العنوان مكمن الأسرار في مواقيت المكان والزمان
الكاتب د. عادل شلبي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-2000
مشاهدات 78
نشر في العدد 1392
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 14-مارس-2000
حذار أيها الحجاج من تنمية مشاعر الحزبية والقطرية بينكم خلال الحج
عجيب ذلك الركن الخامس وعجيبة مناسكه، إنه يحتاج إلى وقفة للتأمل، بل لوقفات وتأملات، ففي كل حركة، وسكنة درس وعبرة فللحجارة مثلًا فيه مغزى لم يعرف بعد، ولم يصل إلى مدلولاتها حتى اليوم أحد، وستبقى سرًا ومجالًا للبحث حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
إن الطواف حول حجر، ونشير إلى حجر، ونتزاحم لنقبل حجرًا، هنا نطوف، وهنا نقبل، وهناك تتعلق، ثم نعلن أنها ليست وثنية، فنصلي ركعتين، نقرأ في أولاهما بآياته -تعالى-: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (سورة الكافرون: 1-2) فنحن لا نعبد حجرًا ولا وثنًا، ثم نقرأ في الركعة الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (سورة الإخلاص: 1).
إعلان صريح وواضح بأن الوحدانية لله وحده، والصمدية له وحده، ثم بعد ذلك نقذف حجرًا بحجر، نجمع حجرًا من مكان معين لنقذف به حجرًا آخر في مكان آخر، فحجر نكن له كل الحب والشوق برغم بعد المسافات، وحجر نبغضه لا شعوريًا، وحجر ممتهن لا حبًا ولا كرهًا، فهل هي إلماحة للمسلمين أن اتركوا حجارات الأرض، ولا تفكروا فيها فلا تؤلهوها ولا تؤولوها والجئوا إلى خالق الحجارة، وخالق البشر أجمعين، أم هي إشارة إلى عينات من الأرض، وبقاعها؟ فكما أن للحجارة درجات، فللبقاع فيها درجات، فبقاع مقدسة ومحترمة مبارك من فيها، مرحوم ومحفوظ ساكنوها، وأماكن ملعونة وملعون ساكنوها ومريدوها، وأماكن أخرى لا إلى هذا ولا إلى ذاك؟ أم أنها إشارة إلى أهمية الحجر، وما سيكون له من شأن في نصرة المجاهدين، ومقاومة اليهود، والدفاع عن أرض فلسطين؟
أما المواقيت المكانية وارتباطها بالمواقيت الزمانية فهي شيء غير مسبوق ولا ملحوق، فلا بد من أن تقضي نهار كذا في مكان كذا، وتبيت ليلة كذا في مكان كذا، وأن تصل إلى هذا المكان بعد طلوع الشمس، وتترك ذاك المكان قبل طلوعها، والمكان الذي كان يجب أن تبيت فيه ولو جزءًا من الليل، بالأمس أصبح اليوم محظورًا أن يدركك فيه الليل، أما الأفعال فهي مكمن الأسرار بين الخالق ومخلوقه.
فاليوم لا رفث، ولا فسوق، ولا جدال، ولا حلق، ولا تقليم للأظفار، وغدًا يجوز الحلق إلا من كان به أذى من رأسه، أو التقصير، ومباح أيضًا خلع ملابس الإحرام، وتقليم الأظفار والتطيب، ثم بعد ذلك يجوز الرفث إلى النساء.
يهرول الملايين في الوقت المحدد من المكان المحدد، لابسين لباسًا موحدًا يرددون قولًا محددًا، تلبية وطاعة بلا جدال بعد، ولا نقاش ولا لماذا هذا؟ ولماذا ذاك؟ ولماذا الآن بالذات؟ ثم ذلك يترك المكان الذي لم يكن فيه موضع القدم، يترك خاويًا خربًا كأن لم يغن بالأمس، يترك مهجورًا طيلة العام إلا من «عابري سبيل»، وهو الذي قد زين بأبهى الحلل من أجل يوم أو من أجل ليلة، فالكل يجري ويهرول، لا أحد ينظر خلفه، ولا أحد ينظر أمامه، الكل ينظر إلى موقعه، وساعته الآن مشغولًا بما يجب، وما لا يجب أن يفعل.
ملايين الرجال والشباب الفتيان ذوي القوة والفتوة، وملايين النساء والولدان والضعفاء والمرضى الكل يهرول، الكل يلبي، ويتضرع، الكل ينفذ الأمر، أي قوة هذه التي تقودهم؟ وأي سلطان هذا الذي يحبونه ويخافون عقابه؟ فلنتخيل أعظم قوة في العالم، وأقوى نفوذ في العالم، هل يستطيع أن يحرك هذه الملايين في سويعات قليلة رغبة وحبًا؟ رغبة ورهبة، برغم المشقة والمعاناة الشديدة إذا ما قورنت بحياتنا اليومية، فالكل يعاني السيد والعبد، الأمير والفقير، راكبو الطائرات وراكبو الحمير، الكل يعاني الإجهاد والتعب، والكل يستوي عند هذه المناسك.
حتى المشاعر النفسية غريبة في هذه الأثناء؛ فهي خليط من الرهبة والرغبة، من شدة الألم والإجهاد المضني مع شدة الفرحة بعظمة الإنجاز والقربي إلى الله، خليط من الخوف من العذاب والرجاء في القبول والمعرفة، فالناس شعث غبر لكنهم سعداء مستبشرون، متورمة أقدامهم، لكنهم فخورون، يئنون من الآلام والإجهاد، لكنهم فرحون، فدائمًا يراود أذهانهم الأمل من الله تعالى في «قد غفرت لكم».
ووسط هذه الهرولة والتلبية وأثناء فترات الهدوء التي تتخلل هذه الجهد الجهيد- يخلو الإنسان مع نفسه فيسبح في متاهات الأفكار والتخيلات؛ لينظر إلى هذه الملايين المرهقة والمتعبة، القادمة من كل حدب وصوب بألوان شتى، وألسنة شتى، وعادات ومفاهيم شتى، ينفذون افعل ولا تفعل بهذه الدقة والحماسة المنقطعة النظير، فلماذا لا يسمعون صوتهم هذا كل الدنيا؟ لماذا لا يجبرون العالم على احترامهم، والإذعان لهم؟ إن تجمعهم هذا وجنديتهم هذه جديرة بأن ترهب عدو الله وعدوهم، وأن يعلو صوتهم فوق كل الأصوات؛ لأنه صوت الحق والعدل، بل وأن يخضع لهم العالم بأسره، فلماذا؟ لماذا حالهم هذا الذي لا يخفى على إنسان ضعفًا وخورًا، فرقة وتمزقًا؟ حتى أصبحوا مرتعًا خصبًا لكل من أراد أن يرتع، وهدفًا ثابتًا لكل من أراد أن يتعلم الرماية وفنون القتل والتعذيب.
يتمزق القلب حسرة وألمًا، ويقطر الدمع من العين دمًا على هذه الفلول، آحادًا تائهين أو جماعات متفرقين، ليسوا على قلب رجل واحد إلا من رحم الله، يجول الذهن في جولته هذه فيتذكر بكل الحسرة والألم بعض التصرفات الجاهلية التي تدل على أن التمسك بأخوة القطرية، والجنسية، ولون جواز السفر عند الغالبية العظمى أقوى بكثير من تمسكهم بأخوة الدين والعقيدة، بل وداخل القطر الواحد، فإن الانتماء للقبيلة والعشيرة أقوى من أي انتماء آخر، فالويل كل الويل لك إن حاولت الجلوس بين أبناء جنسية أخرى أو حاولت الصلاة أو الطواف بينهم، فقد يركلك هذا، أو يبعدك ذاك، أو على الأقل - يرمقك هذا بنظرة كأنك دخيل طفيلي، فحب المنهج، وحب معتنقيه، وعزة الإسلام، وعالميته مغيبة عن الأذهان، وبدلًا منها نميت وغزيت عزة الجنسية، والقطرية والحزبية.
يشتعل القلب غيرة على الإسلام، ويزأر في عرينه، يريد أن يفعل شيئًا، لكنه سرعان ما يهدأ في قفصه الصدري؛ لأن ومضات من العقل قد تقول له: إن هذا الوضع الذي نعيش فيه هو ما حذر منه النبي -صلي الله عليه وسلم- عندما سئل، أو من قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يرفع عنا هذه «الغثائية» وأن نتخلص من أسبابها،
وهي حب الدنيا وكراهية الموت، كما أخبر بها رسول الله صلي الله عليه وسلم.