتو من حرب الصرب ضد ألبان كوسوفا، فإقليم كوسوفا خاضع وفق الأعراف الدولية على الأقل، لدولة اتحادية عضو في الأمم المتحدة هي يوغسلافيا، وقد توهم البعض أن أمريكا حين تدخلت في تلك الحرب كان هدفها بالفعل حقوق الإنسان، والسؤال المطروح على هؤلاء المخدوعين بسياسة العم سام لماذا لا تتدخل أمريكا أو حلف الناتو لإيقاف انتهاكات حقوق الإنسان في الشيشان، فهؤلاء بشر كهؤلاء والقوميتان الألبانية في كوسوفا والشيشانية تعيشان في نطاق دولتين اتحاديتين، فما معنى أن تتبنى أمريكا حقوق الإنسان في كوسوفا وتتهرب منها في الشيشان مع أن التنكر لحقوق الإنسان في الشيشان من قبل الأمريكيين ليس له ما يبرره وخاصة أن روسيا ملتزمة بمعاهدة سلام مع شعب الشيشان وقعها الجنرال الروسي ألكسندر ليبيد في 31/8/1996م وصادق عليها الرئيس الروسي يلتسين في 12/5/1997م تنص فيما تضمنته من نصوص على إجراء استفتاء شعبي في الشيشان في ۲۰۰۱/۱۲/۲۱م لتقرير مصير الاستقلال وصارت الشيشان بتلك المعاهدة تنصرف كأنها دولة مستقلة فعلًا بعد انسحاب الروس منها، أليست هذه المعاهدة تبرر لحلف الناتو بزعامة أمريكا أن تتدخل في حرب تكاد تسحق شعبًا بأكمله؟.
بهذا الشأن، لا يمكن لأي تحليل سياسي أن يلتمس الإجابة من خلال تصريحات سياسية يراد منها استهلاك الرأي العام، فالمسألة بالنسبة لأمريكا مسألة مصلحة وليس حقوق إنسان كما يطبل ويصفق حلفاء أمريكا، تمامًا كما هو موقف الصين والهند، موقف مصلحي أناني لا تراجع عنه.
والمصلحة الوحيدة التي تقدمها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية هي المصلحة المادية فلا يوجد عند أمريكا شيء اسمه قيم أخلاقية وحقوق إنسانية، فكل هذه شعارات فارغة وكلمات رنانة.