; مقدونيا.. مثال جديد على الانحياز الغربي ضد المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان مقدونيا.. مثال جديد على الانحياز الغربي ضد المسلمين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 24-مارس-2001

مشاهدات 70

نشر في العدد 1443

نشر في الصفحة 9

السبت 24-مارس-2001

قبل أن تنتهي محنة المسلمين في البوسنة والهرسك الذين ذاقوا ويلات القتل والتشريد والاغتصاب على أيدي المعتدين الصرب والكروات، تفجرت محنة أخرى في البلقان في كوسوفا، حيث عانى أهلها الأمرين على أيدي الصرب، حتى جاء التدخل الأطلسي لأغراض لم يكن الدافع الإنساني سوى ستار لها، وقبل أن يعرف أهل كوسوفا مصيرهم ومصير بلدهم الذي دخله جنود الأطلسي ولم يخرجوا منه بعد، انتقلت بؤرة الأحداث إلى مقدونيا، حيث تتسع دائرة التوتر يومًا بعد يوم، بشكل ينذر بكارثة جديدة، يخشى أن يكون ضحاياها كالمعتاد من مسلمي البلقان.

في مقدونيا تتجلى صورة أخرى من صور التحيز ضد المسلمين، وازدواجية المعايير والكيل بمكيالين.   

فألبان مقدونيا المسلمون الذين جرى ضمهم إليها قسرًا بعد حرب البلقان في عام ۱۹۱۲م يمثلون قرابة نصف عدد السكان ورغم ذلك فهم يعيشون في فقر مدقع، مقارنة بالمقدونيين السلاف، وهم غير ممثلين في الحكومة والبرلمان بما يتناسب وحجمهم الديموجرافي، ويشكون من التعصب الأرثوذكسي الحاكم الذي يمنع النشاطات الإسلامية.. ومع تغير الأوضاع في البلقان، وتفكك يوغوسلافيا السابقة ونيل كل القوميات الأخرى حقوقها، كان من الطبيعي أن تثور الآمال في نفوس ألبان مقدونيا لتعديل الأوضاع، وترجيح كفة الميزان المائلة، ومع ذلك، فلم يكن الألبان البادئين بالعنف، بل كان الجيش هو البادئ بالتحرك ضد الألبان والتحرش بهم، وجاء ذلك في وقت يراد فيه إعادة خلط الأوراق في البلقان، فالمنطقة لم تستقر بعد والسبيل لاستقرارها- حسب سياسات الغرب- يكون عن طريق تفجير صراع جديد يتم على إثره إعادة رسم الخريطة.

بدون سابق مقدمات طرح لورد أوين السياسي البريطاني والوسيط السابق في حرب البوسنة فكرة عقد مؤتمر جديد على غرار مؤتمر برلين عام ۱۹۷۸م، لإنهاء النزاعات في المنطقة، وقدم أوين خريطة جديدة تعطي صربيا مساحات من البوسنة وضم مساحات أخرى منها إلى كرواتيا، وإقامة كيان لمسلمي البوسنة على ۳۰% فقط من أرضها الحالية، إضافة إلى تقسيم كوسوفا ومنح صربيا منفذًا على البحر.

ونحن نشك في أن يحقق المشروع المقترح دولة مستقلة للمسلمين، إن قدر له النجاح، فأوروبا أكدت أكثر من مرة على لسان مسؤوليها أنها لن تسمح بكيان إسلامي في قلب أوروبا، وذلك ركن أساس في استراتيجياتها حسبما هو واضح حتى الآن، وحتى لو تحقق ما يطرحه المشروع، فإنه سيكون كيانًا هزيلاً ضعيفًا محاصرًا بعد أن يُسلب من المسلمين ٧٠٪ من البوسنة الحالية التي يشكلون غالبية سكانها. 

وعلى الرغم من التوقعات بزيادة التوتر في المنطقة بعد طرح مشروع أوين المذكور، فقد سمحت قوات الكيفور الموجودة في كوسوفا للجيش والشرطة الصربيين بالوجود داخل حدود كوسوفا، على الرغم من أن ذلك يزيد التوتر ولا يقلله، كما عمدت الولايات المتحدة إلى سحب ٧٥٠ جنديًا من قواتها في البلقان وهذه الإجراءات العسكرية تغري كل طامع بالتحرك لتعزيز مكاسبه. 

ويتضح اختلال الموازين وتعدد المكاييل عند الغرب، بالنظر إلى ردود أفعاله تجاه ما يحدث في مقدونيا ومقارنته بما حدث في البوسنة.

ففي عام ١٩٩٢م، تمرد الصرب الذين كانوا يمثلون ٣٢% من سكان البوسنة والهرسك على الحكومة الشرعية المنتخبة، ورغم ذلك لم يوصف الصرب الذين كانوا يطالبون بالانضمام إلى صربيا الكبرى، لم يوصفوا بالمتمردين أو الانفصاليين، وإنما اعتبروا طرفًا في الحرب، وأعطيت لهم كامل الحقوق عند الجلوس على طاولة المفاوضات، وحين دخلت القوات الدولية إلى البوسنة كان همها الأول حماية نفسها وليس حماية المدنيين أو تحرير أسرى معسكرات الاعتقال، أو منع اغتصاب النساء والفتيات بل شارك بعض أفرادها في تلك الجرائم.   

وعلى الرغم من وجود قوات نظامية وغير نظامية، قدمت من صربيا وروسيا للقتال إلى جانب الصرب، ورغم المذابح المهولة التي راح ضحيتها الآلاف من المسلمين وحوادث الاغتصاب التي تجاوزت ٥٠ ألف حالة.. رغم ذلك كله، لم يقف الغرب إلى جانب الحكومة البوسنية المدافعة عن الشرعية. 

أما في حالة مقدونيا، فقد تبارت الدول الغربية في تأييد الحكومة المقدونية، فأعلنت الولايات المتحدة أنها تؤيد الحكومة المقدونية، ووصف وزير خارجية روسيا الألبان بأنهم يثيرون نزاعًا جديدًا، وأدان قرار صدر عن مجلس الأمن استمرار ما أسماه عنف المتطرفين الذين يلقون دعمًا من الخارج وأكد أهمية الحفاظ على وحدة أراضي مقدونيا.. وقال جورج روبرتسون أمين عام حلف الأطلسي إن الحلف لن يسمح لمن أسماهم بالمتشددين بالإخلال باستقرار مقدونيا، وجدد رئيس وزراء اليونان الذي تربط بلاده علاقة وثيقة بحكومة مقدونيا، ويشتركان معًا في الديانة الأرثوذكسية، جدد دعمه لحكومة مقدونيا، مشيرًا إلى أن الحدود الحالية لا يمكن أن تتغير وقدمت بلغاريا عددًا من الدبابات هدية لمقدونيا. 

وبمقارنة بسيطة بين الموقف تجاه قضيتي البوسنة ومقدونيا ندرك للوهلة الأولى حجم انحياز الغرب لمقدونيا الأرثوذكسية، وغبنه لحقوق المسلمين سواء كانوا في البوسنة أو في مقدونيا، ورغم ذلك، يستمر التبجح الغربي بادعاءات حقوق الإنسان. 

 إن لألبان مقدونيا حقوقًا دينية وقومية ينبغي الاعتراف بهاء إذا كانت هناك رغبة حقيقية في معالجة الموقف بشكل يحفظ لكل طرف حقه، ومن تلك الحقوق: 

- الاعتراف بالانتماء الديني لهم كمسلمين وبثقافتهم الخاصة.

 - الاعتراف بالقومية الألبانية والسماح لهم بالدراسة بلغتهم الخاصة. 

- الاعتراف بحقوقهم السياسية، ومشاركتهم في السلطة بما يتناسب وحجمهم الديموجرافي. 

- إقامة نظام فيدرالي يدير الألبان فيه شؤونهم الخاصة.

أما اللجوء إلى أساليب القهر والكبت والتآمر فمن الواضح أنها لن تجدي فتيلاً، وإذا كانت روسيا تتولى كبر هذه المجموعة السلافية الأرثوذكسية، فإنها لو صدقتهم النصح، لكشفت لهم جم معاناتها وخسارتها في الشيشان، على الرغم من كل الجرائم التي ارتكبتها هناك، فالمسلمون لم يعودوا العنصر الذي يقبل بالدنية أو يفرط في الحقوق، بعد أن نشأت أجيال تفهم دورها الحقيقي في الحياة.

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (الحج: 39: 40)

الرابط المختصر :