; مكانة الشرق من خلال القاموس الفلسفي لفولتير | مجلة المجتمع

العنوان مكانة الشرق من خلال القاموس الفلسفي لفولتير

الكاتب علاوة عمارة

تاريخ النشر السبت 26-مارس-2005

مشاهدات 70

نشر في العدد 1644

نشر في الصفحة 40

السبت 26-مارس-2005

ينفى فولتير مساهمة الحضارة الإسلامية في تقدم الحضارة الإنسانية.. وحين أشار إلى دور المدرسة العربية في الدورة الحضارية الثانية.. اعتبر العرب مجرد ناقلين لعلوم اليونان.

عبر فولتير عن الشعور بالانتماء الأوروبي بعدة معان.. فأوروبا المتناحرة كانت متضامنة ضد الخلافة العثمانية.

... وزعم باطلًا. أن وجود النبي محمد غير ضروري للبشرية لأن العالم وجد قبل بعثته.. كما سخر من القرآن... فلماذا يمجده بعض المسلمين؟!.

 منذ زمن بعيد بدأ اهتمام الغرب بشعوب وديانات الشرق في سبيل تنصير واحتلال بلدان مختلفة عنه ثقافياً وعقائدياً، وارتأيت هنا تقديم عرض سريع القراءتي الخاصة لأحد أهم المؤلفات الفرنسية الكلاسيكية في هذا المحور. مساهمة متواضعة لتوضيح بعض التساؤلات المطروحة حول بناء المنظومة الفكرية الغربية المتميزة بالاستعلاء والمركزية ونظرتها إلى بقية شعوب العالم. يعتبر القاموس الفلسفي لفولتير من أهم اللبنات الأولى في صنع هذه المنظومة

وإعطاء صورة عن الشرق عموما والعالم الإسلامي على وجه الخصوص. فولتير والقاموس الفلسفي يعتبر فولتير Voltaire واسمه الحقيقي فرانسوا ماري أوري François Marie Arouct من أبرز مفكري عهد التنوير الفرنسي بل والأوروبي، وهو من مواليد مدينة باريس سنة ١١٠٥ هـ / ١٦٩٤م، على عهد الملك لويس الرابع عشر الملقب بالملك الشمس أشهر ملوك فرنسا بعد تخرجه في مدرسة اليسوعيين سنة ١١١٥هـ / ١٧٠٤م التحق فولتير بالسلك الإداري وعمل سكرتيراً لسفير فرنسا بلاهاي سنة ١١٢٥ هـ / ١٧١٣م، لكن بموت لويس ١٤ تم اعتقاله وإبداعه السجن بحصن الباستيل عام ۱۲٢٩ هـ - ۱۷۱۷م ليقضي به مدة سنتين. بعد خروجه منه تفرغ لكتابة الروايات والقصص والتاريخ والفلسفة، وكتب عدة كتب نالت شهرة كبيرة، بسبب محاربتها بطريقة هزلية للجناح المتشدد في الكنيسة الكاثوليكية، فقد نشر قصة أوديب (۱۷۱۸م) والهنرية (۱۷۲۳م) وتاريخ شارل الثاني عشر (۱۷۳۱م)، وتراجيدية زائير (١٧٣٤م). بعد هذه الكتابات اختير فولتير عضواً في الأكاديمية الفرنسية سنة ١١٥٩ هـ - ١٧٤٦م لينشر بعدها كتاب قرن لويس الرابع عشر ( ١٧٥١م) ثم تبعه بمحاولة لدراسة تقاليد وروح القوميات (١٧٥٦م)، وكتب كتيباً حول التسامح (١٧٦٣م)، وقام ما بين سنتي ١١٧٧هـ . ١٧٦٤م و ۱۱۷۹ هـ - ١٧٦٦ م بنشر قاموسه الفلسفي، وهو الذي أحاول دراسته هنا بحول الله، وتوفي في سنة ۱۱٩٢ هـ . ۱۷۷۸م ونقل رفاته سنة ١٢٠٥ هـ . ١٧٩١م إلى مبنى البنثيون الذي وضعت به رفات مشاهير الأمة الفرنسية.

-القاموس الفرنسي

نشر القاموس الفلسفي لأول مرة سنة ١١٧٧هـ . ١٧٦٤م بجنيف باسم «القاموس الفلسفي المحمول»، ثم أعيد نشره من طرف مؤلفه عدة مرات مع بعض الإضافات والتنقيحات كان آخرها في سنة ۱۱۸۳ هـ . ۱۷۷۰م، وفيه قام فولتير بتمحيص أمهات كتب الفكر الأوروبي في زمنه بل ونقل أحياناً مقالات كاملة المفكرين أوروبيين معاصرين له، ولهذا فإن القاموس يصور لنا ما آل إليه الفكر الأوروبي في زمن أولى الحملات الاستعمارية الصليبية الحديثة. وأشار المؤلف إلى أن هذا القاموس موجه للفلاسفة، لا للجمهور العريض الذي قال عنه إنه لا يقرأ نظراً لاشتغاله ستة أيام في الأسبوع، وذهابه في اليوم السابع للمراقص، فالكتاب إذن كان بمثابةمرجعية فكرية للمنظومة الثقافية الغربية.

-الشرق الأوسط مهد العالم

تجسدت في زمن فولتير التقسيمات الجغرافية للقارات آسيا، وإفريقيا وأوروبا والعالم الجديد وأمريكا كذلك قام فولتير بالإشارة إلى مختلف المناطق والقوميات الكبرى کشبه جزيرة العرب ومصر وسورية، وفارس والهند في القاموس الفلسفي تم التركيز على العالم القديم على اعتبار أنه مهد الديانات السماوية. هذا العالم القديم حدده المؤلف بالأراضي الواقعة ما بين النيل والفرات، اعتماداً على الروايات اليهودية، وأضاف لهذا العالم بلاد العرب السعيدة Arabic Heureus وقاعدتها عدن. هذا العالم القديم تم التطرق إليه من زاوية إعطاء صورة ممهدة لوصول المسيح، من خلال التطرق التاريخ أمم الفرس وبابل والفينيقيين والفراعنة الذين سخر منهم فولتير بينائهم أهرامات لا هدف من ورائها إلا استعباد البشر. وبالرغم من نقض فولتير لبعض قصص التوراة، فإنه اعتمدها مراراً للحديث عن تاريخ الإسرائيليين، وإبراهيم. عليه السلام مع محاولة التعرض لها بالنقد وإخضاعها للمعطيات التاريخية

حظيت كل من قبيلة اليهود وديانة النصارى برعاية خاصة في القاموس، ومن القضايا الرئيسة التي أشار إليها مسألة غياب كل أثر للمسيح - عليه السلام. في كتاب المؤرخ اليهودي يوسف Josephe بالرغم من أنه كان معاصراً لبعثته. عليه السلام لينتقل بعدها المؤلف إلى تتبع تفرق الحواريين وانتقالهم إلى عدة مدن كالإسكندرية وروما والقسطنطينية، مما سمح بانتشار المسيحية بحوض البحر المتوسط.

-من الشرق إلى الغرب نشأة المركزية الأوروبية

أصبحت المسيحية الديانة الرسمية لأوروبا المتوسطية في القرن الرابع الميلادي على عهد الإمبراطور الروماني قسطنطين الأكبر. لكن من الخطأ الاعتقاد بأن جميع الشعوب الأوروبية قد اعتنقت هذه الديانة خلال الفترة الرومانية، لأن الشعوب الجرمانية والأنجلوسكسونية لم تعتنقها إلا في فترات متأخرة تأخرت حتى القرن الحادي عشر الميلادي في القاموس الفلسفي عبر فولتير عن الشعور بالانتماء الأوروبي بعدة معان منها Notre Occident وغرينا Notre Europe أوروبيتنا وعندنا Chez nous ولا يعني هذا أن أوروبا التي يقدمها فولتير كانت موحدة، بل كانت متناحرة ومتضامنة في الوقت نفسه ضد الخلافة العثمانية، أوروبا الغربية هي الممزقة دينياً وفكرياً بين أتباع توماس الأكويني وأتباع بونفونتير، وبين اتباع كالفن وأنصار لوثر وبين أتباع القس البلجيكي جونسنيوس ومولينا. إنها أوروبا التحولات الكبرى أوروبا القمع الفكري ضد من يعارض الجناح اليسوعي في الكنيسة، وعلى الخصوص ضد أتباع جونستيوس المرابطون بالميناء الملكي Port Royal قرب باريس، وهي كذلك أوروبا التي تم فيها تصفية الكثير من البروتستانت في ظل الأنظمة الملكية وأوائل الأنظمة الجمهورية.عاش فولتير في فترة انتشار الثقافة والأساطير اليونانية على الخصوص في الأوساط المقربة من أجهزة الحكم وحتى في الإقامات الملكية كما تجسده على الخصوص قصور وحدائق مدينة فرساي بالضاحية الباريسية عاش المؤلف فترة انتشار الأساطير اليونانية بأوروبا. وبالخصوص فرنسا أيام ملكها لويس الرابع عشر الذي حكم مدة ٧٢ سنة. ولهذا فإن أقدم كتاب يوناني وصل الغرب هو إلياذة هوميروس، ثم تبعته عدة مؤلفات الأفلاطون وأرسطو، وسقراط والمؤرخ هيرودوت، وعلى الرغم من اعتبار المؤلف أراضي سورية ومصر وفارس إلى جانب اليونان بلداناً للفلاسفة، فإن التركيز ما لبث أن استقر على عالم اليونان، ليلحقه الغرب بمنظومته الفكرية، كوحيدة ومركزية في العالم. أعطى فولتير دورتين حضاريتين لانتقال العلوم منذ القدم إلى أوروبا الغربية في الدورة الأولى احتكر فيها انتقال العلوم على ثلاثة أطراف اليونانيون -الفلاسفة اليهود. القديسون المسيحيون، نافياً بذلك مساهمة الحضارة الإسلامية في تقدم الحضارة الإنسانية على الرغم من إشارته للفيلسوف المسلم ابن رشد باسمه اللاتيني Averroes كأحد المتأثرين بفكر أفلاطون في الدورة الحضارية الثانية أقحم فولتير المدرسة العربية كمساهمة في انتقال معارف اليونان ووصولها إلى جامعة السوريون لكن تلاحظ هنا أن المكانة الممنوحة للعرب لم تتجاوز جانب نقل علوم اليونان، فليست هناك حضارة إسلامية، إنما هي تقليد للفكر اليوناني هذه النظرة تم اعتمادها في الدراسات الاستشراقية الكلاسيكية ليتم تشكيل أحكاممسبقة عن حضارة الإسلام.

الوصول إلى الشرق

بعد تطرقه للحديث عن الشرق كمهد للمسيحية الغربية، انتقل فولتير للحديث عن الحملات الصليبية على بلاد الشام وعن الممالك التي أقامها حملة الصليب في فلسطين ولبنان حيث وصفهم باللصوص باغتصابهم الأرض ليست لهم ليطردوا منها بأبشع صورة في الشرق المعاصر الفولتير بقيت كنيسة المشرق بإذن من ولاة الحكم العثماني، لكنها لم تستطع تضليل المسلمين لاتباعها، ولهذا فإن كنيسة الغرب اتجهت لتخريب النسيج الاجتماعي لبلاد الهند والصين، وهذا ما آثار حفيظة فولتير وبعض مفكري الغرب مثل وولف Wolf أستاذ الرياضيات بجامعة هال بألمانيا الذي قدم محاضرة دافع فيها على الثقافة الصينية، وهذا ما أدى بالكنيسة إلى اتهامه بالإلحاد وتهديده بالقتل إن لم يغادر ألمانيا. اعترف فولتير بالاختلاف الجسدي والثقافي بين الإنسان الغربي والإنسان الصيني الذي لا تفلح معه عملية التنصير. رغم هذا فإنه تم تنصير بعض الفئات الاجتماعية التي ما زالت آثارها حتى الآن، والمذهل هو دفاع فولتير عن هذا الشرق الوثني واستهزائه بالشرق الإسلامي، وهي النظرة التي رسمت أنذاك ومازالت مستمرة إلى عهدنا هذا عندما قام الغرب بتدعيم الهند الهندوسية ضد باكستان المسلمة، وهذا ما يقودني للحديث عن صورة العالم الإسلامي في القاموس الفلسفي في حقيقة الأمر، فإن فولتير كغيره من مفكري الغرب همش العالم الإسلامي، ولم يتطرق إليه إلا في مواضيع متفرقة بنظرة سلبية في غالبيتها. فعلى العكس من اليهودية التي خصها بعدة مواضع، لم يحظ الإسلام إلا بموضوعين حول المجد، والضروري للحديث عن وجهات نظر أقل ما يقال عنها بالمهزلة. يرجع فواتير العرب إلى أصل لصوصي حسب زعمه، فهو يرى في افتخار العرب بإبراهيم عليه السلام جهل بالواقع والتاريخ فالعرب هم إذن لصوص على غرار اليهود لكنهم كانوا أقوى من هؤلاء وقاموا بتأسيس إمبراطورية عظمى في آسيا وإفريقيا وجزء من أوروبا، بحجم إمبراطورية الرومان وهو يشك في انتماء العرب واليهود إلى أصل واحد أو أن إبراهيم -عليه السلام ارتحل من العراق إلى مكة، وجاهلاً بأثر الرسالة الإسلامية، تحدث فولتير عمن أسماهم بالمحمديين أو الديانة المحمدية، ففي ركن الضروري، نقل قصة حوارية بين شخصين مسلمين سليم وعثمان، حيث يقدم سليم منتصراً في حواره مع الثاني بعدما أدرك. حسب المؤلف -الحقيقة التي تجعل من محمد ﷺ غير ضروري للبشرية «حسب كذبه وتطاوله». لأن العالم وجد كما وجدت البشرية قبل مبعثه، إذن لا النبي، ولا القرآن، ولا الإسلام ضروريون للبشرية. بل إن منظر التنوير الفرنسي «أخزاه الله» يسخر من القرآن ويصفه بالحماقة، وأنه من تصنيف مؤلف عربي اسمه محمد، بالرغم من أنه لم يقرأه ولو مرة في حياته، ويسخر فولتير كذلك من المسلمين ويصفهم بالأغبياء الذين اعتقدوا بصعود محمد إلى السماوات. كما تساءل كيف أن الإنسان العربي عالم الحساب والفيزياء والفلك يؤمن بأن الرسول وضع القمر على ذراعه وهذا فهم خاطئ العبارة الرسول الكريم لإثبات تمسكه بالدعوة إزاء الإغراءات القرشية حين قال: «والله لو وضعوا القمر في يميني والشمس في يساري». والغريب في معتقد فولتير هو تفسيره الإيمان المسلم بالخوف من السقوط في حفرة بعد المرور على جسر مؤد إلى منطقة جميلة يقصد الصراط والنار والجنة. يرجع فولتير سبب سقوط حضارات آسيا القديمة إلى قيام الصعاليك والمتشردين العرب بتكوين دولة وديانة أزاحت كل شيء من طريقها. لكن المؤلف يتناقض أحياناً، ربما بسبب نقله الحرفي أحياناً من كتب ليست له، فهو يدم الشعب الأوروبي ويصفه بالبرودة، ويمدح صداقة العرب واليونان وحكاياتهم الجميلة. وهو يسخر من مدح الأوروبيين القدماء المصريين، لأنه يرى أن الشعب المصري شعب حقير، خضع للأشوريين والفرس واليونان والرومان والعرب والمماليك والأتراك في النهاية، لكن هذا الشعب المصري صمد وأعطى درساً للصليبيين الفرنسيين الذين ظنوا أن المماليك والشعب المصري كانوا أغبياء. حاول فولتير الانتقاص من هذا الشعب الذي أسر ملك فرنسا لويس التاسع المشهور بتحمسه للصليب، مما جعل البابا يقلده مرتبة القديس وهو الملك الفرنسي الوحيد الذي نال هذا التقدير الكنسي بارتكابه للمجازر ضد المسلمين. العرب كذلك هم ذلك الشعب المختن مثل الشعب اليهودي الذين ورثوه عن قدماء المصريين وهو ذلك الشعب الضعيف الذي خرج من بلاد العرب السعيدة مع نشأة الديانة المحمدية لينجب فلاسفة على غرار فلاسفة اليهود. لكنه لم يعط الماضي العربي نفس الاهتمام كما هو الحال لتراث قدامى الفرس البابليين واليونانيين واليهود وكما هو الحال الآن، ركز فولتير على الاختلافات الموجودة بين الأوروبي المسيحي والإنسان المسلم كتعدد الزوجات الفرق بين الديانات الديانة الطبيعية في فكر صاحب القاموس الفلسفي تتميز بمنعها المواطنين ، مراراً . من ارتكاب الجرائم وفي مقابلها الديانة المصطنعة التي تشجع كل الأحقاد والعنف والسرقة، وبما أن الديانة الإسلامية هي ديانة لصوص في زعمه، فهي إذن مصطنعة. هذه الفكرة كانت ومازالت منتشرة في أعماق الفكر الأوروبي، وقد ظهرت إلى العيان بعد أحداث ١١ سبتمبر وما تبعها من إرشاد المواطن الغربي إلى تصفح كتب أقل ما يقال عنها أنها زندقية المعرفة حقيقة الإسلام مثل كتاب لماذا أنا غير مسلم ؟. لم يدر فولتير أنه جاهل بحضارة الإسلام، بل يذهب أكثر من هذا عندما يصف المسلمين بالجهلاء لأنهم أطلقوا اسم الوثنيين على المسيحيين في اليونان وآسيا الصغرى وسورية لاعتقادهم حسب زعمه أنهم يظنون أن حملة الصليب كانوا يعبدون التماثيل الموجودة في الكنائس، ولهذا قاموا بتحطيمها دون العلم بأنها لا تعبد، وإنما هي تمثل القديسين الذين يتوسطون بين المؤمن والرب لقد جهل فولتير وجهل معه الغرب فالإسلام هو الدين الوحيد الذي أعطى لغيره من أهل الديانات السماوية وجوداً قانونياً في المجتمع الإسلامي، وما تعبير أهل الكتاب إلا أصدق مثال عن تعامل المسلمين مع غيرهم.

الإسلام في الغرب المأساة

تحدث فولتير عن جرائم الإرهاب المسيحي ضد المسلمين المورسيكيين بالأندلس، فقد قام  البابا بونيفاس التاسع في بداية القرن الخامس عشر الميلادي بتفويض عصابات الكنسيين النشطين بالذهاب إلى البرتغال وتفتيش كل المدن والقرى بحثاً عن الوثنيين المسلمين واليهود. وقاموا بإحراقهم على نحو ما فعلوا في المقاطعات الإسبانية، خصوصاً في قشتيلية وأراجون ليتم بعدها تنصيب محاكم الإجرام ضد الإنسانية عام ٩٤٥ هـ . ١٥٣٩م، وكان من بين نتائجها مقتل عدد لا يحصى من أهل التوحيد ومنهم من لجأ إلى ديار الإسلام، وهناك حتى من نصر بالقوة في زمن ادعت فيه أوروبا التنوير، ومن أمثلة من بقي من المسلمين المورسيكيين تحت رحمة الإرهاب الكنسي رجل تحدث عنه فولتير : أنه أحمد بن قاسم الأندلسي المقيم بغرناطة الذي اكتشف قرب مدينته عدة مخطوطات عربية، نقلت فيما بعد إلى قصر البابا بروما، وإلى زمن فولتير لم يبق أثر بشري لحملة الثقافة العربية إلا طائفة من المستعربين النصارى، وبهذا انتهت حضارة الإسلام من منطقة ازدهرت في ظل الإسلام وألحقت قهراً بالغرب الصليبي

-الشرق التركي نموذج للغرب

هذا العنوان الفرعي قد يفاجئ من جعل لنفسه، بل لدولته الغرب كنموذج لبناء الدولة العلمانية. فقد عاش فولتير في زمن الخلافة العثمانية بالمشرق والحروب التي وقعت بين الباب العالي والقوى المسيحية بأوروبا الشرقية وحوض البحر المتوسط، وهو ما جعل الأتراك يحظون بعناية قوية في القاموس الفلسفي. وقد حدد فولتير ثلاث شخصيات كأعظم الملوك في عصره: ملك المغول، والسلطان التركي، وملك فرنسا لويس الرابع عشر، وحظي النموذج التركي التعامل السلطان مع الدين بإعجاب فولتير وفضله على النموذج الغربي الفرنسي رغم تقديره لعهد لويس الرابع عشر. يقول فولتير بعد انتقاده لقيام الكنيسة بإصدار صكوك الحرمان والفصل عن الدين ضد الملوك المسيحيين الذين لا يتبعون قراراتها : «الأتراك حكماء في هذا الجانب، أنهم يقومون بأداء الرحلة إلى مكة، لكنهم لا يسمحون الشريف مكة بإصدار صك حرمان ضد السلطان إنهم لا يذهبون إلى مكة لطلب السماح بصيام رمضان، أو بزواج بنات عماتهم، أو حفيداتهم. إنهم غير محكوم عليهم من طرف الأئمة الذين عينهم شريف مكة، ولا يدفعون مداخيل سنتهم الأخيرة، قبل الحج إلى شريفها ليس هناك ما يقال أكثر من هذه الأشياء؟» هذا ليس قولي، وإنما هي ترجمة حرفية لما كتبه فولتير ليعلم الإنسان الغربي أن السلطة المطلقة للكنيسة يمكن الاستغناء عنها، لأنها تحدد الحريات وتستعبد الناس، في حين أن الإسلام يعطي مفهوماً آخر متميزاً بالتوازن بين السلطة السياسية والمرجعية الدينية. ويعطي فولتير مثالاً آخر عن التسامح الذي يتمتع به المجتمع الإسلامي في العهد التركي انظروا إلى السلطان التركي، إنه يحكم المجوس والمسيحيين اليونان، والنسطوريين، والرومانيين والذي يحاول إحداث الفوضى يتم تأديبه، وبهذه الكيفية كل الناس يعيشون في أمان، وبالرغم من مسيحية المؤلف التي يقول إنها هي التي قد تكون الأكثر تسامحاً بين جميع الديانات، فإنه يعترف بأن المسيحيين كانوا الأكثر تطرفاً وتشدداً من بين جميع الشعوب. لقد تفاجأ فولتير من تعايش كل الديانات في السلطنة العثمانية، وهذا ما أدى به إلى انتقاد الكنيسة والتنديد بالمجازر التي ارتكبتها في الأندلس والأمريكيتين باسم التنصير فالإسلام كان مرة أخرى قدوة ونموذجاً لمفكري الغرب في تجريد الكنيسة من سلطاتها ونفوذها على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

-نحو العودة إلى الشرق: أرض الميعاد

أظهر فولتير موقف المفكر العقلاني إزاء تزايد الادعاءات اليهودية عن الدور الحقيقي الذي لعبه بنو إسرائيل في تاريخ الإنسانية وأخذت المسألة اليهودية حيزاً مهماً من محتوى القاموس ليقوم الفيلسوف الفرنسي بالرد على تزايد النفوذ اليهودي في أوروبا آنذاك، وهي الانتقادات التي لا يمكن اليوم كتابتها في أوروبا التي سيطر عليها اللوبي اليهودي، والتي تجعل من كاتبها يحاكم بتهمة معاداة السامية، أعود الفولتير الأفول: إنه تحدث عن كل ما يخص تاريخ أهداف وادعاءات الطائفة اليهودية. في بداية القاموس يستعجب من تقديس اليهود لتاريخهم لادعائهم أن الله هو كاتبه وحافظه، ولدراسة هذا التاريخ بموضوعية، اطلع فولتير على أمهات كتب التاريخ اليهودي المترجمة إلى اللغات الأوروبية، على عکس كتب التاريخ الإسلامي التي لا يعرفها، فقرأ کتاب تاريخ ملوك اليهود الذي ألفه يوسف الذي كان معاصراً لعيسى - عليه السلام  وكتب المؤلفين يهود عاشوا في القرن الثاني عشر الميلادي أمثال التلمودي سليمان جارشي Salomon Jarchi وكيمشي Rabbin Kimechi ويعترف فولتير بما وصل إليه اليهود في أوروبا بإنتاجهم الفكري ومؤسساتهم التجارية. واعتبرهم أسياداً وأعداء للأوروبيين، ونظر إليهم على أنهم هم الذين عملوا كل شيء في هذا العالم ويرى فولتير أن الأمة اليهودية هي في الحقيقة أمة مستحدثة استقرت في فينيقيا في وقت متأخر بعدما غادرت محيط بابل، لتحتك بالشعوب القديمة وتأخذ لغتهم وتسمت بيني إسرائيل بعد انتقاده للرؤية اليهودية للكون والتاريخ، حلل فولتير ما روج له اليهود من قول نسب إلى الله تعالى: الرب قال لإبراهيم سأعطي لك كل البلاد من نهر مصر إلى الفرات هذا الترويج ما هو في حقيقة الأمر إلا حملة منظمة قامت بها أطراف يهودية لنشر فكرة إقامة وطن يهودي في الأراضي الواقعة ما بين الفرات والنيل، وهو ما عبر عنه بأرض الميعاد، وقد تفطن فولتير المزاعم الحركة الصهيونية الناشئة في عهده ورد عليهم أصدقائي، لم تكن لديكم أبداً هذه المناطق الخصية من الفرات إلى النيل لقد سخر منكم أصحاب النيل والفرات. كانوا أسيادكم، لقد كنتم تقريباً دائما عبيد.. وينقل عن البارون بروكان مازحاً بالأطماع اليهودية: لو أن السلطان التركي منح لي عمالة القدس لما أخذتها.. نظراً لنقص خصوبة أراضيها مقارنة مع سهول فرنسا لقد عمل اليهود على نشر أفكارهم في أوروبا المسيحية، بأنهم شعب الله المختار الذي لا يد له من الرجوع إلى أرض الميعاد، وهم الشعب الذي علم اليونان المنطق والحكمة، والشعب الذي له تاريخ مقدس، ولكن نسي اليهود أنهم الشعب الذي رأى في صلاح الدين الأيوبي المسيح الذي حرر اليهود بتحريره لبيت المقدس من براثن الصليبية، وهم كذلك الشعب الذي ادعى بعض اتباعه أنهم المسيح العائد لتحرير الأرض على عهد السلاطين العثمانيين كما نقل ذلك فولتير. وفي الختام، فإن قراءة القاموس الفلسفي الأحد أبرز الشخصيات الفكرية لأوروبا في العصر المسمى بالتنوير أوحت لنا أن صورة الشرق الإسلامي رسمت في الفكر المركزي الأوروبي منذ أزيد من قرنين، فكر متميز بالمركزية المطلقة في جميع متطلبات الحياة، وهو كذلك فكر يتميز بالاستعلاء وتهميش الغير، وينكر ما قدمته الحضارة الإسلامية للإنسانية، ويعتبر التراث اليوناني والقانون الروماني أهم ما قدم للإنسان. وفي خضم هذا التبلور الفكري الذي كان اليهود من المساهمين فيه تم التوصل إلى مصالحة يهودية. نصرانية على الرغم من معارضة بعض المفكرين لاحتلال العالم الإسلامي وبناء وطن يهودي تحت غطاء بناء نافدة غربية بالشرق. هذا التحالف اليهودي النصراني كان بمثابة نقطة التحول في التاريخ الحديث، حيث تمكن مفكرو العنصرية اليهودية من التحكم في أهم الأجهزة المؤثرة في الحياة الأوروبية والأمريكية وما تلاه من إعلان ميلاد الحركة الصهيونية وسعيها إلى إنشاء وطن يهودي بفلسطين عام ۱۷۹۸م. 

الرابط المختصر :