العنوان مقومات النجاح في ممارسة الدعوة: مراعاة الأولويات
الكاتب علي بن عمر بادحدح
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
مشاهدات 104
نشر في العدد 1227
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
المراد بمراعاة الأولويات معرفة مراتب الأعمال ووضعها في مواضعها، فإن المنهج الإسلامي قد جعل لكل عمل قدرًا، فإماطة الأذى وإن كانت من الإيمان فإنها في الرتبة الدنيا، كما قال صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، «ولا إله إلا الله » يقاتل لأجلها كما أخبر الرسول الكريم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» وإماطة الأذى لا يمكن أن تكون سببًا لقتال، بل هي دون ذلك بكثير، ويكفي فيها نصح ووعظ، ولا يمكن المساواة بينهما، في الدعوة إليهما في سبيل تحقيقهما، وهذا ظاهر في بيان تفاوت عدد من الأعمال فيما تضمنه قوله -تعالى-: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (التوبة: 19-20).
الأصول والفروع
لا بد للداعي أن يعلم أن الأصول لا بد أن تقدم على الفروع، والفروض على النوافل، وفروض الأعيان مقدمة على فروض الكفايات التي فيها عجز ظاهر، أولى من التي انتدب لها غيره من المسلمين، وللشيطان أرب في هذا الجانب لدى الدعاة فهو في معركة المراغمة يبدأ بالكفر فإن عجز فإلى البدعة، فإن لم يفلح فإلى كبائر الذنوب، فإن فشل فإلى صغائرها، فإن لم يتمكن فإلى الاستكثار من المباح فإن «تملص الداعية وسل نفسه لم يكن استعلاؤه على الراحة والرغد كافيًا لحصار الشيطان في زاوية اليأس، بل للشيطان محاولة سادسة فيكون له التفاف واقتحام من ثغرة أخرى، فينثر ترتيب قائمة الأولويات النسبية، بعكس القواعد الشرعية في تفاضل الأعمال الإيمانية، ويلهي المؤمن بالمفضول المرجوح، فيقضي له من علم نافع عن جمهور المنتفعين منه، يشغله بزيادة ركوع أو سجود هما جليلان، لكن التعليم أوجب عليه بعد الفرض منهما، وينقل آخر له وفرة وقوة وبسطة في الجسم والذكاء وخبرة في السياسة والإدارة، من تفاعله المنتج مع يوميات الخطة الجماعية، ومن صولاته في ساحة الفكر إلى إشراف على بناء مدرسة أو إغاثة منكوب». (المسار, ص ۱۹)
من المعلوم أن هناك مقاصد ضرورية مقدمة، ومقاصد حاجية تأتي بعدها، وهناك أيضًا مقاصد تحسينية تأتي في المرتبة الأخيرة، ولا بد من مراعاة ذلك ومعرفة أن المقاصد الضرورية أصل للحاجية والتحسينية.
العقيدة هي الأصل
والعقيدة هي أساس والشريعة هي البناء، ولا بناء من غير أساس، ولا عمل من غير توحيد وإخلاص، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوْا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوْرًا﴾ (الفرقان: 23) ﴿وَلَقَدْ أُوِحَيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (الزمر: 65) والمصطفى صلى الله عليه وسلم بدأ بالإيمان والتوحيد، ثم شرعت الشرائع، وفرضت الفرائض، والدعاة عليهم أن يسلكوا سبيله، وأن يقتفوا أثره بادئين بالأهم فالمهم، ولكن إذا كان المجتمع مسلمًا ساغ للداعي أن يدعو إلى الأهم وغيره، بل يجب عليه ذلك؛ لأن المطلوب إصلاح المجتمع المسلم، وبذل الوسع في تطهير عقيدته من شوائب الشرك ووسائله، وتطهير أخلاقه مما يضر بالمجتمع ويضعف إيمانه، ولا مانع من البدء بعض الأوقات بغير الأهم إذا لم يتيسر الكلام في الأهم، ولا مانع أيضًا من اشتغاله بالأهم وإعراضه عن غير الأهم إن رأى المصلحة في ذلك، أو خاف إن هو اشتغل بهما جميعًا أن يخفق فيهمًا جميعًا (فتاوی ابن باز 1/325)، وهذا الأمر ينبغي أن يفهم فهمًا صحيحًا، وأن يطبق تطبيقًا سليمًا من غير إفراط، ولا تفريط فالمراد بالبدء بالعقيدة التركيز على أصولها وأركانها، وهو ما يجب على المكلف اعتقاده، إذ يجب عليه أن يؤمن بالله ورسوله، ويقر بجميع ما جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وما أمر به الرسول ونهى، بحيث يقر بجميع ما أخبر به وما أمر به فلابد من تصديقه والانقياد له فيما أمر، وأما التفصيل فعلى كل مكلف أن يقر بما ثبت عنده من أن الرسول أخبر به وأمر به، وأما ما أخبر به الرسول ولم يبلغه أنه أخبر به ولم يمكنه العلم فهو لا يعاقب على ترك الإقرار به مفصلًا، وهو داخل في إقراره بالمجمل العام، ثم إن قال بخلاف ذلك متأولًا كان مخطئًا يغفر له خطؤه، إذا لم يحصل منه تفريط ولا عدوان، ولهذا يحب على العلماء من الاعتقاد ما لا يجب على أحاد العامة، ويجب على من نشأ بدار علم وإيمان من ذلك ما لا يجب على من نشأ بدار جهل، وبالتالي فإن الداعية إذا علم الناس أصول الإيمان على الإجمال أو وجدهم بها عالمين، كان الأولى به أن يركز لهم على مقتضيات الإيمان وآثاره، وربط ذلك بواقع حياتهم، وهذا أجدى وأنفع من المضي بهم إلى مزيد من المسائل والفروع التي لا يحتاجها إلا طلبة العلم، بل ربما المتخصصون منهم.
مراعاة المصالح والمفاسد
وهذا الأمر في غاية الأهمية؛ وذلك لأن «الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث- فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل» (إعلام الموقعين ۳/۳)، وهذا مبحث دقيق ينبغي في البداية التنبيه إلى أن المراد بالمصالح والمفاسد ما كانت كذلك في حكم الشرع لا ما كان ملائمًا أو منافرًا للطبع، ولا يكون تقريرها وفق أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية ودرء مفاسدها العادية، والدقة في هذا المبحث تكمن في أن المعروف قد يترك فعله والحض عليه، والمنكر قد يترك النهي عنه والإنكار عليه، بل قد يدعى إلى ترك بعض أفعال الخير، ويقصد إلى فعل بعض المنكر، وكل ذلك باعتبار تحقيق المصلحة ودفع المفسدة، فعند تحقيق أعظم المصلحتين تفوت أدناهما، وهي من المعروف المطلوب فعله، وعند درء أكبر المفسدتين يرتكب أخفهما، وهي المنكر المطلوب تركه، والخلاصة أن السيئة تحتمل في موضعين: دفع ما هو أسوء منها إذا لم تدفع إلا بها بما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها، والحسنة تترك في موضعين إذا كانت مفوتة لما هو أحسن منها، أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة، فتاوى ابن تيمية (20/53) وفقه المسألة يزيل ما قد يعلق في العقول من عجب أو شك، وبيانه أنه إذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما، لم يكن الآخر في هذه الحال واجبًا، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة، وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرمًا في الحقيقة فتاوى ابن تيمية (20/57)
أمثلة عملية
وهذه أمثلة عملية في هذا الباب أسوقها من كلام العلماء:
المثال الأول: يقول ابن تيمية: «فمن كانت العبادة توجب له ضررًا يمنعه عن فعل واجب أنفع له منها كانت محرمة، مثل أن يصوم صومًا يضعفه عن الكسب الواجب، أو يمنعه عن العقل أو الفهم الواجب، أو يمنعه عن الجهاد الواجب، وأما إن أضعفته عما هو أصلح منها وأوقعته في مكروهات؛ فإنها مكروهة، وقد أنزل الله في ذلك قوله -تعالى- ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓاْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ (المائدة: 87) فإنها نزلت في أقوام من الصحابة كانوا قد اجتمعوا وعزموا على التبتل للعبادة، هذا يسرد الصوم، وهذا يجتنب النساء، فنهاهم الله عن تحريم الطيبات من أكل اللحم والنساء» فتاوى (ابن تيمية: 20/57).
المثال الثاني: يقول ابن باز: «أما إذا كان هجر الشخص قد يترتب عليه ما هو من فعله؛ لأنه ذو شأن في الدولة، أو ذو شأن في قبيلته، فيترك هجره، ويعامل بالتي هي أحسن، ويرفق به حتى لا يترتب على هجره ما هو شر من منكره، وما هو أقبح من عمله، والدليل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يعامل رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول بمثل ما عامل به الثلاثة وهم كعب وصاحباه، بل تلطف به، ولم يهجره لأنه رئيس قومه، ويخشى من سجنه وهجره فتنة للجماعة في المدينة، ولهذا كان النبي الله يرفق به حتى مات على نفاقه نسأل الله العافية» (فتاوی ابن باز 4/235).
المثال الثالث: قال العز بن عبد السلام «الكذب سيئة محرمة، إلا أن يكون لجلب مصلحة، أو دفع مفسدة، كالكذب في حال الإصلاح بين المتخاصمين؛ لأن مصلحة تأليف القلوب أحسن من مفسدة الكذب، وككذب الرجل على زوجته لإصلاحها وحسن عشرتها، وكالكذب على الأعداء كأن يختبئ عندك رجل مظلوم والظالم يسألك عنه، حفظ العضو أعظم من مصلحة الصدق الذي لا يضر ولا ينفع، فما الظن بالصدق الضارة» (قواعد الأحكام في مصلحة الأنام ص ٨٤).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل