; مقتل الشيخ عساف.. مزيد من التناقض بين الحركة الوطنية والمسلمين في لبنان | مجلة المجتمع

العنوان مقتل الشيخ عساف.. مزيد من التناقض بين الحركة الوطنية والمسلمين في لبنان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1982

مشاهدات 99

نشر في العدد 569

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 04-مايو-1982

 الشارع الوطني الإسلامي يعاني انفصاما في الولاء.

 الشيخ أحمد عساف ذهب ثمنا لهذا الرفض.

 التيار الإسلامي يرفض فكرة المجالس المحلية لأنها تكريس للتقسيم.

 الحركة الوطنية تقترح انتخاب المجالس المحلية.

انفجرت مشاعر الشارع الإسلامي في لبنان لمقتل الشيخ أحمد عساف بشكل لم يسبق له مثيل، فقد أعلنت المدن اللبنانية الإضراب الطوعي الشامل، وفي كل المناطق، سواء منها التي تسيطر عليها القوى الإسلامية الوطنية أو التي يحتكر العمل فيها حزب الكتائب اللبناني الماروني، لم يكن مقتل الشيخ أحمد عساف هو سبب النقمة، إنما هو كما يقولون القشة التي قصمت ظهر البعير.

  • تفاوت الانتماء في الحركة الوطنية:

فمنذ بداية الأحداث اللبنانية الدامية عام ١٩٧٥ والشارع الوطني الإسلامي في لبنان يعاني انفصامًا واضحًا في الولاء وضياعًا في الهوية، فهو إسلامي تحفزه مشاعر الجهاد والحرمان الطائفي والاضطهاد السياسي، لكن القيادات التي كانت تحتكر الزعامة في الشارع الوطني الإسلامي سواء في العاصمة بيروت أو طرابلس أو صيدًا أو الريف كانت هي أحزاب الحركة الوطنية التي إن تفاوتت في انتماءاتها الماركسية وولاءاتها السياسية اليسارية فإنها لا تختلف كثيرًا في ارتباطها الخارجي وتنفيذها مخططات عربية أو أجنبية لا تمت إلى مصلحة المسلمين في لبنان بأي صلة.. وكان المسلمون يشعرون بالتمزق إزاء هذا الواقع، لكن وجود عدو مشترك متمثل في الداخل بالجبهة اللبنانية المارونية وفي الخارج بالعدو الإسرائيلي جعل المسلمين جميعًا يتجاوزون خلافاتهم المبدئية مع أحزاب الحركة الوطنية، على اعتبار أن الجميع يقاتلون في خندق واحد دفاعًا عن المناطق الوطنية الإسلامية والمقاومة الفلسطينية.

  • تيار إسلامي متميز

ولقد استطاعت الحركة الإسلامية في لبنان إبراز تیار إسلامي متميز سواء كان ذلك في الميدان القتالي أو السياسي أو الاجتماعي، ولكن هذا التيار بقي قاصرًا عن استيعاب الساحة الإسلامية لسببين أساسيين: أولهما أن أحزاب الحركة الوطنية كانت تتمتع بقدرة مادية لا حدود لها من مصادر عربية وأجنبية، والثاني أن الحركة الوطنية كانت تعقد حلفًا استراتيجيا مع منظمة التحرير الفلسطينية جعل كلًّا من الطرفين مكملًا للآخر، لكن كل ذلك لم يمكن للحركة الوطنية من قلوب المسلمين، فقد نشأت عزلة قاتلة فيما بينها وبينهم نتيجة الممارسات الشاذة والانحرافات التي وقعت فيها عناصر الأحزاب، إلى درجة كانت معها بعض التنظيمات ذات الرصيد الشعبي المحلي في الشارع الإسلامي تضطر إلى أن تبرر لنفسها موقفًا مستقلًا عن الحركة كي تحتفظ بجمهورها.

  • عزلة الحركة الوطنية

لكن الحركة الوطنية كانت تشعر بمزيد من العزلة، وبأنها مسؤولة عن الضياع والتشرذم الذي يسود المناطق الوطنية، وأنها بدأت تفقد سيطرتها على الأمور، وأن المواطنين بدءوا يبدون تململًا واضحًا من خلال مطالبتهم بأن تتولى قوى الأمن الداخلي حفظ الأمن بدلًا من الميليشيات الحزبية المسلحة، وأن يدخل الجيش الجنوب اللبناني بدلًا من قوات الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية حتى لا يكون ذلك مبررًا لإسرائيل فتجتاح الجنوب أو تضربه بغاراتها الجوية.. فاتخذت الحركة الوطنية قرارًا بإنشاء مجالس محلية يجري انتخابها تحت إشراف الحركة الوطنية، وهذا ما يمنح الحركة تفويضًا شعبيًّا شرعيًّا لتنطق باسم الشارع الوطني والإسلامي ولتشد من قبضتها عليه من خلال أن تتولى بدلًا عن الدولة الشؤون العامة المدنية والعسكرية وأن تحيي الضرائب وتقرر ما تريد من خلال تمتعها بشرعية التمثيل بعد إجراء الانتخابات

  • معارضة المجالس المحلية

فقامت في وجه هذه الخطوة معارضة واسعة تمثلت في التيار الإسلامي العام، و «التجمع الإسلامي» الذي يضم الزعامات الإسلامية التقليدية ورؤساء الوزارات السابقين وحركة أمل الشيعية.. وذلك لسببين، الأول أن إنشاء هذه المجالس سيكون تكريسًا للتقسيم وهو ما يرفضه المسلمون لأنهم سيكونون الخاسر الأكبر فيه، والثاني انعدام الثقة المتزايدة ما بين المسلمين عامة وأحزاب الحركة الوطنية، واشتدت معارضة المشروع، واتخذ المجلس الشرعي الإسلامي برئاسة مفتي الجمهورية قرارًا برفضه، كما اتخذ المجلس الإسلامي الشيعي قرارًا مماثلًا، وبرز تكتل ضم الجمعيات والهيئات الإسلامية في بيروت برئاسة الشيخ أحمد عساف أعلن رفضه للمشروع.. ولما أدركت زعامة الحركة الوطنية حجم المعارضة اضطرت لأن تسحب مشروعها وأن تجمده ريثما تتاح لها فرصة مواتية.

  • دم الشيخ أحمد عساف ثمن الرفض

لكن اغتيال الشيخ أحمد عساف قلب الموازين، فالرجل يتمتع برصيد شعبي لا بأس به في منطقة «عائشة بكار» وقد أنشأ فيها مركزًا إسلاميًا يضم مسجدًا ومستوصفًا وقاعة محاضرات ومدرسة. ولابد أن أصابع الإتهام إتجهت بداهة إلى الحركة الوطنية، فالطريقة التي تمت بها عملية الاغتيال تشير إلى أن مرتكبها ليس غريبًا عن المنطقة، فقد غادر المجرمون سيارتهم بعد أن أفرغوا رصاص رشاشاتهم في جسم الشيخ أحمد عساف وغطوا انسحابهم بزخات من الرصاص.. صحيح أنهم أفلتوا، لكن غضبة الشارع الإسلامي كانت عارمة، إذ خرجت إلى الشوارع أعداد كبيرة من المسلمين الملثمين، وكان متوقعًا أن يحدث صدام مباشر، لكن القوات السورية في بيروت أحاطت مراكز الأحزاب اليسارية ومنازل زعمائها بطوق من الجنود والسيارات المدرعة، ليس هذا وحسب، بل إن المشاعر الشعبية انفجرت بشكل عفوي، وكانت الهتافات تتردد- كما نقلت وكالات الأنباء- بأن بيروت ليست حماة، وأدركت المقاومة الفلسطينية مقدار اهتزاز رصيدها المتبقي لدى الشارع الإسلامي نتيجة تحالفها مع الحركة الوطنية فأصدر ياسر عرفات استنكارًا شديدًا للحادث، واعتبر الشيخ أحمد عساف شهيدًا للثورة الفلسطينية.

وفي يوم الجنازة أعلن الإضراب في المناطق الإسلامية والمسيحية على السواء، وشارك فيها جمع غفير قدر بخمسة وعشرين ألف رجل رغم ما كان يسود الساحة من احتمالات الصدام.

وسواء كانت إحدى فصائل الحركة الوطنية هي التي ارتكبت الجريمة أم أن طرفًا ثالثًا ارتكبها لتحمل الحركة الوطنية وزرها، فإنها ستكون بلا شك إسفينًا كبيرًا فيما بقي لهذه الحركة لدى المسلمين من رصيد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1344

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق