العنوان مقتل زعيم أهل السنة في إيران في ظروف غامضة
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1994
مشاهدات 63
نشر في العدد 1111
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 09-أغسطس-1994
خمسون ألفًا من أهل السنة شاركوا في جنازة ضيائي
مما دفع حاكم لاريستان إلى منع التجمعات والشعائر الدينية لتأبين الشيخ
بندر عباس- طهران - خاص لـ "المجتمع": شهدت قرى أهل السنة
في جنوب إيران اضطرابات واسعة خلال الأسبوعين الماضيين بعد مقتل الشيخ محمد بن
محمد صالح ضيائي الذي برز بعد وفاة الشيخ أحمد مفتي زادة كواحد من أبرز علماء
السنة في إيران.
وكانت الشرطة الإيرانية قد أعلنت في الثالث والعشرين من يوليو الماضي
أن الشيخ محمد صالح ضيائي قد لقي مصرعه في حادث سيارة، وذلك بعد اختفائه بأسبوع
بعد استدعائه من قبل سلطات الأمن.
ظروف مقتل الشيخ ضيائي
وكان الشيخ ضيائي الذي قتل في العشرين من يوليو الماضي قد تم استدعاؤه
من قبل والي مدينة "لارستان" وأكدوا عليه في الاستدعاء أن يذهب وحده دون
أي مرافقين، وذلك بعد عودته بأيام من التحقيق معه في طهران.
وخرج الشيخ من مسقط رأسه في قرية "هود" قاصدًا مكتب الوالي
في "لارستان" في 20 يوليو الماضي إلا أنه بعد مضي ثلاثة أيام لم يرجع
إلى أهله، فقصدوا مكتب الوالي الذي أخبرهم بأنه قد أرسل إلى طهران للتحقيق معه.
وذهب أهله إلى طهران فلم يحصلوا على نتيجة، وبعد يومين اتصلت السلطات
من بندر "لنجة" ببيت الشيخ ضيائي في منطقة بندر عباس وأخبروهم بأن الشيخ
قد قتل إثر انقلاب سيارته وهو في طريقه إلى طهران.
إلا أن أقارب الشيخ ضيائي حينما ذهبوا لرؤية السيارة التي قيل إنها
سقطت في حوزة مدينة "بستك" لم يجدوها، وبعد يومين جاءهم أحد رجال الأمن
وأخذهم إلى جسر مهران الذي يبلغ ارتفاعه 15 مترًا ويقع بالقرب من مركز شرطة مهران،
وقال لهم إن سيارة الشيخ أسفله.
فوجدا أن السيارة واقفة على عجلاتها الأربع والأضرار التي أصابتها
طفيفة ولا يوجد بها أي أثر للدماء، ومما زاد تأكيد شكوك أقارب الشيخ بأنه قد قتل
تحت التعذيب وليس في حادث سيارة، أنهم وجدوا جثته مشوهة بفعل فاعل وليس نتيجة
لحادث سير.
وقال أحد أقاربه لـ "المجتمع": إن رأس الشيخ قد شوه تمامًا
وأن وجهه يصعب التعرف عليه إلا بصعوبة وقد رشوا عليه مادة "أسيد" لتشويه
الوجه والجثة.
وأفاد المتحدث باسم أسرة الشهيد ضيائي -السيد مرتضى حسيني- في تصريح
نقلته وكالات الأنباء في الثامن والعشرين من يوليو الماضي بأن جثة الشيخ ضيائي
التي تسلمها أهله كان قد مثل بها تمثيلا بشعًا.
وأضاف حسيني بأنه كان من الواضح أن ذراعًا وساقًا للشيخ قد بترا وأن
الرأس قد هشم كما لو كان بفعل ضرب متكرر بأداة صلبة -وأيا كانت الأداة- فإن
التكسير ليس من فعل حادث سير.
وكانت أسرة زوجة الشيخ ضيائي قد تلقت مكالمة منه في منتصف الليلة التي
تم استدعاؤه فيها إلى مكتب الوالي في 20 يوليو أخبرهم فيها أنه لن يأتي على
العشاء، ولما لم يكن الشيخ مدعوًا على العشاء من قبل أسرة زوجته في ذلك اليوم فقد
فسر أقرباؤه المكالمة على أنها إشارة لتعرضه لمتاعب.
وكانت سلطات الأمن في إيران قد قامت بإغلاق الطرق المؤدية إلى القرى
السنية في الجنوب بعد انتشار خبر مقتل الشيخ، وأصدر حاكم لاريستان قرارًا بحظر كل
التجمعات والشعائر الدينية لتأبين الشيخ بعدما خرج أكثر من خمسين ألفًا -من أهل
السنة- لتشييع الشيخ إلى مثواه الأخير.
أهل السنة في إيران
وكان مقتل الشيخ ضيائي قد جاء في أعقاب اضطرابات برزت في الفترة
الأخيرة بين أهل السنة والشيعة على إثر اتهام أهل السنة في إيران للنظام باضطهادهم
وقمعهم وزيادة عدد المعتقلين من أهل السنة في الوقت الذي ترفع فيه إيران راية
الدولة الإسلامية.
ويتوزع أهل السنة في إيران على جهاتها الأربع، حيث يقيم أهل السنة
العرب في الجنوب ويقيم أهل السنة البلوش في منطقة بلوشستان على حدود باكستان،
ويقيم أهل السنة الأكراد في منطقة كردستان، ويقيم أهل السنة الخراسانيون على حدود
أفغانستان وروسيا، أما أهل السنة التركمان فيقيمون في شمال إيران.
ومع التكتم الشديد الذي تحرص عليه السلطات الإيرانية فقد اندلعت في
أول فبراير الماضي اضطرابات ضخمة في مدينة "زاهدان" التي تقع شرق إيران،
وهي عاصمة محافظة بلوشستان يمثل السنة 80% من عدد سكانها.
وذلك على إثر انتشار معلومات عن تدمير مسجد أهل السنة في مشهد إحدى
المدن الإيرانية الكبرى في شمال إيران، وقد خرج أهل السنة في مظاهرات حاشدة في
المدينة تصدت لها قوات الأمن حيث قتل وأصيب المئات من أهل السنة.
وأصدرت السلطات الإيرانية بيانًا قالت فيه إن هذه التظاهرات:
"مؤامرة حاكتها عناصر شريرة مضادة للثورة ومرتبطة بالخارج"، وقد امتدت
المظاهرات من زاهدان عاصمة إقليم بلوشستان إلى هشتبر الواقعة على ساحل بحر قزوين
وجنبد كاووس غرب الحدود مع تركمانستان وهي مدن تشكل ثقلاً سكانيًا لأهل السنة في
إيران.
وقد أدت هذه الاضطرابات إلى إلغاء الاحتفال بالذكرى الخامسة عشرة
للثورة في كثير من المدن الإيرانية.
ورغم أن عدد أهل السنة الإيرانيين غير معروف على وجه التحديد لأن
السؤال عن المذهب والعقيدة كان ممنوعًا قبل تسلم الملالي السلطة قبل خمسة عشر
عامًا ولكن منذ قيام الثورة، وإعلان المذهب الجعفري مذهبًا رسميًا للدولة صار على
كل إيراني أن يكشف عن مذهبه ليحصل على بطاقة هوية شخصية أو جواز سفر.
وقد أدى هذا إلى زيادة الهوة، والفرقة، والاستفزاز لأهل السنة في
البلاد، ورغم أن الحكومة لم تكشف في آخر إحصاء سكاني قامت به على أساس المذهب عدد
السكان من أهل السنة، إلا أن مصادر حكومية تقول إن عدد الإيرانيين من أهل السنة
يبلغ سبعة ملايين نسمة إلا أن مصادر مستقلة تؤكد أنهم أكثر من عشرة ملايين وتشير
مصادر أخرى إلى أنهم اثنا عشر مليونًا.
وقد واجه أهل السنة ضغوطًا كثيرة طوال الخمسة عشر عامًا الماضية حيث
اعتقل كثير من زعمائهم وعلمائهم وقتل آخرون، من أبرزهم الدكتور مظفريان، والشيخ
ناصر سبحاني، والشيخ أحمد مفتي زادة -الذي بقي سنوات عديدة في السجن- حيث توفي
-رحمه الله- بعد خروجه من السجن في شهر فبراير عام 1993م.
أما الشيخ إبراهيم داني فلا يزال معتقلاً حتى الآن مع آلاف آخرين من
أهل السنة، وأخيرًا جاء مقتل الشيخ محمد ضيائي في 20 يوليو 1994م، ليضاف إلى قائمة
شهداء أهل السنة الذين تمت تصفيتهم خلال الخمسة عشر عامًا الأخيرة.
وقد طالب أهل السنة في إيران السلطات الإيرانية أن تذكر الأسباب
الحقيقية لمقتل الشيخ ضيائي وأن تقدم قتلته للقصاص العادل وأن تغير من أساليب
الاضطهاد والتمايز التي يتعرض لها أهل السنة.
وإن الحفاظ على حرمة دماء علماء أهل السنة وفك القيود عن المعتقلين
منهم أوجب من الحملة الدعائية ضد المارق "سلمان رشدي" فحرمة دم المسلم
عظيمة عند الله.
وإن الذي يرفع الإسلام شعارًا عليه أولاً أن يحافظ على دماء المسلمين
ويقتص لمن أجرم في حقهم أو سفك دمائهم، وإذا كان "سلمان رشدي" في حماية
الدول الغربية والمارقين أمثاله يملؤون جنبات الدنيا، فإن قتلة الدكتور مظفريان
والشيخ محمد ضيائي تحت يد السلطة في إيران وهي على علم بهم.
وبالتالي فمن الأولى بها أن تقدمهم للقصاص العادل حفاظًا على الشعارات
الإسلامية التي ترفعها، وحفاظًا على مشاعر عشرة ملايين سني إيراني ومئات الملايين
من أهل السنة في جميع أنحاء العالم.
الشيخ محمد ضيائي -رحمه الله-
ولد الشيخ محمد ضيائي في قرية هود عام 1940م، درس الابتدائية في
العلوم الشرعية على يد الشيخ أحمد فقيهي -مفتي أهل السنة في فارس- وبعد إتمامه
للعلوم الشرعية في مدرسة سلطان العلماء في مدينة "لنجة" انتقل إلى
المدينة المنورة حيث أكمل دراساته الشرعية والتحق بالجامعة الإسلامية بالمدينة
المنورة وتخرج فيها في العام 1970م، ويعتبر الشيخ محمد ضيائي أحد تلامذة الشيخ عبد
العزيز بن باز.
عاد بعد ذلك إلى "بندر عباس" في إيران حيث عمل مدرسًا
للعلوم العربية وخطيبًا وإمامًا للجمعة في بندر عباس، وقد بدأت السلطات الإيرانية
في مضايقته ابتداء من العام 1981م.
واعتقل بعد مقابلة نشرت له في مجلة "المجتمع" في
5/10/1982م، لمدة أربعة أشهر، أفرج عنه بعدها وظل تحت الرقابة والملاحقة الأمنية
حيث اعتقل بعد ذلك حينما أعلن انتقاده لما أعلنته الحكومة من أن فتاوى الخميني
ملزمة لسائر المسلمين شأن فروض الدين الحنيف.
كما تعرض لضغوط كبيرة في طهران لكي يعلن ولاءه لعلي خامنئي كـ
"مرجع للتقليد" لسائر المسلمين، إلا أنه رفض هذه الضغوط قائلاً: إن أهل
السنة لا يعملون بـ "التقليد".
وقد لعب الشيخ ضيائي -رحمه الله- في المدة الأخيرة دورًا بارزًا في
الحفاظ على الهدوء في مناطق السنة في بندر عباس ولاريستان إثر تحرك السنة في أماكن
أخرى من إيران احتجاجًا على تهديم أقدم مساجد السنة في "مشهد" في شهر
فبراير الماضي.
وقد زادت الضغوط على الشيخ ضيائي حينما توجه إلى طهران في الشهر
الماضي؛ حيث التقى بعدد من الملالي الشيعة المتنفذين طالبًا منهم المساعدة على
إعادة بناء المسجد الذي هدم في "مشهد" وإعادة فتح مسجد الدكتور مظفريان
في شيراز ورفع القيود المفروضة على المدارس وأماكن العبادة السنية في أرجاء إيران.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل